رئيس الطائفة الإنجيلية يشارك في احتفال رأس السنة الميلادية بكنيسة مصر الجديدة    رئيس البورصة المصرية: أغلب الشركات أبدوا موافقة على قرار مد التداول لنصف ساعة إضافية    سوريا.. قتيل وإصابات في صفوف الأمن بانتحاري يستهدف دورية في حلب    مواعيد مباريات دور ال 16 بأمم أفريقيا 2025    مصرع وإصابة 4 أشخاص في حادث بقنا    أحمد السقا عن سليمان عيد: مقدرتش أدفنه    ختام أنشطة البرنامج التدريبى للطاقة الشمسية فى بنبان بأسوان    محافظ الأقصر يسير على كورنيش النيل لمسافة 5 كيلومترات لمشاركة المواطنين استقبال العام الميلادي الجديد    خالد عكاشة: مصر أنجزت السلام بجهد وطني خالص وتدير أزمات الإقليم بصلابة    الرئيس الإيراني يدعو إلى التضامن بدلا من الاحتجاجات    خلال مشاركته المحتفلين بالعام الجديد في احتفالية شركة العاصمة الجديدة رئيس الوزراء يؤكد لدينا مؤشرات إيجابية تُبشر بسنوات من التقدم والتنمية    مدير التربية والتعليم يتفقد ورش تدريب المعلمين الجدد بالإسكندرية | صور    حبس الأب وصديقه فى واقعة خطف طفل بكفر الشيخ وعرضهما غدا على محكمة الجنح    رئيس جامعة كفر الشيخ يتفقد مطعم المدن الجامعية للاطمئنان على جودة التغذية| صور    أحمد السقا يحسم الجدل حول عودته لطليقته مها الصغير    إليسا ب حفل العاصمة الجديدة: أحلى ليلة رأس السنة مع الشعب المصرى.. صور    أم الدنيا    الإفتاء: الدعاءُ في آخر العام بالمغفرة وفي أولِه بالإعانة من جملة الدعاء المشروع    مستشفيات جامعة بني سويف: إنقاذ مريضة مصابة بورم خبيث في بطانة الرحم والمبيض    محافظ الجيزة: أسواق اليوم الواحد حققت نجاحًا كبيرًا وافتتاح سوق جديد بإمبابة الأسبوع المقبل    كاف يعلن الاحتكام للقرعة لحسم صدارة المجموعة السادسة بأمم أفريقيا    28 يناير.. الحكم على طالبات مشاجرة مدرسة التجمع    كنوز| «الضاحك الباكي» يغرد في حفل تكريم كوكب الشرق    العثور على جثة شخص أمام مسجد عبد الرحيم القنائي بقنا    العملة الإيرانية تهوي إلى أدنى مستوى تاريخي وتفاقم الضغوط على الأسواق    معتز التوني عن نجاح بودكاست فضفضت أوي: القصة بدأت مع إبراهيم فايق    عن اقتصاد السّوق واقتصاديات السُّوء    إكسترا نيوز: التصويت بانتخابات النواب يسير بسلاسة ويسر    هل يجوز الحرمان من الميراث بسبب الجحود أو شهادة الزور؟.. أمين الفتوى يجيب    ظهور مميز ل رامز جلال من داخل الحرم المكي    أمم أفريقيا 2025| انطلاق مباراة السودان وبوركينا فاسو    صلاح يواصل استعداداته لمواجهة بنين في ثمن نهائي أمم أفريقيا 2025    وزير «الصحة» يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لإحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد    خالد الجندي: الله يُكلم كل عبد بلغته يوم القيامة.. فيديو    "التعليم الفلسطينية": 7486 طالبًا استشهدوا في غزة والضفة الغربية منذ بداية 2025    وزير الصحة يتابع تنفيذ خطة التأمين الطبي لاحتفالات رأس السنة وأعياد الميلاد المجيد    الداخلية تضبط تشكيلًا عصابيًا للنصب بانتحال صفة موظفي بنوك    بشرى سارة لأهالي أبو المطامير: بدء تنفيذ مستشفي مركزي على مساحة 5 أفدنة    حصاد 2025.. جامعة العاصمة ترسخ الوعي الوطني من خلال حصادًا نوعيًا للأنشطة العسكرية والتثقيفية    ذات يوم 31 ديسمبر 1915.. السلطان حسين كامل يستقبل الطالب طه حسين.. اتهامات لخطيب الجمعة بالكفر لإساءة استخدامه سورة "عبس وتولى" نفاقا للسلطان الذى قابل "الأعمى"    دون أي مجاملات.. السيسي: انتقاء أفضل العناصر للالتحاق بدورات الأكاديمية العسكرية المصرية    حصاد 2025| منتخب مصر يتأهل للمونديال ويتألق في أمم أفريقيا.. ووداع كأس العرب النقطة السلبية    دينيس براون: الأوضاع الإنسانية الراهنة في السودان صادمة للغاية    إيمري يوضح سبب عدم مصافحته أرتيتا بعد رباعية أرسنال    إجازة السبت والأحد لطلاب مدارس جولة الإعادة في انتخابات النواب بأسوان    وزارة الصحة: صرف الألبان العلاجية للمصابين بأمراض التمثيل الغذائى بالمجان    إصابة 8 عاملات في حادث انقلاب ميكروباص بالطريق الصحراوي القاهرة–الإسكندرية بالبحيرة    صقور الجديان في مهمة الفوز.. السودان يواجه بوركينا فاسو اليوم في كأس أمم إفريقيا 2025    "القومي للمسرح" يطلق مبادرة"2026.. عامًا للاحتفاء بالفنانين المعاصرين"    السودان يواجه بوركينا فاسو في مباراة حاسمة.. صقور الجديان يسعون للوصافة بكأس أمم إفريقيا    السودان وبوركينا فاسو في مواجهة حاسمة بكأس أمم إفريقيا 2025.. تعرف على موعد المباراة والقنوات الناقلة    رابط التقديم للطلاب في المدارس المصرية اليابانية للعام الدراسي 2026/2027.. يبدأ غدا    محافظ أسيوط: عام 2025 شهد تقديم أكثر من 14 مليون خدمة طبية للمواطنين بالمحافظة    «اتصال» وImpact Management توقعان مذكرة تفاهم لدعم التوسع الإقليمي لشركات تكنولوجيا المعلومات المصرية    قصف وإطلاق نار اسرائيلي يستهدف مناطق بقطاع غزة    مصرع طفل صدمه قطار أثناء عبوره مزلقان العامرية بالفيوم    توتر متصاعد في البحر الأسود بعد هجوم مسيّرات على ميناء توابسه    رضوى الشربيني عن قرار المتحدة بمقاطعة مشاهير اللايفات: انتصار للمجتهدين ضد صناع الضجيج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محمد الباز يكتب: القرآن في مصر "2".. البحث عن مصحف مكتوب باللغة العصرية
نشر في البوابة يوم 08 - 06 - 2016

توقعت أن يكون عدد مجلة الهلال عن «القرآن نظرة عصرية جديدة» صدر فى شهر رمضان 1390، لكنه كان إصدار شهر ديسمبر 1970، الذى يتوافق مع 3 شوال.
يمكن ألا تتوقف عند هذه الملاحظة كثيرًا، خاصة أن إدارة الهلال فى هذا الوقت من الطبيعى ألا تلتفت إلى المناسبات الدينية، فعدد عن القرآن يجب أن يصدر مواكبًا لرمضان، وليس لشوال، لكن يبدو أن هناك ما حدث خلال شهر رمضان هذا العام حرك الماء الراكد، وجعل الحديث عن القرآن ملحًا.
عنوان العدد نفسه فيه تماس واضح مع كتاب أصدره الدكتور مصطفى محمود «القرآن محاولة لفهم عصرى»، وهو الكتاب الذى صدر فى العام 1970، وأحدث ضجة هائلة، دعت الدكتورة عائشة عبدالرحمن إلى إصدار ما يمكن اعتباره بيانًا للناس، ردت فيه على ما اعتبرته شطحات مصطفى محمود (وهى المعركة التى سنأتى إليها خلال هذه الحلقات).
كان الجدال ساخنًا إذن، كاتب يريد أن نفهم القرآن بشكل عصرى، وكاتبة ترى أن الدعوة مغرضة، وصاحبها لا ناقة له ولا جمل فى الموضوع من الأساس.
انحازت مجلة الهلال إلى رؤية مصطفى محمود، وهذا طبيعى، والدليل أنها أجرت معه حوارًا فى هذا العدد التاريخى، ولم تذكر ولو فى سطر واحد الرد المطول الذى كتبته الدكتورة بنت الشاطئ، وأصدرته فى كتاب على وجه السرعة.
■ ■ ■
موقف الهلال كان واضحًا جدًا، كتب الافتتاحية رجاء النقاش، وكان العنوان صادمًا بعض الشىء «حرروا القرآن من هذه القيود».
وبدأت المعركة بسؤال: كيف يمكن أن ننظر للقرآن نظرة عصرية.
أجاب رجاء: «إذا أردنا أن نضع النقاط فوق الحروف ونتحدث بصراحة، فلا بد أن نقول إن هناك كثيرًا من القيود المفروضة على القرآن، وواجبنا هو أن نحرر القرآن من هذه القيود، حتى يعيش القرآن فى حياتنا أكثر مما يعيش الآن، وحتى يتاح له أن يؤثر فى نفوسنا ذلك التأثير الواسع العميق الذى استطاع القرآن أن يحققه فى أجيال وعصور سابقة، ويستطيع أن يحققه بالتأكيد بالنسبة لعصرنا وجيلنا».
غاية رجاء النقاش كانت نبيلة ما فى ذلك شك، تدل على ذلك كلماته، ودعوته.
لكن ما قاله بعد ذلك كان مزعجًا للبعض، وأعتقد أنه يظل مزعجًا رغم مرور أكثر من 46 عامًا على هذا الكلام.
يقول رجاء: «علينا أن نحدد هذه القيود، ثم نعمل بعد ذلك على تحرير القرآن منها، حتى ولو أدى بنا الأمر إلى تحقيق ثورة دينية، مثل تلك الثورة التى قادها «مارتن لوثر كنج» فى عالم المسيحية الغربية، وكانت هذه الثورة هى الحركة «البروتستانتية المعروفة».
لا يتركنا رجاء النقاش للحيرة، فهو يحدد بنفسه القيود التى يرى أنها مفروضة على القرآن، يقول: «هناك قيود شكلية من بينها الإصرار على عدم كتابة مصحف بالخط العصرى المعروف، والإصرار على أن تكون كل المصاحف مكتوبة بالخط القديم، ما يشكل عقبة رئيسية أمام كل الأجيال الجديدة التى تريد أن تقرأ القرآن فتجد فى كتابته عناء شديدًا، قد يؤدى إلى صرفها عن هذه القراءة نهائيًا».
ربما كان رجاء النقاش يعبر عن صعوبة وجدها هو، وهو يقرأ فى المصحف، وهى صعوبة يقابلها كل من لم يحفظ القرآن على يد شيخ، ولأنه كان مخلصًا فى دعوته، فقد أثبت بعض النماذج التى تؤكد كلامه.
يقول رجاء: «فى المصاحف الحالية نقرأ هذه الكلمات» الصرط بدلا من الصراط، والصلوة بدلا من الصلاة، والزكوة بدلا من الزكاة، وأبصرهم بدلا من أبصارهم، وظلمت بدلا من ظلمات، والسموت بدلا من السموات، وجنت بدلا من جنات»... إلخ.
وقبل أن يعترض أحد طريق رجاء النقاش، الذى كان يعتبر ما يقوله ثورة فى عالم القرآن، يقول: «من واجبنا ولا شك أن نحتفظ بالمصحف القديم بخطه، فذلك أثر عزيز من آثارنا، لا يجوز أن نهمل فى المحافظة عليه، ولكن يجب أن تكون لدينا الشجاعة الدينية الكافية لكى نطبع مصحفًا خاليا من هذه الحروف التى تجعل قراءته صعبة، بل ومستحيلة إلا عند المتخصصين فى قراءة القرآن، ونحن نريد أن يقرأه كل المتعلمين فى بلادنا وأن تقرأه الأجيال الجديدة على وجه الخصوص، دون أن يجدوا فى هذه القراءة كل المشقة التى يحسون بها الآن، وليس هناك أى نص دينى مقدس يحرمنا من الإقدام على مثل هذه الخطوة، بل إن روح الدين تتمثل فى أن الدين يسر لا عسر، وكل ما ييسر الدين بدون الخروج على جوهر مبادئه أمر مطلوب».
الدعوة لا تزال نبيلة، ورغم معرفتى التامة أن هناك من سيعترض عليها وعلى تجديدها الآن، إلا أنها مهمة للغاية، فهناك بالفعل من لا يتفاعل مع القرآن، لأن الشكل المكتوب به يمثل عائقًا كبيرًا، خاصة أننا جميعا ليس مطلوبًا منا أن نتعلم فى كتاتيب، وليس مطلوبًا من كل من يريد أن يقرأ القرآن أن يدرس كل علومه.
يعزز رجاء النقاش فكرته بأنه إذا أردنا أن نجعل هناك صلة حقيقية بين القرآن وأجيالنا الجديدة فلا بد من أن نقدم على هذه الخطوة بلا تردد، أما إذا أردنا أن تظل هناك فجوة واسعة بين هذه الأجيال الجديدة، وبين القرآن فلنرفض إصدار مصحف جديد مكتوب بالخط العصرى والحروف العصرية، وخال - كما هو الحال فى المصاحف الحالية - من أى علامة استفهام أو تعجب أو ما إلى ذلك.
هذه الدعوة المهجورة، أعيد التأكيد عليها الآن، فقد انقرضت الكتاتيب من مصر، أو تكاد، وتعليم القرآن فى الأزهر ناله من الإهمال ما ناله، فقد تحول القرآن إلى مادة دراسية، يحفظه الأزهريون من أجل اجتيازه فقط، وفى المدارس لا يهتم به الطلاب كثيرًا، لأن الدين ليس مادة نجاح ورسوب، وعليه فهناك إهمال كبير للقرآن فى مصر الآن، ويزيد من هذا الإهمال أن من يريدون أن يقرأوه يجدون هذه الطلاسم أمامهم، فينصرفون عنه، وإذا تحررت كتابة المصاحف، وأصبحت مثل الكتابة العادية، فإن هذا من شأنه أن يقلل الفجوة التى تحولت إلى جفوة.
■ ■ ■
ما رأيكم فى كلام قد يكون ثقيلًا بعض الشىء، لكنه مهم للغاية فى هذا السياق.
ففى المصاحف الموجودة الآن فى مصر، والمكتوبة والمضبوطة على ما يوافق رواية حفص بن سليمان بن المغيرة الأسدى الكوفى، لقراءة عاصم بن أبى النجود الكوفى التابعى عن أبى عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمى عن عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وزيد بن ثابت وأبى بن كعب عن النبى صلى الله عليه وسلم.
هذا كلام لا يمكن أن نقول عنه شيئًا، لأن الأسماء وصلت بنا إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
لكن ما يمكننا أن نتحدث عنه هو الآتى.
فالمصحف الذى بين يديك، أخذ هجاؤه مما رواه علماء الرسم عن المصاحف التى بعث بها الخليفة الراشد عثمان بن عفان، رضى الله عنه إلى البصرة والكوفة والشام ومكة، والمصحف الذى اختص به نفسه، وعن المصاحف المنتسخة منها، وقد روعى فى ذلك ما نقله الشيخان أبو عمر وأبو داود سليمان بن نجاح، مع ترجيح الثانى عند الاختلاف، وكل حرف من حروف هذا المصحف موافق لنظيره فى المصاحف العثمانية الستة.
وأخذت طريقة ضبط المصحف نفسه مما قرره علماء الضبط على حسب ما ورد فى كتاب « الطراز على ضبط الخراز» للإمام التنسى مع الأخذ بعلامات الخليل بن أحمد وأتباعه من المشارقة، بدلا من علامات الأندلسيين والمغاربة.
وفى عد آيات المصحف تم اتباع طريقة الكوفيين عن أبى عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمى بن على بن أبى طالب رضى الله عنه، على حسب ما ورد فى كتب «ناظم الزهر» للإمام الشاطبى، وغيرها من الكتب المدونة فى علم الفواصل، وآيات القرآن على طريقتهم (6236) آية.
أما أوائل أجزاء المصحف الثلاثين وأحزابه الستين وأرباعها فقد أخذ بيان ذلك كله من كتاب «غيث النفع» للعلامة السفاقسى، و«ناظمة الزهر» للإمام الشاطبى وشرحها، و«تحقيق البيان» للشيخ محمد المتولى، و«إرشاد القراء والكاتبين» لأبى عيد رضوان المخللاتى.
الآيات المكية والمدنية أخذت من كتاب أبى القاسم عمر بن محمد بن عبدالكافى، وكتب القراءات والتفسير على خلاف فى بعضها، وأخذ بيان وقوفه وعلاماته على حسب ما اقتضته المعانى التى ظهرت لها مسترشدة فى ذلك بأقوال الأئمة من المفسرين وعلماء الوقف والإبداء، وأخذت بيان السجدات ومواضعها من كتب الفقه والحديث، وأخذ بيان مواضع السكتات عند حفص من الشاطبية، وشراحها وتعرف بالتلقى من أفواه المشايخ.
يمكن أن تعتبر ما جاء فى الفقرات السابقة مجرد طلاسم، فهى تحوى أسماء لعلماء وتابعين، وأسماء لكتب ربما تسمع عنها للمرة الأولى، أعتقد أن الباحثين المتخصصين فى العلوم الإسلامية الأولى بها، فهم أدرى بها، أما المسلم العابر الذى لا يأخذ من القرآن إلا ما ينفعه فى التعبد، فليس معنيًا بالمرة بما يقولونه، ولا بما ينقلونه عن بعضهم البعض.
مقصدى لا يتوقف عند هذه النقطة بالطبع، فما أعنيه أن كتابة المصحف تطورت على يد بشر أمثالنا، الوحى جاء من عند الله وله قداسته، أما طريقة كتابة المصحف فهى ليست مقدسة على الإطلاق، ولم يأت بها نص سماوى مقدس، ولم يحسمها الرسول، صلى الله عليه وسلم.
وعليه فمن حقنا اليوم أن نعيد كتابة المصحف باللغة العصرية، فكما اجتهد رجال يمكن أن يجتهد رجال آخرون من بيننا، وليس صعبا علينا أن نخرج من المطابع مصحفًا مكتوبًا باللغة العصرية، لن نخالف فى ذلك ديننا، بل سنجعل القرآن فى متناول الجميع، لا يمنع الناس عنه شيئًا، ولا يحول بيننا وبينه حائل.
لقد توقفت أمام عبارة «تعرف بالتلقى من أفواه المشايخ».. وهى عبارة رغم بساطتها وعفويتها وتوقعها أيضًا، إلا أنها تعنى ضمن ما تعنيه تكريسًا للكهنوت فى الإسلام، ومنح المشايخ سلطة أن يأخذ الناس القرآن عنهم دون غيرهم، وحدهم يمنحون من يريدون البركة، ووحدهم يحجبون عمن يشاءون الخير، يريدون أن يمسكوا بأيديهم صكوك الأهلية والاستحقاق، فإذا قرأت القرآن أو أخذته على يد المشايخ، فقرآنك صحيح، وإن لم تفعل فلا قراءتك مقبولة ولا تعبدك مأجور.
الكتابة العصرية لن تحررنا من قيد صعوبة قراءة القرآن فقط، ولكنها ستحررنا أيضًا من سطوة غير مستحقة للمشايخ، لن نطعن فيهم جميعا، لكننا لن نتجاهل أن هناك من حولوا المسجد إلى سوق والقرآن إلى تجارة.
ثم إنه ليس مطلوبًا لكل من يريد أن يقرأ القرآن أن يتلقاه من أفواه المشايخ، لأن هذا غير متاح فى كل الأوقات ولا فى كل الأماكن، إن تيسيره من خلال كتابته العصرية، ستمكن الجميع من قراءته دون الحاجة لمن نقرأ أمامه، وستجعل الأجيال الجديدة التى تضيق بكل وأى شىء تتعامل مع كتاب الله بيسر.
لقد شهدت عندما كنا صغارًا نحفظ القرآن فى الكتاب مشقة القراءة والحفظ، وأعتقد أن كثيرين من رفاق الطريق فارقوه، لأنهم كانوا يعانون من الحفظ ومن طريقة الكتابة، وكان المشايخ لا يرحمون الصغار، عندما يخطئون فى القراءة، رغم أن مساحات الأخطاء كانت طبيعية، والوقوع فيها بشكل معتاد أمر متوقع، فى ظل كتابة غير مستقيمة، قام بها سابقون، ما فعلوه كان يناسب عصرهم وعلومهم ومعارفهم، والعدل يقتضى ألا يلزمنا أحد بهذه الكتابة أبدًا.
■ ■ ■
لقد مرت على دعوة رجاء النقاش ما يقرب من 46 عامًا، أثارت وقتها بعض القلق، لكن لم يجتهد أحد، ولم يقترب أحد، ولم يحاول أحد أن ينفذ الأمر ولو على سبيل التجربة، وأذكر أننى كنت أكتب الآيات القرآنية فى مقالاتى وكتبى، بالطريقة العصرية هذه، وكان الإخوة المصححون يعترضون أحيانا، وبعضهم يأتى بالآيات مكتوبة بالطريقة القديمة ويحشرونها حشرا بين السطور، وكنت أعترض، لأنى أكتب لقارئ عام وغير متخصص، ويهمنى أن يقرأ بسهولة، دون أن يقف أمامه شىء، أو يعوقه ما يعتبره طلاسم.
هنا نجدد هذه الدعوة، وكل ما أرجوه ألا يدخلنا كهنة الدين فى مساحات التعدى على قداسة كتاب الله الأعظم، لأننا نقدسه كما يقدسونه، ونعليه إلى مكانته التى وضعه الله فيها، ثم إن الحديث نفسه لم يعد مجديا فى عصر تتفكك فيه كل الأفكار الكبرى، ولا يستمع الناس إلا إلى ما يصلح لحياتهم المعاصرة.
إننى أتعجب من أننا نعيد التأكيد على أفكار كان من المفروض أن تصبح واقعا الآن، لكننا للأسف الشديد ندفع ثمن حصار العقل وتعويقه، والوقوف أمام تقدمه ونهضته، ولا تعتبروا أن هذه المسألة بسيطة، يمكننا عبورها فلدينا قضايا أهم، لأن هذه فى الحقيقة حجة من يريدون ألا يقترب أحد من القضايا التى يزعمون أنها مهمة من الأساس.
اتركوا القرآن الكريم للناس يتعايشون معه كما يريدون، هو كلام ربهم، وليس كلام المشايخ.
■ ■ ■
فى الكتاب زمان كانوا يقولون لنا إن من يقرأ القرآن بشكل صحيح فله أجر واحد، أما من يقرأه ويتعتع فيه فله أجران، أجر التعتعة وأجر التصحيح بعد ذلك، وكنت أتأمل عظمة هذه القاعدة، لكن مع توالى السنين، اكتشفت أن هذه القاعدة لم تكن إلا شكلًا من أشكال النصب التام.
التعتعة هى أن تقرأ القرآن بشكل خاطئ، فيأتى من يصحح لك، وعليه تأخذ أجرًا لأنك تعتعت، وأجرًا بعد أن قرأت بشكل صحيح، والتصحيح يحتاج إلى شيخ، والشيخ حتمًا يحصل على أجر، فكأنهم كانوا يحمون تجارتهم، يغرون الناس بأن يذهبوا إليهم ويقرأوا على أيديهم، بدلًا من أن يقرأوا بمفردهم لأنهم سيحصلون فى هذه الحالة على ثواب واحد.
لا تخضعوا لكلام المشايخ فى هذه المساحة أبدًا.
كتابة القرآن بلغة عصرية ستخلى بينكم وبين كتاب ربكم، الذى لا يريد أن يكون بينه وبينكم واسطة، وحتى لو وقف أحد أمامكم، فاكتبوه أنتم بلغة عصرية، ثم اقرأوه بعد ذلك، لا تجعلوا شيئا يحول بينكم وبين أن تفعلوا ما تريدون، وحرروا القرآن من قيود شكلية وضعها آخرون، قد يكون مطلوبًا منا أن نقدر إسهامهم وعملهم، لكن ليس مطلوبًا منا أن نتعامل مع فعلهم البشرى على أنه وحى من الله، لأنه فعليًا ليس كذلك.. ولن يكون.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.