من: تورنتو- كندا هل الارهاب شيطان معصوب العينين؟! هل يطلق ضرباته علي أهداف عشوائية، دون خطة استراتيجية تحكمها؟ وما التكييف الصحيح لشرعية تنظيمات النضال الوطني ضد الغاصب والمحتل، واحكام التعامل معها كي تلقي السلاح وتجنح للسلم؟ ثم هل يوجه الارهاب عدوانه ضد دول لا تناصر الحرب الصورية ضده في العراق وافغانستان.. ولا تشارك فيها؟! ألمانيا مثلا.. وفرنسا مثل آخر.. وكندا مثل ثالث.. العسكريون في كندا يتحسبون لضربة ارهاب تصيبهم علي غرة.. ويبادر الجنرال ريك هيلير الي طمأنة الشعب - 35 مليون نسمة - ورفع معنوياته.. يقول بعبارة مرتعشة: "نحن القوات الكندية واجبنا ان نقتل الاعداء بمنتهي الكفاءة.. والارهابيون هم حثالة البشر - scumbags- وقتلة يستحقون العقاب.. وينبغي ان يوقن الشعب اننا في خطر لاشك فيه"! يعوم معه في نفس التيار المحلل السياسي روندي آدمسون.. في مقال له بصحيفة "تورنتو ستار" يقول: "ان انكار حتمية هجمة ارهابية علي التراب الكندي، يعتبر سذاجة لا مبرر لها، ورضا ذاتيا عن النفس - complacency- لا يقوم علي اساس.. وكوننا لم نشارك في الحرب ضد العراق حتي يصيبنا ما اصاب لندن، فرضية لن تحمينا من فاجعة اشد من فواجع القرون الوسطي"! ويبالغ آدمسون في تجسيم حرب مدنية عالمية يتوهمها بين المسلمين المعتدلين، والمسلمين المتطرفين الذين ينادون بعودة الخلافة والخليفة.. وينتهي الي ان مثل هذه الحرب حتما سوف تطول كندا بأقليتها المسلمة المتنامية - حوالي مليون مسلم! لم يقنعني تحليل روندي آدمسون كله، بتهويماته الخائبة، وتحيز فرضياته الواضح ضد المسلمين.. رغم ان له كتابات رصينة طالما قرأتها له في الكريستيان ساينس مونيتور، والوول ستريت جورنال، ويو. إس. إيه توداي.. وغيرها من الصحف الامريكية.. لكنه الهوي! ................ علي النقيض من هذا النظر المتحيز، تذهب المعلقة الكندية الشهيرة لندا ماكويج.. تنتقد لندا الاتجاه السائد بين حكومات الغرب واجهزة الاعلام ومراكز الدراسات الفكرية فيه، من ان الارهابيين هم شرذمة من المتعصبين الكارهين للحرية (Freedom - loathing)، المشمئزين من نمط حياة الغرب وثقافته.. وهو تصوير خاطئ لا يقبله العقل والنفس السوية! الموت.. من أجل الفوز! وفي دحضها لهذا التوجه الخاطئ، تستند لندا الي توافق في الرأي العام جاءت به قياسات الرأي الاخيرة في عدد من عواصم الغرب.. خلاصته: ان الارهاب هو بالفعل رد فعل للتدخلات العسكرية التي ترتكبها جيوش الغرب في الشرق الاوسط، دون قضية عادلة أو سند صحيح! هذا الاختلاف الحاد في توصيف نشأة الارهاب، يقود الجميع الي اختلاف اخر في اسلوب مواجهته.. طبقا لنظرية الارهابيين الكارهين للحرية، لا حل الا ان ترفع دول الغرب درجة الاستعداد للامن، وتتحصن وراء متاريسها استعدادا لمعركة طويلة مع اجنحة الارهاب التي فقدت رشدها! بينما في مواجهة النظرية الثانية - الحرب الغاشمة لجيوش الغرب - يستوجب الامر ان تراجع حكومات الغرب موقفها من الحرب: توقفها علي الفور، إن كانت بلا مبرر صحيح.. او تواصلها تحت رايات القهر والظلم والطغيان! وتواصل لندا رأيها المستنير: اي تحليل سياسي جاد لموقف الحكومتين الامريكية والبريطانية وحروبهما في الشرق الاوسط، سوف يكشف عورتهما التاريخية منذ عهود الاستعمار القديم.. وكأنهما تصلان الآن ما انقطع عبر القرون! والامر الراهن يحمل في طياته تهديدا بالتورط لكندا: إما ان تخوض الحرب ضد الارهابيين الكارهين للحرية - نظرية الكراهية - باعتبار انه من المحتمل ان يضربوا تورنتو، مثلهما ضربوا نيويوركولندن، لانها منغمسة مثلما في اسلوب الحياة الغربي!.. او ان تنأي بنفسها عن هذه الورطة المدمرة.. يشفع لها انها لم تلعب دورا اساسيا في حروب الشرق الاوسط، باستثناء دورها الثانوي المحدود للغاية في حرب افغانستان! واحدة من اهم الدراسات التي تدحض "نظرية الكراهية" في اسباب الارهاب، يقول بها روبرت بيب عالم السياسة بجامعة شيكاغو، ومدير مشروع "الارهاب الانتحاري".. في كتابه "الموت.. من اجل الفوز" - Dying to win- الذي جاء نتيجة دراسة متعمقة ل (315) حالة ارهاب انتحاري تمت في العالم منذ عام 1980.. خرج منها بخلاصة انسانية سياسية ثمينة.. مفادها: ان الحافز الدافع لقيام كل ارهابي بعمل انتحاري، هو دفع جيوش الديمققراطيات الحديثة الي الانسحاب من اوطان يحتلونها عنوة.. ويلاحظ بيب في كتابه انه بمجرد انسحاب جيوش الاحتلال.. تتوقف عمليات الارهاب الانتحاري! والرأي عندي انه ليس ارهابا.. انه نضال مسلح لتحرير الأوطان! البيان رقم واحد! يشهد علي خلاصة روبرت بيب الثمينة، ويدفعها بالصدق السياسي المطلق، ما أعلنته منظمة الجيش الايرلندي الجمهوري (IRA)، قبل ايام، من انها بعد تحقيق النصر بالنضال والتفاوض، تهتف اليوم بملء الفم: وداعا للسلاح! اعلنت المنظمة بالحرف ان: "القيادة امرت رسميا بوضع نهاية للحملة العسكرية.. واصدرت تعليماتها الصريحة لكل وحداتها بالتخلص من السلاح - dump arms- ومواصلة العمل باساليب ووسائل سلمية -Peaceful means".. وهو البيان رقم واحد في انقلاب السلام للمنظمة الذي انتظره الشعبان البريطاني والايرلندي منذ سنين طالت كأنها الدهر! علي الجانبين الايرلندي والبريطاني يتحفظ البعض ويماحك.. قالوا: ان البيان لم يذكر بالحرف ان الحرب قد انتهت!.. وقالوا: ان البيان لم ينص بوضوح علي ان المنظمة تنحل وتسرح! ورغم وجاهة هذين التحفظين في النطاق القانوني، فان البيان يعلن لكل النوايا والاغراض، ان المنظمة انهت رسميا نضالها المسلح، وحولت وقف اطلاق النار الممتد، الي: انهاء دائم (permant halt)! هذه السابقة المضيئة تؤكد ان الحوار مع النضال المسلح (armed struggle) يمكن ان يؤدي الي وقف العنف وصنع السلام.. بل ان ذات النتيجة يمكن تحقيقها حتي مع الارهاب بكل صوره الخبيثة والقاسية (Virulent Forms)! ليس للارهابيين - علي الاغلب قضية او راية شرعية.. انهم مجرد مضاربين علي القضايا السياسية، بقوة السلاح! انما للمناضلين ضد الاحتلال والقهر الوطني راية ترفرف.. نجومها واشراطها: اعطني ارضي وحريتي.. دع عنك لومي، والوصاية علي امري.. اطلق الحكم السليب للشعب، لتقوم أركانه علي أكتاف الشعب، لمصلحة الشعب. ولئن فعلت، حتما سوف يسترخي لك زندي.. ويرتفع اصبعي عن زنادي!!