فى اللحظات التى تعيد فيها الدول ترتيب أولوياتها، لا يكون تغيير الحكومة إجراءً بروتوكوليًا، بل لحظة مراجعة عميقة لمسار الدولة، وإعادة تعريف لمعنى الكفاءة، وتحويل الخطاب إلى برنامج عمل. ونحن ندخل مرحلة إصلاح شامل ممتد يسعى لبناء دولة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل بحل مشكلات الماضى، بعمل حقيقى لا تتحكم فيه العواطف أو الشعارات، بل العمل المكثف، والتوسع الاقتصادى الكبير، والتحرك لعلاج المشكلات من جذورها واستبعاد المسكنات. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تكليفات الرئيس عبدالفتاح السيسى للحكومة الجديدة باعتبارها إعلانًا عن حكومة مطالبة بأن تشتبك مع الواقع بأدوات مختلفة، وأن تبحث عن بدائل عملية لتحديات ضاغطة، وأن تضع الإنسان المصرى فى قلب معادلة الإصلاح. إذا كان لكل مرحلة عنوان جامع، فإن عنوان هذه المرحلة هو بناء الإنسان. والتعليم الجيد ليس ملفًا خدميًا بين ملفات، بل هو المدخل الحقيقى لإعادة تشكيل الدولة من الداخل. حين يضع الرئيس عبدالفتاح السيسى الارتقاء بمنظومة التعليم بكل جوانبها فى صدارة الأولويات، فإن الرسالة تتجاوز تطوير المناهج أو تحديث الأبنية المدرسية، إلى إعادة صياغة فلسفة التعلم ذاتها؛ تعليم ينتج عقلًا نقديًا، ويؤهل لسوق عمل متغير، ويربط بين المعرفة والمهارة. لقد تحدث الرئيس طويلًا عن ضرورة ضخ دماء جديدة فى شرايين الدولة تبدأ بالتعليم الجيد من المدرسة والجامعة، ويمتد للتأهيل المطلوب عبر برامج الأكاديمية العسكرية، سواء تأهيل العسكريين أو المدنيين. فالتجديد المؤسسى لا يتحقق بقرارات إدارية فقط، بل بإعداد جيل يمتلك أدوات العصر، ويؤمن بقيم المواطنة، ويشارك فى الشأن العام بثقة ووعى. إلى جانب التعليم، تأتى الصحة كركيزة لا تقل أهمية، وذلك عبر تيسير العلاج والارتقاء بالمنظومة الصحية، والتوسع فى برنامج التأمين الصحى الشامل، حيث إن الاهتمام بالصحة ليس مجرد التزام اجتماعى، بل استثمار مباشر فى رأس المال البشرى، فلا تنمية حقيقية بإنسان يعانى من المرض. وبحسب التكليف الرئاسى، فإن منطق المؤشرات هو الحكم على أداء وزارات الحكومة؛ حيث ستضع كل وزارة خطة واضحة تتضمن المستهدفات، والإجراءات، والإطار الزمنى، والتمويل، ومؤشرات قياس الأداء، وهو ما يعكس انتقالًا نوعيًا من فكرة الإدارة التقليدية إلى الإدارة القائمة على الأرقام ومؤشرات قياس الأداء، بما يضمن القدرة على اكتشاف التحديات والتصحيح السريع للمسار. فالمتابعة والتقييم المستمران يعنيان أن معيار النجاح هو الإنجاز القابل للقياس، لا الاكتفاء بحسن العرض. هذه ليست مجرد صياغة تنظيمية، بل إعادة تأسيس لثقافة الأداء داخل الجهاز التنفيذى للدولة. وأتصور أن استحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية يعكس إدراكًا بأن المرحلة المقبلة تتطلب عقلًا تنسيقيًا جامعًا يحقق الانسجام بين أعضاء المجموعة الاقتصادية. نحن أمام لحظة مفصلية مع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولى، والحاجة الملحة لتخفيض حجم الدين العام بأفكار جديدة ومدروسة، توازن بين الانضباط المالى وتحفيز النمو. والتحدى هنا مزدوج: تخفيف أعباء الديون، وفى الوقت ذاته اجتذاب استثمارات نوعية تخلق قيمة مضافة، وتوسع قاعدة الإنتاج، وتهتم أكثر بتوفير بيئة عمل محفزة للقطاع الخاص وللمشروعات الصغيرة والمتوسطة. مع التأكيد على مواصلة تنفيذ سياسة ملكية الدولة وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وهو ما يعنى أن الدولة تعيد تعريف دورها من منافس اقتصادى إلى منظم ومحفز. مع التأكيد على أن القطاع الخاص شريك فى التنمية، وتعزيز حضوره يفتح المجال لمرونة أكبر، وفرص عمل أوسع، وقدرة أعلى على مواجهة التقلبات العالمية. ولفت نظرى إشارة التكليف الرئاسى إلى ضرورة عمل الحكومة على اقتصاد المعرفة والمعادن النادرة. وإدخال مجالات جديدة لدعم الاقتصاد، خاصة فى الجوانب الفنية والمعادن النادرة والصناعات المرتبطة بها، يعكس وعيًا بطبيعة التحولات العالمية. وأن المستقبل للاقتصادات، التى تستثمر فى الابتكار وتمول أبحاثه، وتربط بين الجامعة والصناعة، وبين الفكرة والسوق. هذا هو الانتقال من اقتصاد يعتمد على ما هو قائم، إلى اقتصاد يصنع ما هو قادم. علمتنا دروس التاريخ أن نجاح أى حكومة يتطلب بناء الثقة بينها وبين شعبها.. والثقة تُبنى حين يشعر المواطن بأن الفرص متكافئة، وأن صوته مسموع، وأن القانون يحمى الجميع دون استثناء. ولذلك كان التوجيه الرئاسى واضحًا فى الإشارة إلى أهمية التواصل مع الرأى العام وضرورة تبصيره بالحقائق، وهو ما تُرجم بإنشاء وزارة دولة للإعلام، وعلى رأسها كفاءة صحفية وإعلامية مشهود لها مثل الدكتور ضياء رشوان، رئيس هيئة الاستعلامات وأمين عام الحوار الوطنى ونقيب الصحفيين لدورات عديدة، وهو ما يمنح الحكومة قدرة على الاشتباك السريع مع حملات التشكيك، وملء الفراغ المعلوماتى قبل أن تملأه الشائعات. فالإعلام هنا ليس أداة دفاع فقط، بل منصة شرح وتفسير تحمى المجال العام من الفوضى. وفى السياق الثقافى، فإن حضور الدكتورة جيهان زكى، بخلفيتها الثقافية الرفيعة واهتمامها بالتراث المصرى، ووجودها السابق فى البرلمان، يمنح المشروع الثقافى بعدًا يليق بتاريخ مصر، ويعيد الاعتبار لقوتها الناعمة بوصفها أحد أعمدة الجمهورية الجديدة. ولا ريب أن حملات الهجوم الاستباقية هدفها عرقلة ذلك المسار ووضعها فى خانة الدفاع عن نفسها طوال الوقت، وهو أمر انتبهت له سريعًا بتحركها القانونى الذى لا يجب أن يشغلها عن مهمتها الأساسية، وهى الارتقاء بالمحتوى الثقافى المصرى، ودعم التجارب الثقافية الجادة، وإعادة الاعتبار لقصور الثقافة فى المحافظات مرة أخرى. تغيير الحكومة فى ظل برلمان جديد قوى يحاسب ويراقب يعكس رغبة فى تكريس معادلة التوازن بين السلطات.. المساءلة ليست عبئًا، بل ضمانة لاستدامة الأداء وتحقيق الأهداف. ومن حسن الطالع، أن تبدأ الحكومة الجديدة عملها بتكريم الوزراء السابقين فى لافتة تعكس أهمية الشكر والتقدير القادم من الدولة لرجالها. نحن أمام حكومة فى مهمة وطنية صعبة. المواطن ينتظر حلولًا ملموسة: ضبط الأسواق، تحسين الخدمات، خلق فرص العمل، تخفيف الأعباء. والحكومة الجديدة أمام اختبار سريع يبدأ بدراسة الملفات، ووضع خطط قابلة للتنفيذ، وملتزمة بمؤشرات قابلة للقياس. وهنا يصبح دور الإعلام داعمًا وناقدًا مسئولًا فى آن واحد، فهذا وقت الاصطفاف حول فكرة الدولة، لا وقت المعارك الجانبية. فى اعتقادى أن الرهان الحقيقى على الحكومة الجديدة ليس على قوة الأسماء الموجودة فى الوزارات فقط، بل على الأداء العام وتنفيذ ما جاء فى التكليف الرئاسى. ولن تُبنى الثقة فى الحكومة ببيانات رسمية، بل بإحساس يومى لدى المواطن بأن الأمور تتحسن، وأن الدولة تستمع وتصحح وتتحرك. هنا فقط يتحول التكليف إلى عقد جديد بين الحكومة والناس، عقد أساسه الشفافية، وعماده الكفاءة، وهدفه الإنسان.