بعد مرور مائة عام بالتمام والكمال علي "إعلان بلفور" عام 1917. ماذا فعلت السينما العربية لتوثيق هذه الجريمة التي كلفتنا عدة حروب وعشرات الالوف من الضحايا ومازالت الشعوب العربية تدفع تداعياتها؟ والله وحده يعلم إلي متي سيطول عمر هذا الكيان الاستعماري الصهيوني الذي يتجاهل المواثيق والقرارات الدولية بدعم من الدول الغربية التي زرعت اسرائيل لتدعيم مصالحها في المنطقة وليس فقط لتأسيس وطن قومي لليهود فهكذا يؤكد التاريخ. وعلي حين غابت قصة "النكبة" التاريخية التي أصابت المنطقة العربية بسرطان استيطاني مدمر لم تتوان السينما الهوليودية التي يسيطر عليها اليهود عن تكريس مزاعم الحركة الصهوينية ونشر مبادئها- درامياً- في عشرات بل مئات الافلام التي تكرس الصورة النمطية الكريهة للعرب وتصوير فلسطين بأنها أرض بلا شعب وأن أصحابها الاصليين لايعدون سوي حثالة من البدو الرعاة بلا حضارة وبلا تاريخ وبلا جذور. لم يتوقف الصهاينة عن صنع الافلام التي تستعرض صور الاضطهاد اليهودي علي أيدي النازيين في حين أن وعد بلفور هذا سبق بعشرات السنين حكاية "الهولوكست" المزعومة واضطهاد النارية لليهود في معسكرات الابادة إبان الحرب العالمية الثانية وكذلك لم تتوقف الافلام التي تذكر وتؤكد الحق الالهي لليهود في أرض الميعاد "فلسطين". ان قصة "وعد بلفور" سبقتها فصول للعديد من الوعود المشابهة تحكيها لنا الافلام التسجيلية التي لا أعرف لماذا لايعرضها التليفزيون العربي بمئات القنوات التي تملكها الحكومات العربية هناك لمن يرغب اقتفاء اثر الاحداث المآساوية التي سبقت وتلت "وعد بلفور" 1917 الكثير من الشرائط التسجيلية التي اعتمدت علي الوثائق وعلي شهادات المؤرخين وعلي عشرات الابحاث التي تجعل أي باحث قادر علي فهم ظروف هذه "الدراما" التاريخية أو "التراجيديا" التي صاغها وتولي الدفع بأحداثها الاستعمار الغربي "بريطانيا. فرنسا. امريكا" علي مدي أكثر من مائة عام. يوم الخميس "2 نوفمبر" الماضي يمر مائة عام بالضبط علي توقيع هذا الاعلان وبداية الانتهاكات الوحشية لتفريغ فلسطين من سكانها الاصليين والتخطيط لمذابح جماعية لاجبارهم علي النزوح وترك بيوتهم وحقولهم ومواشيهم وكل ما يملكونه. ومع حلول هذه المئوية بدأت بعض المؤسسات الفلسطينية الوطنية عرض أفلام تسجيلية تشرح دلالة هذا الوعد وتأثيره علي السلام العالمي وعلي ما يسمي بحقوق الانسان والمظالم والانتهاكات التي مورست ضد الشعب الفلسطيني ومطالبة بريطانيا بالاعتذار رسميا. ووصف هذا الوعد بما يستحقه موضوعيا وبدأت كثير من الجماعات المتضامنة مع القضية الفلسطينية والمهتمة فعلاً بحقوق الانسان أن تشارك بالقاء الضوء علي وعد بلفور من خلال أفلام تسجيلية ومنها فيلم "اعلان بلفور" الذي انتجته دائرة شئون اللاجئين الفلسطنية وهو فيلم يناقش قضية مهمة جدا طرحها عضو البرلمان البريطاني جورج جالواي المناصر للحق الفلسطيني ويطرح السؤال: من المسئول عن "الهولوكست" ومن عليه ان يدفع الثمن؟ ثم من أعطي بريطانيا الحق ان تضمن وطنا لليهود ليس لهم ويملكه غيرهم؟ ان وعد بلفور مشروع صهيوني برعاية بريطانية هذا ما يؤكده فيلم تسجيلي يعيد بناء ما جري من الاحداث في مشاهد درامية تحاكي فكرة اغتصاب "وطن" من اصحابه لكي يعيش فيه آخرون لفيلم من اخراج المخرج البريطاني ريك بلات واعتمد فيه علي وثائق من الارشيف وشهادات المؤرخين ليشكل بذلك معادلاً بصريا يحاتي تلك الفترة التاريخية وما شهدته من تحركات سياسية قادت إلي احتلال فلسطين وقيام الكيان الصهيوني والفيلم من انتاج شركة "نون فيلم" ومقرها لندن وهو ثمرة لرحلة طالت ست دول هي: بريطانيا والولايات المتحدةوفرنسا وايطاليا والاردن وفلسطين وشارك فيه فلسطينيون. ومن الافلام الروائية القصيرة فيلم بعنوا "100شارع بلفور" وهو عنوان رمزي يتناول إعلان بلفور من خلال حكاية رمزية عن اسرة انجليزية تعيش في احدي ضواحي لندن ويتم اجبارها علي ترك حياتها المستقرة لصالح اسرة دخيلة بعد ان يتم طردها بالقوة علي يد الشرطة واجبار الاسرة صاحبة البيت علي الاقامة في الحوش الخلفي فالفيلم يحاول بذكاء وفي مدة زمنية لاتتجاوز "11" دقيقة المزج بين الجانب التعليمي وبين العنصر الدرامي في حبكة تحاكي ما جري للفلسطنيين لقد تم عرض الفيلم منذ أيام من جنوب افريقيا وفي ذلك دلالة اخري لاتغيب نظرا للتشابه. إن ابشع ما يعنيه "وعد بلفور" هو التشريع الدولي للعنف. وانتهاك حقوق الشعوب- وإقرار قانون الغاب بمعني ان يلتهم القوي حق الضعيف وهذا التقنين يبرر الكثير مما يشهده العالم الان من عنف دموي يسحق القانون وما يسمي حقوق الانسان. وفي خضم هذه الذكري وأمام خلفية الاحتجاجات التي شهدتها الكثير من الدول تتصافح الايادي الغارقة بالدماء وهو المشهد الذي تبثه وسائط الاعلام الجماهيرية والذي يجمع بين رئيسة وزراء بريطانيا تريزا ماي- وبنيامين نتنياهو رئيس وزراء اسرائيل في اعلان صفيق وفاجر لمنطق القوة الغاشمة التي تجعل من لا يملك قادرا علي منح من لايستحق وطن وأرض شعب آخر.. وما يدعو إلي العجب ان تعبر رئيسة الوزراء ذات الدماء الزرقاء والقلب الميت عن شعورها بالفخر بدور بلادما في اقامة دولة ارهابية استعمارية محتلة ولم لا وبريطانيا ما زالت كما هي قلب الارهاب النابض. افلام فلسطينية روائية عن القضية لقد بلوحت اسرائيل بصفاقة بتهمة معاداة السامية للعديد من الافلام لمخرجين فلسطينيين سواء من المقيمين في الداخل. أو من يعيشون خارج بلادهم. وأقامت العديد من العقبات أمام ظهور تلك الافلام ورغم ذلك استطاع صناعها ان يدلفوا إلي المهرجانات السينمائية الدولية ومنها افلام روائية وأخري تسجيلية مثل أفلام المخرج هاني أبو أسعد "عمر" الذي رشح للاوسكار وفيلمه ايضا "الجنة الان" ولكنها أفلام لا تقترب من جذور المشكلة ولا تتناول أصل المأساة وجوهرها "وعد بلفور" وكذلك أفلام المخرج رشيد مشهرواي وايليا سليمان ومشيل خليفي وآن ماري جاسر فمازالت السينما الفلسطينية تشارك في المشهد السينمائي الدولي بأعمال جديدة ولمخرجين جدد يعيش أغلبهم في الدول الاوربية الغربية أصل النكبة ويعتمدون في تمويلهم علي الاموال الغربية أيضاً. معظم هذه الافلام انتاج مشترك ويشاهدها جمهور محدود ولكنها برغم أي شئ دليل علي حضور "فلسطيني" وفنان يحمل جنسيتها وبعضها ينقل الصوت الفلسطيني للاخرين بموضوعية مثل أفلام المخرجة التسجيلية مي مصري التي شاركت مؤخرا بفيلم "3000 ليلة" الذي تدور أحداثه داخل سجن للنساء في اسرائيل حيث تقضي احدي المدرسات حكماً بالعقوبة مع سجينات سياسات إلي جانب نساء اسرائيليات ارتكبن جرائم جنائية ومايحدث من جراء ذلك داخل السجن وما عاشته هذه السجينة نفسها طوال المدة من إحداث دراماتيكية مخزية ومثيرة انسانياً. مثل هذه الاعمال لاشك تلعب دورا سياسيا رئيسيا عندما يتم عرضها في المهرجانات ولعل أهم هذه الادوار إلقاء الضوء علي محنة وعذابات الشعب الفلسطيني تحت حكم الاستعمار الاستيطاني للدولة الصهيونية من جانب آخر يتابع الاثار التي خلفتها الدول الاستعمارية مثل بريطانيا بهدف احكام القبضة علي الشعوب لتحقيق مصالحها وإن اقتضت الضرورة تشريد شعب باكمله واغتصاب حقوقه. لقدكنا ومازلنا مسرحا للاطماع الصهيونية المدعومة بالقوي الاستعمارية الكبري التي تتفنن في صنع سيناريوهات جديدة ومستحدثة لكي تظل قبضتها سارية وإن اقتضي ذلك بذر بذور الارهاب لكل البلاد بما فيها لندن وباريس ونيويورك وهولندا والمانيا.. الخ. وبمناسبة الذكري المئوية للنكبة.. باعلان بلفور الذي فرضته بريطانيا بمنطقة القوة الغاشمة نتذكر من خلال السينما والشرائط التسجيلية وهي كثيرة ومتاحة علي الانترنت ما جره هذا الاعلام المشئوم علي المنطقة من مظاهر العنف والتوحش والدهس الخ.. وندرك من جديد ومن خلال المشهد الحالي ان الاستيطان والاحتلال واقامة دولة ارهابية يحميها قوي الاستعمار العالمي هي مصدر كل البلاء ولا عزاء للديمقراطية والحرية وحقوق الانسان إلي آخر هذه العناوين المزيفة.