في تهنئته لرئيس الوزراء بذكرى الإسراء والمعراج.. وزير الداخلية يؤكد مواصلة تأمين الجبهة الداخلية    "الشيوخ" يستأنف جلساته العامة الأحد بمناقشة قضايا المناخ وورد النيل وتعديل قانون الضريبة على العقارات    الحكومة تكشف أسباب قرار "التضامن الاجتماعي" باستمرار إيقاف منح التراخيص لدور الأيتام    الصين تُحقق سبقًا عالميًا بتركيب أقوى توربين رياح ينتج الكهرباء ل44 ألف أسرة سنويًا    محافظ البحر الأحمر السابق: الفريق يوسف عفيفي رائد السياحة الشاطئية بمصر    إسلام عفيفى يكتب: أوروبا تبحث عن طوق نجاة بعيدًا عن أمريكا    العمل العربى المشترك    الكوكي يعلن تشكيل المصري للقاء الزمالك في كأس عاصمة مصر    297 لجنة في امتحانات الشهادة الإعدادية بقنا    آمال عبدالسلام تكتب: الرموز لا تسقط    إيناس كامل: أجسد دور "نسمة" في "قسمة العدل"    محسن أبو رمضان: حكومة نتنياهو تعرقل إعادة الإعمار بربطها بقضايا منفصلة    بتوقيت المنيا...مواقيت الصلاه اليوم الخميس 15يناير 2026    منتخب السيدات مع نيجيريا وزامبيا ومالاوي في أمم إفريقيا 2026    3.6% مكاسب البورصة في الأسبوع الثاني من 2026    إنتخابات رئاسة الوفد 2026 إعتذار "أبوشقة" و"حسان" و"هيكل" يتنازل لصالح "البدوى "    الإفتاء ترد على المشككين في رحلة الإسراء والمعراج: حدثت بالروح والجسد    برهم صالح من مخيمات تشاد: نزوح السودانيين يمثل أكبر أزمة إنسانية في عصرنا    إيمان كريم : تشارك تشارك اجتماع اللجنة الوزارية لحقوق الإنسان    أتلتيكو مدريد يمدد عقد جوليانو سيميوني حتى 2030    اليوم العلمى لقسم الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى الفيوم يحذر من أمراض الشتاء    سبيد يشارك فرقة مصرية عروض التنورة والطبلة فى قلب القاهرة.. صور    فنزويلا تراقب أول صفقة نفطية أمريكية ب500 مليون دولار وسط مخاوف اقتصادية    تفاصيل اجتماع وزير الرياضة مع مجلس إدارة اتحاد السلة    حكم صيام ليلة الإسراء والمعراج وأفضل الأعمال    كيف تفصل نفسك عن بطاقة التموين للحصول على بطاقة مستقلة    قائمة أفلام مهرجان المنصورة لسينما الأطفال في دورته الأولى    روسيا تطرد دبلوماسيا بريطانيا من السفارة في موسكو بسبب مزاعم بالتجسس    تقرير: إنتر يواجه رفضا من إيندهوفن لاستعادة بريسيتش    فريق طبي بالمحلة العام ينقذ حياة مواطن بعد تعرضه لهجوم من حمار    رئيس جامعة قنا يفتتح قسم طب وجراحة العيون الجديد بالمستشفى الجامعي    محافظ الإسماعيلية يستقبل نائب وزير الصحة والسكان لشئون السكان وتنمية الأسرة    طريقة عمل كيكة الزبادي بمكونات بسيطة ومذاق مميز    الطقس غدا.. شديد البرودة وشبورة كثيفة والصغرى بالقاهرة 12 درجة    وصول فرق الإنقاذ لموقع السفينة الغارقة بشاطئ بورسعيد.. فيديو وصور    بهاء أبو شقة يعلن تنازله عن الترشح لرئاسة الوفد ويستقيل من عضوية الحزب    اعتماد تعديل المخطط التفصيلي لمدينتين بمحافظة الدقهلية وكفر الشيخ    حى وسط القاهرة: حريق درب الدهان بمحل إكسسوارات ومحدود    جامعة العاصمة تطلق مبادرة سفراء وافدين العاصمة    المحكمة تتحفظ على والدة شيماء جمال لحين الفصل في دعوى السب    طالب وطالبة.. ضبط المتهمين بإلقاء رضيعة للكلاب الضالة ببولاق الدكرور    إعارة بيكهام تؤجل إنضمام مروان عثمان إلى الأهلي في الميركاتو الشتوي    غدا.. عبد الفتاح جريني يحيي حفلا غنائيا في الزمالك    تفاصيل زيارة ويل سميث لمصر (صور)    فهمي الأمين: نركز على تسجيل وتوثيق الآثار بصفة مستمرة للحفاظ عليها في أسوان    ضبط المتهم بالتعدي على خطيبته السابقة بسلاح أبيض في الإسكندرية    البنك التجاري يصعد بالمؤشر الرئيسي للبورصة متجاوزًا 43 ألف نقطة    كارفاخال يعترف بالأزمة بعد وداع كأس الملك: وصلنا إلى أسوأ مراحلنا    لوجود تصدعات.. إخلاء 46 شقة بعقارين في دمنهور كإجراء احترازي.. ولجنة هندسية لفحصهما    إسقاط الجنسية المصرية عن شخصين لتجنسهما وخدمتهما العسكرية خارج البلاد    أرتيتا: بطاقة النهائي لم تُحسم رغم تفوق أرسنال على تشيلسي    تعرف على مواعيد قطارات السكة الحديد بخط أسوان - القاهرة    بريطانيا ترسل مسئولا عسكريا إلى جرينلاند    إصابة 7 أشخاص فى حادث انقلاب ميكروباص بقنا    الأعمال المستحبة لإحياء ليلة الإسراء والمعراج    ترامب: الولايات المتحدة حددت المذنب في تسريبات فنزويلا وهو قابع بالسجن    إسلام الكتاتني يكتب: عم ربيع وحرامية الإخوان    المغرب يقهر نسور نيجيريا ويتأهل لنهائي أمم أفريقيا 2025 بركلات الترجيح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فلسطين 36.. قراءة سينمائية في جذور الاستيطان قبل 1948

يُعرض ضمن مبادرة «سينماد» لأفلام المهرجانات العربية في دور السينما بمختلف أنحاء العالم العربي، ومن بينها مصر، فيلم «فلسطين 36»، والذي ينافس ضمن القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار.
وانطلقت المبادرة في أول تجربة من نوعها في المنطقة خلال ديسمبر 2025، وتستمر لمدة ثلاثة أشهر، يتم خلالها عرض 20 فيلمًا عربيًا شاركت في مهرجانات سينمائية دولية كبرى، وحصدت جوائز مرموقة.
وشهد العرض الأول للفيلم في مصر حضورًا كبيرًا من الصحفيين والنقاد السينمائيين، إلى جانب مشاركة عدد من أبطال وصنّاع العمل، من بينهم الممثل الفلسطيني كامل الباشا. والفيلم من تأليف وإخراج آن ماري جاسر، وبطولة صالح بكري، وياسمين المصري، وظافر العابدين، وهيام عباس، وروبرت آرامايو، وجيرمي آيرونز.
يُعد عنوان الفيلم بوابة رئيسية لفهم سياقه الدرامي؛ إذ تدور أحداث «فلسطين 36» في عام 1936 داخل الأراضي الفلسطينية خلال فترة الاحتلال البريطاني، من خلال ثلاث شخصيات رئيسية: صحفية تعيش في مدينة القدس، وشاب ريفي يعيش في قرية البسمة، وعامل ينضم إلى الثوار.
وتعتمد آن ماري جاسر في أسلوب الفيلم الدرامي على لغة بصرية تمزج بين الأرشيف التاريخي والسرد الدرامي، فيما تتشكل شخصياته في محاولة للتعبير عن تنوّع المجتمع الفلسطيني.
ويحاول العمل الحكي عن بدايات النكبة الفلسطينية قبل عام 1948، موضحًا أن حكاية الاحتلال لم تبدأ في نهاية الأربعينيات، وإنما قبل ذلك بكثير، وفق مخطط متكامل بناه الاستعمار البريطاني.
ويطرح هذا السياق سؤالًا محوريًا: هل استطاعت المخرجة، من خلال الأدوات السينمائية، أن تروي الحكاية المعقّدة لما حدث؟
في البداية، كان من المفترض أن يؤدي اعتماد الفيلم على ثلاث شخصيات في السرد إلى خلق التنوع الذي سعت إليه المخرجة، بهدف التعبير عن المجتمع الفلسطيني وتأثير الاحتلال البريطاني على كل شخصية، مع إبراز تباين هذا التأثير بين الريف والمدينة. وقد تحقق ذلك بالفعل في المراحل الأولى، إلا أنه مع مرور الوقت حدثت حالة من التشتت والتشظي السردي، ونقلات درامية مفاجئة وغير مترابطة، فككت قوة الدراما، مقابل الحفاظ على أسلوب الأرشفة والتأريخ.
ويمكن قراءة ذلك من منظور نظرية ما بعد الاستعمار بوصفه توترًا واضحًا بين الرغبة في تفكيك السردية الاستعمارية، وبين الوقوع أحيانًا في أسر الخطاب التوثيقي نفسه الذي تفرضه تلك السردية. فالفيلم، في محاولته إعادة كتابة التاريخ من زاوية فلسطينية، يمنح الأرشيف مكانة مركزية، لكنه في المقابل يُضعف المسار الدرامي للشخصيات، فتنقلب من ذوات فاعلة داخل التاريخ إلى شواهد عليه.
ووفقًا لنظرية ما بعد الاستعمار، لا يُنظر إلى الاستعمار باعتباره حدثًا عسكريًا فقط، بل كنظام خطابي يعيد إنتاج نفسه عبر اللغة والتمثيل والصورة. وهنا يُحسب للفيلم سعيه الواضح إلى كسر صورة الفلسطيني بوصفه «الآخر الصامت» أو الضحية المجرّدة من التعقيد؛ إذ تقدّم آن ماري جاسر شخصيات تنتمي إلى طبقات اجتماعية ومواقع جغرافية مختلفة، في محاولة لإبراز التعدد داخل الهوية الفلسطينية.
غير أن هذا التعدد يظل في كثير من الأحيان تعددًا شكليًا أكثر منه بنيويًا، حيث لا تحصل كل شخصية على المساحة السردية الكافية لتتحول إلى صوت مكتمل، بل تظل محكومة بوظيفتها الرمزية داخل السياق التاريخي.
أما الاحتلال البريطاني، فيُقدَّم بوصفه سلطة مرئية وغير مرئية في آن واحد؛ إذ يحضر بقوة عبر القوانين والحواجز وإدارة الحياة اليومية، بينما يختفي أحيانًا عن الكادر. ويتقاطع ذلك مع مفهوم الهيمنة الاستعمارية الناعمة كما تطرحه دراسات ما بعد الاستعمار؛ إذ لا يحتاج المستعمِر إلى الظهور الدائم بقدر ما يفرض نفسه كنظام ينظّم المكان والزمن وحركة الأجساد.
في المقابل، يظل الحضور الصهيوني غير مرئي إلى حدٍّ كبير، مع الاكتفاء بذكر الهجرات اليهودية المتتالية خلال تلك الفترة، ولقطات أرشيفية للسفن القادمة إلى موانئ فلسطين.
ويكتسب غياب الوجود الجسدي لليهود في الفيلم، والاكتفاء بحضورهم عبر الأحاديث والهمسات والتقارير، دلالة بالغة الأهمية من منظور ما بعد الاستعمار. فهذا الاختيار لا يمكن قراءته بوصفه إغفالًا سرديًا، بل باعتباره استراتيجية تمثيل واعية، يتحول فيها «الآخر» إلى كيان غير مرئي لكنه فاعل، حاضر عبر الخطاب لا الجسد. ويتقاطع ذلك مع مفهوم الاستعمار بوصفه بنية تخطيطية تعمل في الخفاء، لا عبر المواجهة المباشرة فقط، بل من خلال الترتيب المسبق للواقع.
في هذا السياق، يصبح اليهود في الفيلم أشبه بظلٍّ تاريخي يتسلل إلى المشهد عبر أحاديث الشخصيات الفلسطينية والبريطانية، وعبر القلق المتنامي من التحولات القادمة، لا عبر الاشتباك المباشر.
ويعكس هذا الغياب الجسدي طبيعة المشروع الاستيطاني بوصفه مشروعًا مؤجل الانفجار، لكنه حاضر في الوعي الجمعي، وهو ما يمنح الفيلم قدرة على تفكيك فكرة أن الصراع لم يبدأ مع المواجهة المسلحة عام 1948، مؤكدًا أن جذوره أعمق وأكثر تركيبًا.
كما يبرز المكان في الفيلم كعنصر دلالي مهم؛ إذ تُصوَّر القدس بوصفها مركزًا للخطاب والصحافة والوعي السياسي، بينما يُقدَّم الريف باعتباره فضاءً أقرب إلى البراءة والضعف. ورغم واقعية هذا التقسيم ظاهريًا، فإنه يعيد إنتاج ثنائية المركز/الهامش التي حذّرت منها نظرية ما بعد الاستعمار، حيث يصبح الريف تابعًا سرديًا للمدينة، لا فاعلًا مستقلًا في تشكيل الحدث التاريخي، رغم أن المقاتلين فعليًا خرجوا من رحم الريف.
ويقع الفيلم في منطقة ملتبسة بين البراءة والضعف والسذاجة أحيانًا في تمثيل شخصية الفلسطيني، وهي منطقة شديدة الحساسية في الخطاب ما بعد الاستعماري. فالشخصية الريفية تُقدَّم غالبًا باعتبارها صادقة ونقية وقريبة من الأرض، إلا أن هذا التقديم ينزلق أحيانًا إلى تصويرها ككائن عاجز عن الفعل التاريخي، لا يملك سوى ردّ الفعل. وهنا يتقاطع الفيلم، دون قصد، مع إحدى الصور النمطية التي رسّخها الخطاب الاستعماري طويلًا: المُستعمَر بوصفه ضحية بريئة، لكنها غير قادرة على المبادرة.
هذا الخلط بين البراءة والضعف يُفرغ الشخصية الريفية من تعقيدها السياسي، ويجعلها أقرب إلى رمز أخلاقي منها إلى فاعل اجتماعي. فبينما تسعى آن ماري جاسر إلى تقديم الريف كحاضنة للمقاومة، تُبقيه اللغة البصرية والسردية في موقع التلقي، مقابل المدينة التي تحتكر الوعي والتنظيم واللغة السياسية، وهو ما يعيد إنتاج ثنائية غير متكافئة بين الريف والمدينة، تتناقض مع التاريخ الفعلي للثورات الفلسطينية المبكرة.
وعلى الرغم من الارتباك السردي في بعض الجوانب، فإن فيلم «فلسطين 36» ينجح في طرح سؤال الذاكرة واللحظة التأسيسية للنكبة، ويُحسب له إصراره على إعادة تأريخ الحدث من داخل السياق الفلسطيني لا من خارجه. كما يبرز محاولات إنقاذ الأرض منذ البداية، وينفي سردية «الفلسطيني الذي باع أرضه» التي روّج لها المحتل، لكنه يتعثر في الموازنة بين السينما كفعل مقاومة خطابية، والسينما كحكاية إنسانية نابضة، فيغلب عليه أحيانًا الطابع التقريري على حساب التوتر الدرامي. وهو تعثّر لا ينتقص من أهمية الفيلم، بقدر ما يكشف عن صعوبة الاشتباك سينمائيًا مع التاريخ الاستعماري، دون الوقوع في فخ إعادة إنتاج بنيته السردية نفسها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.