في ساعات متأخرة من الليل، اخترقت مقاتلات بريطانية وفرنسية الأجواء السورية، متجهة نحو مناطق جبلية وعرة طالما شكلت ملاذًا آمنًا لعناصر تنظيم داعش. لم تكن الغارات مجرد عملية عسكرية عابرة، بل رسالة متعددة الاتجاهات، تكشف عن تحولات في خريطة المواجهة مع التنظيم، وعن مخاوف دولية من عودته إلى الواجهة من جديد. الضربة.. استهداف صامت لمواقع غير مرئية بحسب المعلومات الأولية، ركزت الغارات على مواقع يُعتقد أنها تضم مخازن أسلحة، وغرف قيادة ميدانية، ومخابئ يستخدمها التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه بعيدًا عن أعين الطائرات المسيرة. اختيار المناطق الجبلية لم يكن صدفة فهي لطالما مثلت بيئة مثالية لعناصر داعش للاختباء، وإدارة عملياتهم بشكل لا مركزي. لماذا الآن؟ قراءة في توقيت الغارات تأتي هذه الضربات في توقيت حساس، يشهد فيه المشهد السوري حالة من السيولة الأمنية في بعض المناطق، بالتزامن مع انشغال قوى إقليمية ودولية بملفات أخرى. هذا الفراغ النسبي أتاح للتنظيم هامش حركة محدود لكنه خطير، ما دفع لندن وباريس للتحرك الاستباقي لمنع أي محاولات لإعادة بناء البنية العسكرية لداعش. رسائل سياسية تتجاوز ساحة القتال لا تحمل الغارات بعدًا عسكريًا فقط، بل تتضمن رسائل سياسية واضحة، منها تأكيد استمرار الالتزام الأوروبي بمحاربة التنظيم، رغم تراجع زخم التحالف الدولي. وتوجيه إنذار مبكر بأن أي محاولات لعودة داعش ستُواجَه بضربات مباشرة. وإعادة تثبيت الحضور العسكري الغربي في الملف السوري، ولو من بوابة مكافحة الإرهاب. داعش والجبال.. تكتيك البقاء يعتمد التنظيم في المرحلة الحالية على ما يُعرف ب«حرب الاستنزاف الصامتة»، مستغلًا التضاريس الجبلية لتنفيذ عمليات محدودة، وزرع عبوات ناسفة، وإعادة تنشيط الخلايا النائمة. هذه الاستراتيجية تُقلق العواصمالغربية، لأنها لا تحتاج إلى أعداد كبيرة، بل إلى مساحة آمنة وزمن كافٍ لإعادة التنظيم. هل تكفي الضربات الجوية؟ رغم أهميتها، تظل الغارات الجوية أداة ردع مؤقتة ما لم تُدعَم بتنسيق استخباراتي واسع، وجهود ميدانية تمنع التنظيم من إعادة التموضع. التجارب السابقة أثبتت أن داعش يجيد التكيف مع الضربات، والعودة بأشكال مختلفة، مستفيدًا من الفوضى الأمنية والانقسامات السياسية. خلاصة المشهد الغارات البريطانية الفرنسية في جبال سوريا ليست نهاية فصل، بل بداية تحذير. التنظيم الذي هُزم عسكريًا لم يُقضَ عليه فكريًا أو تنظيميًا بالكامل، ومع كل فراغ أمني، يعود شبحه للظهور.