سحر النادى آخر ما كنت أتخيله أن تتدخل السياسة في الزواج، وأن تختلف معايير اختيار "العريس" عند بنات مصر "الثورجيات" بعد 25 يناير. فحتى قيام الثورة، كان معيار الاختيار غالبا أحد ثلاثة: إما مفرط في الرومانسية: لازم يكون شبه مهند بتاع المسلسل التركي ودمه خفيف وشيك ورياضي ورومانسي وغني ويعمل فرح على الشاطئ وقت الغروب ... وإما مفرط في المادية: السوليتير وحساب البنك والفيلا والهامر... وإما تائه تماما بدون أي معايير: كلهم زي بعض، أهو جواز والسلام، ده قدر ومكتوب ومالناش يد فيه. يبدو أننا أخيرا اكتشفنا معيارا للتقييم كان تايه عننا، فحتى في الزواج أصبحت السياسة هي المحرك الأول في مصر الثورة. ولكن مؤخرا، تعرفت من صديقاتي المقبلات على الزواج على مقياس جديد أضيف لمعايير اختيار العريس: أن يكون ثورجيا تحريريا معتصما، أو على الأقل ألا يكون من الفلول، وذلك أضعف الإيمان، لأن الفِل لا تصلحه إلا فِلة مثله ولا يحل لثائرة أو متظاهرة. وإليكم مثال واقعي: اتصلت بي صديقة عزيزة لتبلغني أن مشروع الخطوبة المأمول لم يتم، فاستغربت لأن العريس المنتظر كان ميسور الحال وشكله مش بطال ومن عائلة مناسبة، وهي عاقلة ومتدينة وجميلة ومن عائلة محترمة، ولكن صديقتي قالت بمنتهى الجدية إن طلع فيه عيب خطير، والحمد لله أنها عرفت قبل أن تقع الفأس في الرأس:لقد اكتشفت أن عريس الغفلة -والعياذ بالله- من حزب "إحنا آسفين يا ريس" المناهض لمعتقداتها الثورية. فقد صدمها أنه يردد المقولة الشهيرة: "خدنا إيه من الثورة غير وقف الحال؟" و"منهم لله خربوا البلد" في أول تعارف، ولما استفسرت منه، قال إن شركته الخاصة خسرت بعد الثورة. أما صديقتي، فكانت من مناضلي كوبري الجلاء يوم 28 يناير في جمعة الغضب وما بعدها. وأسهبت صديقتي في تحليل المناظرات التليفونية التي دارت بينهما في فترة التعارف، وكيف حاول إقناعها بنظريات المؤامرة وهجوم الكائنات الفضائية ذات الأجندات وسلاحف النينجا المندسة (لصاحبها ومخترعها مطرب الفلول الشهير)، بينما اعتبرت هي هذا الفكر الفلولي المشوه تحديا لمهاراتها الإقناعية الثورية، فأخذت على عاتقها أن تكسب فيه ثواب وتشرح له فقه التحرير ومكتسبات الثورة لعله يعتنق الفكر الثوري مثلها فيحل لها أن تتزوجه. ولكنها رغم ما بذلته من مجهود في إعادة تأهيله (والكلام ما زال لصديقتي)، فقد فشلت للأسف، وأصر هو على فلوليته الكريهة، فما كان منها إلا أن رفضت الزواج منه، بل وأبلغته بالسبب الذي أفقده النطق، فقد قالت له: "أنا آسفة، كل شئ نصيب يا أستاذ، ما اقدرش اتجوز واحد من الفلول". ولكن لأنها تتحلى بأخلاق الثورة المتسامحة مع "الآخر" واحترام حريته في المعتقد والتعبير، فقد تسامت على اشمئزازها من فلوليته، وقامت بمنتهى الروح الرياضية بتقديمه لزميلتها في العمل التي اشتهرت بانهيارها وبكائها الهستيري كلما سمعت أخبار "بابا المخلوع". ويبدو أنه "ما جمع إلا ما وفق" لأن الموضوع ماشي حتى الآن، والزملاء في المكتب يشاهدون منبهرين تكوين أسرة فلولية جديدة تحلم بالاستقرار، وبالرفاء والبنين. وبذلك يبدو أننا أخيرا اكتشفنا معيارا للتقييم كان تايه عننا، فحتى في الزواج أصبحت السياسة هي المحرك الأول في مصر الثورة، وهناك من يهيب بكم أن تسألوا كويس عن العرايس والعرسان قبل أن توافقوا على الخطوبة، ويا حبذا لو استطعتم الحصول على شهادة حسن سلوك ثوري موقعة من اتنين معتصمين، أعاذكم الله وذويكم من شر الفلول.