نعشق كمصريين الغش والخداع، نرفض في كثير من الأحيان كل من يتحدث أو يتعامل بصدق، نصفه بأنه إنسان ساذج لا يفهم ضرورات الحياة، ولا يعرف كيف يتعامل مع الناس، أما من يخدعنا، ويتعامل معنا بمعسول الكلام، فهو المفضل لدينا مع أن رسولنا الكريم يقول: ( من غشنا فليس منا)، إلا أننا نسير في نهج آخر، نتلذذ بمن يضحك علينا، وصار من غشنا هو الأقرب إلينا، والأمثلة كثيرة، الإعلانات التي تروج لسلع ذات مواصفات خاصة، لا يمكن أن تجدها إلا من خلال جهة محددة، أو من خلال التليفون، هكذا يقول مروجوها، نقبل عليها بشغف، وعندما تصل السلعة إلي أيدينا، نكتشف أنها مغشوشة وغير مطابقة لأي مواصفات ذكرها الإعلان، ومع ذلك تكثر الإعلانات من هذا النوع، وهو دليل الإقبال عليها، وأننا كمصريين علي استعداد دائما لتقبلها في أي وقت، نتحدث فيما بيننا عن المسابقات بأنواعها المختلفة، والتي تروج لها الفضائيات من كل نوع، ليل نهار، علي أنها مسابقات وهمية، ولا جدوي منها، وأنها مجرد "ضحك علي الذقون" كما يقولون بالبلدي، ومع ذلك نتسابق في الإشتراك فيها، سيدة فاضلة في مداخلة تليفونية مع أحد البرامج الحوارية وصفت ما نحن فيه بدقة قالت: الغشاشون دخلوا جيوبنا وأفرغوا ما فيها بإرادتنا، مع أن جيوبنا في الأصل خاوية، لم يعد فيها لا أبيض ولا أسود، شعب طيب يصدق كل مايقال، يطالبوننا بالتبرع لديون مصر، للعشوائيات، لمدينة زويل، لمعاهد السرطان، ومستشفي مجدي يعقوب، وللشهداء، والقائمة لا تنتهي، مع أن جيوبنا خالية، وكلها مطالبات لا أحد يستطيع أن يؤكد أو ينفي مدي صدقها، محلات السوبر ماركت الكبيرة، تغرينا بعروضها التي لا تنتهي، من سلع غذائية، تكتشف أنه من الضروري أن تستهلكها بسرعة، لأن فترة الصلاحية قاب قوسين أو أدني، المرشحون المحتملون للرئاسة، يعرفون مدي طيبة الشعب، ويعزفون علي أوتارها، ويصورون الحياة معهم بأنها الأفضل، وأنهم سيجعلون مصر وشعبها، بعد أن يتبوأوا المنصب، يصولون ويجولون، في الجنة ونعيمها، حتي الحكومة تعرف مدي سذاجتنا وعشقنا لمن يغشنا، لتؤكد مرارا وتكرارا أن ما يمر بنا من أزمات ونكبات، من صنع الطرف الثالث والفلول، حتي أزمة السولار والبنزين وراءها فلول النظام السابق، ألم أقل لكم من البداية أننا شعب يعشق من يغشه، ويبجل من يخدعه، وعمار يا مصر.