حين تتحول الشاشة إلى معركة على الذاكرة والهوية لم تعد الشاشة مجرد نافذة لعرض الحكايات أو إعادة تمثيل التاريخ، بل تحولت إلى ساحة للنضال على الهوية والذاكرة. ففى زمن تتشكل فيه القناعات عبر الصورة أكثر مما تُبنى عبر الوثائق، أصبحت الدراما والسينما أدوات مركزية فى إعادة صياغة التاريخ ومقاومة محاولات طمسه. ولهذا، لم يكن الهجوم المبكر على مسلسل «صحاب الأرض» قبل عرضه مجرد رد فعل فنى عابر، بل انعكاسًا لصراع أعمق. اقرأ أيضًا| رمضان 2026| طرح البوستر الرسمي ل «صحاب الأرض »بطولة إياد نصار ومنة شلبي مجرد استخدام تعبير «صحاب الأرض» أعاد طرح سؤال الملكية التاريخية والشرعية الوجودية، وهو السؤال الأكثر حساسية فى جوهر الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. وقد ظهر هذا بوضوح فى تعليقات النشطاء الإسرائيليين على مواقع التواصل الاجتماعي، وفى ردود فعل تعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة السردية الحقيقية التى يطرحها العمل. فلم تكن الروايات الاستعمارية عبر التاريخ تخشى السلاح بقدر ما تخشى اللغة، لأن التسمية فى حد ذاتها فعل استعادة للحق، ومن يسرق شيئًا يغضب دائمًا عندما يُذكَّر بما سرقه. المسلسل، الذى تقدمه الشركة المتحدة ليُعرض فى رمضان، هو أول عمل درامى عربى يتناول حرب ما بعد السابع من أكتوبر. من تأليف عمار صبرى وإخراج بيتر ميمي، وبطولة منة شلبى فى دور الطبيبة «سلمى»، التى تحاول إنقاذ الأرواح وسط دمار الحرب، ويشاركها البطولة إياد نصار فى دور «ناصر»، الشاب الفلسطينى الذى يسعى لإنقاذ ابن أخيه من الموت، من خلال معالجة درامية إنسانية تنسج قصة حب تنمو فى قلب الحرب، حيث يتحول الأمل إلى السلاح الأخير ويصبح البقاء على قيد الحياة شكلًا من أشكال الانتصار. ويشارك فى العمل مجموعة كبيرة من الفنانين المصريين والعرب، بينهم كامل الباشا وآدم بكرى وتارا عبود، فى محاولة لتقديم صورة إنسانية معمقة لمأساة غزة فى سياقها المعاصر. ولا يبدو هذا الاشتباك حول الرواية الفنية الفلسطينية منفصلًا عن السياق العالمى الذى واجهه فيلم «فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن مارى جاسر. فعلى الرغم من العرض الدولى الواسع للفيلم وترشحه لتمثيل فلسطين فى سباق جوائز الأوسكار، فإن مسيرته لم تخلُ من ضغوط سياسية واضحة. إذ خرج الفيلم من سباق الأوسكار قبل مرحلة التصفية النهائية، ومُنع عرضه بالقوة داخل القدس، فى خطوة تعكس استمرار الصراع على الرواية التاريخية داخل الجغرافيا التى يشهدها الحدث نفسه. وذلك بعد عام من قيام منصة «نتفليكس» بحذف ما بين 19 و30 فيلمًا فلسطينيًا، مبررة ذلك بانتهاء اتفاقيات الترخيص بعد ثلاث سنوات من عرضها على المنصة الأشهر، وهو تفسير لم يُنهِ التساؤلات حول طبيعة الضغوط التى تحيط بالمحتوى الفلسطينى فى الفضاء الإعلامى العالمي. فى هذا المناخ الذى تتداخل فيه السياسة بالثقافة، يكتسب فيلم «فلسطين 36» أهمية تتجاوز كونه عملًا سينمائيًا تاريخيًا، إذ يتحول إلى محاولة لإعادة تفكيك اللحظة التى شكّلت الجذر الأول للصراع الحديث. فالفيلم يعود بالمشاهد إلى الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الانتداب البريطاني، تلك اللحظة التى خضعت خلالها فلسطين لما يشبه إعادة تشكيل قسرية لهويتها السياسية والجغرافية، والتى مهّدت الطريق لكل ما تشهده المنطقة اليوم من صراعات لم تتوقف. لا يتعامل الفيلم مع الماضى باعتباره زمنًا منتهيًا، بل يقدمه بوصفه طبقة تأسيسية للحاضر. فمنذ افتتاحيته التى تقترب من الحس الوثائقي، يظهر أحد أبطاله على متن قطار متجه إلى القدس، بينما يعلن المندوب السامى البريطانى تدشين أول محطة إذاعة فلسطينية فى رام الله عام 1936، ليضعنا أمام مفارقة تاريخية لافتة، إذ تبدو مظاهر الحداثة المدنية غطاءً لمشروع هيمنة سياسى بريطاني- صهيوني، يعيد تشكيل هوية المكان ومصير سكانه. اقرأ أيضًا| «صحاب الأرض» لإياد نصار ومنه شلبي يثير الجدل قبل رمضان 2026 قدمت المخرجة آن مارى جاسر تجربة سينمائية شديدة الثراء، مزجت بين السرد الدرامى التاريخى واللقطات الأرشيفية التى جرى ترميمها وتلوينها بمهارة لتصبح جزءًا عضويًا من الحكاية. هذا المزج لا يمنح العمل مصداقية تاريخية فحسب، بل يخلق شعورًا حيًا بحقبة الانتداب فى فلسطين عام 1936، كما نجحت المخرجة فى تقديم الثورة الفلسطينية ليس بوصفها اندفاعًا عاطفيًا، بل نتيجة طبيعية لسياسات الهيمنة والاستيطان والتواطؤ الاستعماري. ومن خلال سرد درامى متعدد المسارات، يقدم الفيلم شبكة شخصيات تتحرك داخل فضاء تاريخى مضطرب. هنا يظهر أسلوب المخرجة الفنى بوضوح، من خلال المزج بين الدراما واللقطات الأرشيفية، والبناء متعدد المسارات، واختيار الإضاءة والألوان لإضفاء الواقعية التاريخية، وإيقاع الفيلم الذى يشد المشاهد بين أحداث القرى والمدينة والاحتكاك مع قوات الانتداب. ولا يمكن إغفال الرمزية، فالشاب «يوسف»، الذى يتنقل بين قريته والقدس حيث يعمل لدى الثرى الفلسطينى «أمير»، لا يمثل بطلًا تقليديًا بقدر ما يجسد جيلًا وجد نفسه بين حلم الحياة الطبيعية وضرورة الانخراط فى مقاومة يفرضها التاريخ. كما تتجلى الرمزية فى شخصية الطفلة «عفراء»، التى تبدو وكأنها تعبر الزمن من ثورة 1936 إلى الواقع الفلسطينى المعاصر، لتتحول إلى استعارة حية لاستمرارية النضال الفلسطيني. وإلى جانب الخطوط الكبرى للصراع، ينسج الفيلم قصصًا صغيرة تمنح البناء الدرامى عمقًا رمزيًا واضحًا، أبرزها قصة المسدس العثمانى الذى ينتقل بين الشخصيات ليصبح شاهدًا على تحولات المقاومة عبر الأجيال. ويستند العمل إلى طاقم تمثيلى متنوع يضم الممثل البريطانى الحائز على الأوسكار جيريمى آيرونز، إلى جانب مجموعة من أبرز نجوم السينما العربية مثل هيام عباس وكامل الباشا وصالح بكرى وظافر عابدين وياسمين المصري، وهو تنوع أضفى على العمل بعدًا إنسانيًا يعكس تعددية المجتمع الفلسطينى وتشابك رواياته. ويختتم الفيلم برؤية شعرية مؤثرة من خلال قصيدة للشاعر الفلسطينى سليم النفّار، الذى استشهد مع أسرته فى غارة إسرائيلية على غزة. القصيدة ليست مجرد تزيين جمالي، بل تكثيف رمزى لتاريخ النضال وتجسيد حى للصمود الفلسطينى أمام محاولات الطمس والهجوم على الرواية، بينما تركض الطفلة «عفراء» فى أزقة القدس بشعرها الطويل، حاملة على عاتقها امتداد النضال، قبل أن تختفى خارج الكادر، فى نهاية مفتوحة تبدو كأنها تأكيد على أن الحلم الفلسطينى لا ينكسر، وأن الصراع على الأرض والهوية مستمر. الفيلم فى مجمله ليس مجرد عمل تاريخي، بل مشروع سينمائى يعيد الاعتبار لذاكرة شعب حاولت السياسة الدولية مرارًا إعادة صياغتها أو طمسها. استطاعت مخرجته الجمع بين الحس الجمالى والطرح الفكري، مؤكدة أن الفن يمكن أن يكون أداة مقاومة وعينًا على التاريخ وفضاء لتأكيد الهوية، بقدر ما هو وسيلة للتوثيق. لكن قوة الفيلم الحقيقية تكمن فى أنه لا يكتفى بإعادة قراءة الماضي، بل يضع المشاهد أمام حقيقة أن ما بدأ قبل قرن لم ينتهِ بعد، وأن الصراع على الأرض ما زال مرتبطًا بالصراع على الرواية، وأن الشاشة الكبيرة والصغيرة أكبر من مجرد نافذة لسرد الأحداث التاريخية أو المعاصرة؛ بل هي ساحة للصراع على الرواية نفسها، على من يملك الحق فى تسمية الأرض وإعادة صياغة تاريخها.. ومثلما تمثل الجغرافيا ميدانًا للصراع، تبقى الذاكرة مسرحًا مفتوحًا لهذه المعركة المستمرة.