هل توجد حاليا لجنة أو مجموعة تتولي تسجيل أحداث وتاريخ مصر الحديث لكتابة هذا التاريخ بصدق وموضوعية أم أننا سنكتفي بقراءة التاريخ بأثر رجعي وطبقا لمفاهيم وظروف كل مرحلة ومتغيراتها..؟ إننا إلي الآن لا نستطيع أن نصدر حكما سليما أو فهما واضحا لحقيقة ما كان يجري في مصر علي سبيل المثال في فترة الأربعينيات والخمسينيات، فهناك كتابات متناقضة وهناك رؤية وقراءة مختلفة للأحداث وأحكام علي أفراد وقرارات تتسم بالتضارب والغموض في التفسير وفي المضمون. فلقد كنا قبل وقت مضي نصدر أحكاما قاسية في حق ملك مصر السابق فاروق وذلك بناء علي ما قرأناه وما درسناه في عصر الثورة عن فساد الملك وخيانته لمصر، والآن فإن ما نقرؤه وما ينشر عن الملك لا يشكك أبدا لا في وطنيته ولا في مدي إخلاصه لمصر وحبه لها، بل ويجعل منه بطلا قوميا في كثير من الأحيان. ونفس الأمر ينطبق علي أمور وأحداث كثيرة وقعت في العصر الناصري وكلها تحمل تضاربا في الرواية والتفسير طبقا لمفهوم وآراء واتجاهات كل مؤرخ. وقد يدفع البعض بأن كتابة التاريخ تعني تسجيلا لأحداثه ووقائعه فقط دون إدخال أو إقحام الرؤية الشخصية في هذه الأحداث أو التعليق عليها، وهو قول ظاهره الموضوعية ولكن لا يتفق مع سياق ما جري ويجري معه تسجيل للتاريخ يتضمن تركيزا علي أحداث معينة وإبرازها بشكل مختلف وبروايات تأخذ شكل التعليق والحكم علي هذه الأحداث أو الأشخاص، وتتجنب في الوقت نفسه أحداثا أخري قد تكون أكثر أهمية وتأثيرا. وفي كثير من الدول فإن هناك قرارات صدرت بتشكيل لجان علي مستوي خبراء وأساتذة جامعات تكون مهمتها توثيق الأحداث وحفظ المستندات والوثائق التي يجب أن تكون في حوزة الدولة وليست ملكا لأفراد أو هيئات أو وزارات. فالمثير للسخرية هو أن بعض الكتاب والمحللين يلجئون عند نشر كتاب أو مقال إلي إبراز بعض الوثائق الخاصة الموجودة في حوزتهم فقط والتي تبين وتظهر أن وثائق الدولة ليست ملكا لها ولا يوجد من يقوم بحفظها وتوثيقها. إننا ندعو في هذا إلي أن توكل مهمة تسجيل وحفظ تاريخ مصر إلي هيئة وطنية بحثية تتوافر لها الإمكانيات الحديثة لجمع وتسجيل وقائع تاريخ مصر وإصداره في مجلدات وكتب بصفة دورية حتي لا يمكن أن يكون تاريخنا وماضينا مادة للتلاعب والتزوير، ولكي نتعلم فعلا من ماضينا، فنحن لا نتعلم من التاريخ إلا العظات والعبر وهذا هو كل ما نحتاجه الآن..! [email protected]