في مسجد عباد الرحمن بالحي السابع بمدينة نصر بالقاهرة حضرت "عقيدتي" درس العصر مع د. عادل عبدالله عبدالشكور إمام وخطيب المسجد. يقول د. عادل عبدالله عبدالشكور: شهر رمضان من الشهور الفريدة أو الشهر الفريد الذي تشرف بنزول الكتب السماوية. وهذا تفضيل كبير لهذا الشهر وهو ما أقره القرآن الكريم في قوله تعالي "شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدي والفرقان. فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو علي سفر فعدة من أيام أخر. يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر. ولتكملوا العدة ولتكبروا الله علي ما هداكم ولعلكم تشكرون" "البقرة 185". فقد اختار الله سبحانه وتعالي رمضان من بين الشهور بإنزال القرآن الكريم. يقول الرسول صلي الله عليه وسلم "انزلت صحف ابراهيم في أول ليلة من رمضان. وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان. وأنزل الانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان. وأنزل القرآن لأربعة وعشرين من رمضان". ولو وقفنا علي "رمضان" و"القرآن" لوجدنا تكاملاً لمنظومة واحدة. ألا وهي الالتزام الأخلاقي والإيماني وتكفير الذنوب. فكلمة رمضان مأخوذة من "الرمضاء" وقيل رمضان أي يرمض الذنوب أي يحرقها. ويحرقها بأي شيء؟ يحرقها بالأعمال الصالحة التي جاء بها القرآن الكريم وكذلك بالبعد عن الأعمال غير الصالحة التي نهانا عنها القرآن الكريم. ولذلك يخرج المسلم بما فعله من أعمال صالحات في رمضان إنسانا خاليا من الذنوب. ناصع البياض ويصبح من أهل الجنة كل ذلك بما اتبعه من تعليمات القرآن الكريم. ويضيف د. عادل عبدالشكور: وحيث إن القرآن جاء بالوسطية المواكبة للطبيعة البشرية. فقد رخصت الآية لأصحاب الأعذار بالفطر. لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه أنه خير. وأنه قد صار متحتماً بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه. أو تتناوله ولكنها مفضولة. وفي ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له تعالي. كما بين الله تعالي بيان حكمة الرخصة "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" أي شرع الله لكم أيها المؤمنون الفطر في حالتي المرض والسفر. لأنه عز وجل يريد اليسر والسهولة ولايريد بكم العسر والمشقة. يقول تعالي "يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفاً" ويقول تعالي "وماجعل عليكم في الدين من حرج". ويقول الرسول صلي الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل وأبي موسي الأشعري حين بعثهما إلي اليمن "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا. وتطاوعا ولا تختلفا". ويضيف: فجمال رمضان يجعلنا نعيش نور القرآن فالقرآن الكريم جاء بمنهج التيسير لا منهج التعسير حتي في أخص الأمور وهي العبادات فالإسلام منهج تيسير ولا تعسير. لا يأخذ النفس الإنسانية بالقهر ولكن باللين والحنو. ولذلك كل مايشاع في عالمنا الآن من دعوة للغلظة والتعسير علي النفس. واصدار الأحكام الغليظة ليس من ديننا في شيء. وكذلك أحكام التكفير والتفسيق أمر لا يقره الإسلام. أضف إلي ذلك الذين يحتجون إلي نشر السواد علي كل شيء في حياتنا وتفسيق وتحريم كل شيء.. هؤلاء غلاة ينفرون الناس من دينهم. يجهدون أنفسهم في ابعاد الناس عن دينهم. وحرق دنياهم. فالقرآن الكريم حينما تحدث عن أخص العبادات "الصيام" لم يقل "فمن شهد منكم الشهر فليصمه" واكتفي بذلك وهنا سيكون الصيام واجباً علي كل مسلم مريض أم صحيح.. وإنما ألحق القرآن ذلك بقوله تعالي "ومن كان منكم مريضاً أو علي سفر" وهنا بدأ القرآن يفصل منهجه الميسر لا المعسر ويتسثني بعض أصحاب الأعذار لئلا يجنح المسلم غير القادر إلي الفطر مخالفاً بذلك أمر الله سبحانه وتعالي. ويؤكد د. عادل أن هذا المنهج القرآني في الصيام لهو دعوة لأصحاب القرارات السياسية ومن هم في السلطة ألا يصدروا أمراً يحمل الشدة فقط دون الإلمام بكونية من سيطبقه. ومراعاة ظروف المحكومين. وإلا سيتمرد المحكومون ولا يطيعوا الأمر ويخسر الحاكم بإهدار أمره. ويخسر المحكومون بعدم تنفيذ أمر قد يكون الخير فيه. ويضيف: وحتي يكتمل السياق والعيش في النور القرآني نتوقف عند قوله تعالي "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" ليؤكد لنا الحق سبحانه وتعالي أنه يريد من خلال منهجه للمؤمنين به التيسير واليسر علي أنفسهم. ويؤكد هذا المعني أكثر حينما يكرر "ولا يريد بكم العسر" أي أن منهج الحق هنا إرادته سبحانه بالعباد اليسر لا العسر ولكن بمنهج الإسلام. لا بأي منهج آخر لأنه كان من الممكن أن يقول "يريد منكم اليسر" فقد يشرع الإنسان لنفسه منهجاً بتيسير قد يؤدي به إلي الهلاك.. ولكن الأمان في منهج الله سبحانه وتعالي. وينتقل د. عادل عبدالشكور لمزايا شهر رمضان كما وضحها الرسول صلي الله عليه وسلم حينما خطب في المسلمين في آخر يوم من شعبان "يا أيها الناس. قد أظلكم شهر عظيم مبارك. شهر فيه ليلة خير من ألف شهر. جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعاً. من تقرب فيه بخصله" من الخير كان كمن أدي فريضة فيما سواه. ومن أدي فريضة فيه كان كمن أدي سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر. والصبر ثوابه الجنة. وشهر المواساة وشهر يزاد رزق المؤمن فيه. من فطر صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبة من النار. وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء". قالوا: يا رسول الله ليس كلنا لا يجد ما يفطر الصائم؟! فقال صلي الله عليه وسلم: يعطي الله عز وجل هذا الثواب من فطر صائماً علي تمرة أو شربة ماء أو مزقة لبن وهذا شهر أوله رحمة. وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار. فمن خفف عن مملوكه فيه غفر الله تعالي وأعتقه من النار. استكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم عز وجل. وخصلتين لا غني لكم عنهما: أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم عز وجل فشهادة أن لا إله إلا الله. وأن تستغفروه. وأما الخصلتان اللتان لا غني لكم عنهما: فتسألون الله تعالي الجنة. وتعوذون به من النار. ومن سقي صائماً سقاه الله تعالي من حوضه شربة ماء لا يظمأ حتي يدخل الجنة. وأظن هذه الخطبة الجامعة من رسول الله صلي الله عليه وسلم لا تحتاج إلي تعليق منا. فهي واضحة المعني لكم جميعاً. جميلة الأسلوب. تستوعب جميعاً كل ما يمكن أن يوجه للمسلم لاستقبال شهر رمضان والتهيؤ لهذه العبادة الروحية السامية. وأتوقف في عجالة عند قوله صلي الله عليه وسلم "من فطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار" وهنا لابد أن نقول إن بيننا الآن في مصر أسراً عديدة من أبناء سوريا الشقيقة هجروا من بيوتهم وتركوا أموالهم فمن الواجب علي المسلم وكل قادر منا ألا يترك منزلاً من منازلهم دون إطعام.. لنأخذ الثواب ونعتق أنفسنا من النار. بإفطارهم كل حسب طاقته. وأن نقدم لهم ذلك في خفية فهم أناس يجوعون ولا يمدون أيديهم. مع العلم أن رزق المسلم يزاد في رمضان فمن يخاف علي رزقه يطمئن مهما أخرج منه فهو في ازدياد. فاللهم بلغنا هذا الشهر الكريم وأنت غافر لذنوبنا مصلحاً لأحوالنا. وجامعاً لشملنا.