هو أن المسلم يُقبّل الحجر مُستحضراً اليد التي وضعته. وكأنه يبايع تلك اليد علي اتباع الإسلام الذي هو ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام. لأن الله تعالي أكرم خليله عليه الصلاة والسلام وجعل من ولده إسحاق أُمّة إسرائيل وأكرمها بالرسل والأنبياء حتي أنجز ما قدّر سبحانه وأراده. وأكرمه عليه الصلاة والسلام. فجعل من ولده إسماعيل " الأمة العربية. وأكمل نعمه علي جميع خلقه. وأتمّ فضله عليهم بأن جعل من الأمة العربية خاتم رسله الذي بعثه لكافة الناس بشيرا ونذيرا. واستجاب لخليله دعوته التي دعاها لإسماعيل وبنيه بأن يجعل منه أمة عظيمة بقوله: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ" "البقرة: 129". إلي آخر الدعاء الذي دعاه. وهو معني قول موسي: يكون من بني عمّنا. إلي آخر البشري. وبنو عمّهم بنو إسماعيل. فكان الإسلام هو ملّة إبراهيم الحقيقية التي كان عليها هو وأولاده عليهم السلام. وبرهان ذلك: جعل بيته كعبة للمسلمين. البرهان الثاني: أن الله فرض حجّه علي المسلمين بشروطه المخصوصة ولم يكن عملا صنميا وإنما هو عمل للتقرب إلي الله تعالي. وللقيام بحقوق عباد الله ولإطاعة أمر الله والاقتداء بسنن رسل الله. وكأن المسلم بلمس الحجر الأسود يعاهد الخليل علي العمل بإخلاص. معتقدا أنه نفذ أمر الله تعالي وقلد رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم. وتقرب إلي الله تعالي بأكمل العبادات التي بذل فيها ماله. فوسع علي خلق الله في السفر إلي مكة. وبذل فيها نفسه بمفارقة الأهل والمال والوطن. وشهد من عجائب قدرة الله وغرائب حكمته سبحانه وآثار رحمته ما جعل قلبه يطمئن بالقدرة وصدره ينشرح بالحكمة. وجعل الإيمان ينمو في قلبه حتي يبلغ درجة اليقين. ثم قابل إخوته المؤمنين فانتفع بعلم العالم وحكمة الحكيم وحلم الحليم وأخلاق الكريم وعمل الموفقين. وشهد من أنواع العادات واختلاف الألوان والأشكال واللغات. ما جعله يحب الله سبحانه وتعالي ويعظم جنابه العلي. وبالحج تتجدد العافية بعد فقدها والصحة بعد زوالها ويتعلم التدبير والحكمة والمداراة والترتيب. وينشط بعد الكسل. ويشجع بعد الجبن. ويسخو بعد البخل. بالحج يمكنه أن يجمع بين الحج والتجارة فيتجر تجارتين للدين والدنيا. فيأخذ ما يحتاج إليه أهل الحجاز ويجلب إليه أهل مصره. حكمة لا تنكشف إلا لمن فهم أسرار الكتب السماوية وذاق حلاوة الإيمان بها والتسليم لها. وللحديث بقية.