ياسر عبد الله رئيس جهاز تنظيم المخلفات في حوار ل«الشروق»:دمج النباشين في منظومة رسمية تحت مظلة تأمينية    الأورمان عضو التحالف الوطني تواصل توزيع المساعدات الغذائية وتنظيم معارض أثاث    انطلاق الانتخابات المحلية في فرنسا في آخر اختبار للمزاج السياسي قبيل انتخابات الرئاسة    قصف جوي يستهدف مقراً للحشد الشعبى فى العراق    نجوم صغار يسرقون الكاميرا من الكبار فى دراما رمضان    النائبة داليا السعدني: دعم الأعمال الفنية الهادفة ضرورة لترسيخ الهوية الوطنية    وكيل صحة سوهاج يستقبل مدير فرع التأمين الصحي لبحث تطوير الخدمات الطبية    دليل استخراج بطاقة التموين عبر منصة مصر الرقمية    إلغاء مهرجان قطر لكرة القدم بشكل رسمي    عودة الطقس الطبيعي في سوهاج مع ارتفاع درجات الحرارة.. مباشر    إصابة 6 أطفال عقرهم كلب مسعور بمنطقة المعنا فى بندر قنا    تعرف على آخر تطورات سعر الذهب .. عيار 18 ب6351 جنيها    شركة مصرية تستهدف توطين صناعة البوردة الإلكترونية في مصر    موعد عرض الحلقة ال 27 من مسلسل الكينج والقناة الناقلة    علي جمعة ل شاب: التوحيد أصل الزواج والاكتفاء بزوجة واحدة قمة الرقي    سميرة عبدالعزيز عن وصية زوجها قبل رحيله: لا تتركي الفن أبدا    الأزهر يوضح الفرق بين زكاة الفطر وزكاة المال والصدقة    تشريعية النواب: منع الخدمات عن المحكوم عليه في قضايا النفقة يضمن تنفيذ الأحكام القضائية    حصول طب طنطا ومستشفياتها الجامعية على الاعتماد المؤسسي    المجر: أوكرانيا لن تنضم للاتحاد الأوروبي طالما أن أوربان رئيس للوزراء    الخارجية الأمريكية: لا إصابات بين أفراد سفارتنا في بغداد    برلمانية: الرئيس السيسي وضع الحقائق أمام المصريين لتعزيز الثقة والمصارحة    جوهر الرياضة أمام الوزير جوهر نبيل    كوبي: مبابي وكاريراس جاهزان لمواجهة مانشستر سيتي    انطلاق مباراة برشلونة أمام إشبيلية بالدوري الإسباني    برلمانية: الدولة تتحرك لحماية المواطنين وتوفير احتياجاتهم    زيلينسكي: أوكرانيا تنتظر من الولايات المتحدة وروسيا تحديد موعد ومكان الجولة المقبلة من المحادثات    هوليوود تحت الحراسة المشددة.. الأوسكار ينطلق وسط توتر الحرب الإيرانية    جريدة اليوم: المنتخب السعودي سيلاقي مصر وصربيا وديا في جدة    إصابة 8 عمال يومية في حادث انقلاب سيارة ربع نقل بالغربية    إصابة 8 عمال في انقلاب سيارة نصف نقل بالغربية    «بيت الزكاة والصدقات» يقدم 8 آلاف وجبة سحور لرواد الجامع الأزهر في ليلة 27 من رمضان    هيئة مفوضي مجلس الدولة تحجز دعوى إلغاء قرار حجب «روبلوكس»    أيمن يونس: "هات للزمالك ملعب كويس وهو يكسب أي حد"    اليوم.. مطار القاهرة يعيد توزيع رحلات «إيركايرو»    حمزة عبد الكريم يشارك فى خسارة شباب برشلونة ضد بيتيس بنهائي كأس إسبانيا    وزيرة التنمية المحلية تبحث مع محافظ البحر الأحمر إزالة التعديات وتطوير الخدمات    رئيس "نقل النواب": حديث الرئيس في إفطار الأسرة المصرية اتسم بالشفافية.. والوعي الشعبي هو حائط الصد الأول لمواجهة التحديات الإقليمية    القومي للمرأة يطلق برنامجًا تدريبيًا حول «التمكين الاجتماعي»    في يوم الدبلوماسية المصرية.. الرئيس السيسي يشيد بدور الخارجية في حماية مصالح الدولة    الطقس غدًا الاثنين 16 مارس 2026.. دفء نهاري وبارد ليلي مع شبورة ورياح نشطة في بعض المناطق    خلال 24 ساعة.. الداخلية تضبط أكثر من 110 آلاف مخالفة مرورية    رئيس جامعة بني سويف يشهد ختام مهرجان الأنشطة الرمضانية    قادمين من مصر.. خارجية العراق تعلن وصول أول دفعة من العالقين بالخارج    هل تنجو الطفلة فيروز بعد إصابتها؟.. مفاجأة فى الحلقة 11 من فرصة أخيرة    وزير الصحة يتابع نشاط المشروعات القومية والمرور الميداني على 29 مستشفى بمختلف المحافظات    النائب العام الإماراتي يأمر بالقبض على 25 متهما وإحالتهم لمحاكمة عاجلة لنشر محتوى مضلل يضر بتدابير الدفاع    الزيمبابوي برايتون تشيميني حكمًا لمباراة شباب بلوزداد والمصري بالكونفيدرالية    «السنباطى» تتابع مبادرة «صحة ووعي» لفحص وعلاج أطفال دور الرعاية بالإسكندرية    جيش الاحتلال يعلن بدء هجمات واسعة النطاق على غرب إيران    طريقة عمل البسبوسة، تحلية رمضانية مميزة وبأقل تكاليف    «عبد الباري»: تشغيل 3 أجهزة إيكمو حديثة بالقصر العيني لتعزيز الرعاية الحرجة    بعثة الزمالك تصل إلى القاهرة بعد التعادل مع أوتوهو بالكونفدارلية    أسرة «روزاليوسف» تجتمع على مائدة واحدة فى حفل إفطارها السنوى    أسعار الفاكهة في المنيا اليوم الأحد 15 مارس 2026    المفتي: القرآن كله متشابه في الإعجاز والبلاغة.. والإحكام والتشابه ثنائية مذهلة وصف الله بها كتابه العزيز    دعاء ليلة رمضان الخامسة والعشرين..نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    مسجد الفتح يشهد صلاة التراويح وفعاليات ملتقى الفكر الإسلامي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نداء نابليون ووعد بلفور و"جنازة بيريز" .. فلسطين ضحية السياسة!
نشر في محيط يوم 05 - 11 - 2016

"إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إقامة مقام قومي في فلسطين للشعب اليهودي، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر" . رسالة من وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد بتاريخ 2 نوفمبر 1917.
وعلى مشارف مئوية وعد بلفور المشئوم أصدرت مجلة الهلال المصرية عددا خاصا يعود لجذور النكبة باعتبارها امتداد لحلقة الأطماع الأوروبية بالشرق ، ونظرتهم الدونية تجاه العرب، كشعوب متخلفة تحتاج لمن يديرها. كما ترصد المجلة جذور الحلم بوطن يهودي في فلسطين منذ نداء نابليون الماكر لكسب تأييد اليهود بحملاته للشام ومصر ، وقد خاطبهم قائلا : "أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه نسبه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط... انهضوا بقوة أيها المشردون في التيه... إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل... إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، ويمشي بالنصر أمامه وبالعدل وراءه، قد اختار القدس مقرا لقيادته، وخلال بضعة أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي استهانت طويلا بمدينة داود وأذلتها. يا ورثة فلسطين الشرعيين.. إن الأمة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء...".
سراب حل الدولتين
في مقال رئيس التحرير، الكاتب الصحفي سعد القرش، "سراب حل الدولتين" يبدو الأسف على مشهد عربي أصبح بعد مرور 99 عاما على وعد بلفور، أكثر ميلا للاستسلام والتحالف المعلن مع العدو، بعد أن كان "التواطؤ سريا" لحماية العروش من الخليج للمحيط.
وقد كرست الأنظمة الغارقة بنكساتها لسراب اسمه السلام مع العدو وراحت تصور القضية باعتبارها صراعا "فلسطينيا – إسرائيليا"، فيما كان الكيان الصهيوني على الطرف الآخر يرفض تنازلاتنا كمقولة "الأرض مقابل السلام" ويستهين باقتراح "حل الدولتين" الذي أطلقته قمة العرب ببيروت 2002، ملوحة بالتطبيع في مقابل دولة فلسطينية على حدود 1967 .
اليوم يرزح العالم العربي تحت وطأة تصدعات عنيفة وقد أجهضت ثورات الربيع منذ نهاية عام 2010، وزاد الأمر سوءً تصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة بعد غياب مفهوم الثورة الواعي بعقول الجماهير.
وعودة لجذور القضية، يستدعي الكاتب ما جاء بكتاب محمد حسنين هيكل "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل" أن اللورد بالمرستون رئيس وزراء بريطانيا، اقتنع في يونيو 1838 برغبة روتشيلد في "تصدير الفائض" من يهود أوروبا إلى فلسطين، ومساعدتهم على إنشاء شبكة مستعمرات، لكي تصبح عازلا "يحجز مصر عن سوريا، ويمنع لقاءهما في الزاوية الإستراتيجية الحاكمة".
وظلت فلسطين قبلة لليهود، حلما مؤجلا وجائزة كبرى وعدتهم بها القوى الإمبريالية المتنافسة، بدعوى تنفيذ وعد الرب لشعبه المختار، وبهذا الوعد تخلصت أوروبا من الصداع اليهودي، كما استخدمت اليهود أداة عسكرية لعزل شطري العالم العربي.
ويستدعي الكاتب ما جاء في كتاب الدكتور صبري العدل "سيناء في التاريخ الحديث 1869- 1917" من محاولات أن هرتزل تأسيس مستعمرة يهودية برفح ورفض الحكومة المصرية للتنازل عن السيادة.
وعلى الجانب الآخر تنسف د. فدوى نصيرات الرواية المستقرة عن رفض السلطان عبدالحميد القاطع لبيع فلسطين أو تسهيل إقامة مستعمرات بها، برغم تأكيداته المعلنة بذلك، وتدلل على ذلك باستقباله لهرتزل خمس مرات بمطلع القرن العشرين ، وهو ما يشبهه سعد القرش بموقف السادات الذي كرس لسياسات عزلت مصر عن ظهيرها العربي والعالمي الثالث منذ زيارته للقدس نوفمبر 1977 ، فمنح إسرائيل بالسلام ما عجزت عنه بالحرب، وزاد العبء على شعب فلسطين الذي لا يرضيه حكم ذاتي، ولا يقنعه كلام مرسل عن حل الدولتين.
قبل 72 عاما على بلفور
تتفق الكاتبة شذى يحيى أن قادة العرب بممارساتهم السياسية اليوم يؤكدون تأييدهم لمخططات الكيان الصهيوني بالتوغل واحتلال فلسطين، وليس أدل على ذلك من التمثيل الرسمي العربي بل والفلسطيني بجنازة شمعون بيريز أحد آباء العصابات الصهيونية بفلسطين .
وتعود الكاتبة لجذور المخططات البريطانية لتوطين اليهود بفلسطين ، وهو أمر يسبق وعد بلفور بعقود طويلة؛ فبعد محاولات مضنية استطاع اليهود إقناع ساسة بريطانيا بأن توطينهم بفلسطين سيضمن مصالح الإمبراطورية بالشرق، وبالفعل تشكلت في 1818 أول جمعية لإحياء الأمة اليهودية في فلسطين، وقاد جهودها اللورد شافتسوري واللورد بالمرستون وزير خارجية بريطانيا من 1830 إلى 1851 ، وكان كلاهما مسيحيا صهيونيا يؤمن كل منهما بضرورة عودة "أمة العهد إلى أرض صهيون؛ لتتحقق العودة الثانية للمسيح وتحل مملكة الله على الأرض " برغم احتقارهم النفسي لليهود كما تشير رسائلهما.
ولذلك ضغط بالمرستون بعد مساعدته للعثمانيين في إبعاد المصريين عن الشام وتخليصها لهم من الإدارة المصرية تحت حكم محمد علين لتنفيذ شيئين.. الأول هو إنشاء قنصلية بريطانية في القدس عام 1838، والثاني هو تعزيز وتشجيع استيطان اليهود الأوروبيين في الأراضي المقدسة .
وراح يقنع السلطان العثماني بأن توطين اليهود سيكون ضمانة لمنع توغل محمد علي بفلسطين ، كما استغلوا حاجة العثمانيين للمساعدة في حرب القرم ضد روسيا، لتغيير الأوضاع على أرض فلسطين، ولتتشكل أول مستعمرة يهودية بالقرب من القدس عام 1854، ولتعطي الدولة العلية لرعاياها اليهود للمرة الأولى الحق في حيازة الأرض فاتحة بذلك المجال لمستعمرات أخرى .
ومع افتتاح قناة السويس للملاحة عام 1869 برعاية فرنسية وعدم رضا بريطاني زادت أهمية فلسطين كحد شمالي للقناة ينبغي من وجهة النظر البريطانية ألا يترك نهبا لأمم معادية ، مما دفع بريطانيا لتشجيع "العاليا الزراعية " عام 1880 أي العودة الأولى لليهود لوطنهم الأول في فلسطين برعاية وتمويل اللورد روتشيلد، وقبلها بعامين في عام 1878 أنشئت أول مستوطنة منظمة على أرض فلسطين باسم "بتاع تكفا" ولقبت بأم المستوطنات، وهذا ما دفع بريطانيا أيضا لاحتلال مصر عام 1882، وأنشأت في فلسطين المستوطنة الكبرى الثانية "ريشون لي صهيون" وأغلب قاطنيها من اليهود الروس ومن بعدها قرية "زمارين" اليهودية التي سكنها يهود رومانيون زورت أوراقهم ليصبحوا رعايا للدولة العثمانية.
وهكذا أصبح تعداد اليهود في فلسطين بحلول عام 1897 تاريخ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول ما يقرب من 24 ألف يهودي واستعان الصهاينة بالرشاوى وفساد الموظفين وطمع العثمانيين في بيع الأراضي التي ملكوها عنوة في فلسطين بالتحايل على قوانين الدولة العثمانية التي لم تكن تسمح بتملك الأراضي لغير رعايا الدولة.
ثم بدأ الوافدون في مطلع القرن العشرين ببناء المصانع وتعبيد الطرق واستيراد الآلات من أوروبا ليظهروا أمام العالم أنهم قادرون على إنشاء دولة متحضرة على الطراز الأوروبي في أرض الميعاد .
وتشير الكاتبة بعد ذلك للموجة الثانية من الهجرة (العاليا الثانية) من قبل صناع ومعلمين ومدنيين بدأوا في بناء أول مدينة صهيونية على الطراز الأوروبي في الأراضي المقدسة، والتي أصبحت فيما بعد عاصمتهم "تل أبيب" .
وفي فبراير 1915 تمكنت قوة من الجنود الأتراك تحت قيادة ضباط ألمان من عبور شبه جزيرة سيناء والوصول إلى ضفة القناة، شريان حياة الإمبراطورية الواصل إلى الهند ، وكان هذا هو السبب الرئيسي في الإسراع بإعلان بلفور (2 نوفمبر 1917) فقد وجدت الحكومة البريطانية أن حلفها مع الصهاينة هو أسلم طريقة لتأمين مصالحها بأرخص التكاليف الممكنة.
وافقت أمريكا على وعد بلفور بعد أن دخلت بالقتال إلى جانب بريطانيا ووافقت على انتدابها على فلسطين، وكانت لا تزال ولاية عثمانية، وقامت بالشيء نفسه فرنسا وإيطاليا بل وبارك الفاتيكان وعد بلفور .
واكتسب وعد بلفور دعما شعبيا بمرور الوقت، وهللت صحيفتا الجارديان البريطانية والتايمز أيضا للقرار، وقد كتب رئيس تحرير الجارديان "ه. ن. برايسلفور " أن عرب فلسطين برابرة نصف متوحشين ليس لديهم القدرة على إعمار فلسطين، وإنه من الممكن أن يستبدل بهذا الجنس المنقرض ملايين من الأوروبيين البيض القادرين على بناء مجتمع متحضر. أما تشرشل فعاد لوصف عرب فلسطين بانهم ككلب أقام في مكان ما لمدة ما وهذا لا يعني في نظره أن لهذا الكلب حقوقا في هذا المكان !
المقاومة الفلسطينية .. قبل بلفور
نمت اليقظة الوطنية الفلسطينية للدفاع عن الأرض والهوية ببدايات القرن العشرين، كما تشير الكاتبة الفلسطينية بيسان عدوان بمقالها في عدد المجلة، كما ناهضت النخب الثقافية وجمعيات الشبيبة الفلسطينية بالشام والطلبة ، الهجرة اليهودية وشراء الأراضي وممارسات الحركة الصهيونية.
ومع وصول الموجة الثانية من الهجرة اليهودية إلى فلسطين من روسيا وأوروبا الشرقية، ما بين 1904 و1905، التي انتمى معظم أفرادها إلى حركة "بوعالي تيسون" ورفعوا شعاري "احتلال الأرض" و"احتلال العمل" ، تصاعدت عمليات المواجهة بين الفلاحين العرب المهجرين من قراهم والمحتلين الصهاينة، ما اضطر السلطة العثمانية لمنع المهاجرين اليهود من الاستيطان في فلسطين.
وبعد المواجهات العنيفة بين اهالي قرية زرنوفة ومستعمرة ديران "رحبوت" بعد 1914 نشطت المقاومة العربية للمخططات الصهيونية. وناشد أعيان القدس ويافا وغزة الآستانة للتدخل بحزم ، وأثار النواب العرب بالبرلمان العثماني القضية منذ عام 1909 فقال حافظ السعيد مثلا أن حركة الاستعمار اليهودي في فلسطين مستمرة منذ ثلاثين عاما "عندما كان عددهم عشرة آلاف يهودي، وبلغ اليوم ما يقرب من 100 ألف يملكون 100 ألف دونم من الأراضي، اشتروها بمساعدة أغنياء اليهود رغم الحظر المفروض" .
وكان للمثقفين الفلسطينيين وخاصة ممن يعيشون بأوروبا دورا لافتا للتنبيه لخطر الصهيونية ، فكتب روحي الخالدي خريج السوربون 1909 عن أهمية إيجاد وطن بديل ليهود أوروبا ، كما صدرت العديد من الصحف الوطنية الفلسطينية منذ ذلك الحين ولعبت دورا كبيرا بالتوعية بمخاطر الصهيونية كالكرمل وفلسطين ، وأكدتا على أن أوروبا تستغل الصهيونية لتحقيق مطامعها في المشرق العربي .
وتكلل ذلك بمؤتمرات العرب الفلسطينيين 1920 التي دعت لتشكيل حكومة وطنية فلسطينية ودرء الصهيونية.
ماذا لو لم يكن بلفور ؟
يطرح الكاتب الفلسطيني تحسين يقين سؤالا بمقاله في العدد : هل كانت إسرائيل الكولونيالية والعنصرية ستقوم بدون وعد بلفور ؟ والاجابة بنعم وترجع لما قبل انتهاء حسم صراع الحلفاء مع الإمبراطورية العثمانية، عام 1916، فبينما كانت بريطانيا تمني الحسين بن علي بالسيادة على الشام والعراق (الهلال الخصيب) والجزيرة العربية ، كانت تؤسس على الأرض كل ما يعارض ذلك .
ولولا الثورة البلشفية في روسيا ، لربما تأخر الكشف عن اتفاقية سايكس بيكون حيث تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا؛ ولكن الاتفاق نص على منح بريطانيا ميناءي حيفا وعكا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الإسكندرونة الذي سيقع في حوزتها. ومعروف أن اتفاقية سان ريمو عام 1920 أكدت على ما سبقها، ومهدت لانتداب بريطاني كامل على فلسطين، وإلغاء مقترح أن تكون القدس دولية .
ويعود الكاتب لما يزيد عن مائة عام حيث نداء نابليون الشهير لتوحيد اليهود بأرض الإله الموعودة.
ولذا يؤكد الكاتب ان المحاولات الغربية القديمة كانت ستؤول بدون وعد بلفور لهذه النتيجة الحتمية، وقد كان المؤتمر اليهودي العالمي بقيادة تيودور هرتزل 1897 مجرد تكريس لتلك الجهود وانتهى بتدشين الوكالة اليهودية ومهمتها جمع الأموال بصندوق قومي لشراء الأراضي، وإرسال مهاجرين يهود لإقامة مستعمرات في فلسطين.
الصراع .. بين عقيدتين
يتوغل د. عبدالخالق جبة في مقاله بالعدد بجذور الكراهية بين الفلسطينيين والإسرائيليين من منظور العقيدة ، وهو يؤكد أن الوضع الكائن بفلسطين أكثر سوءا من نظام الأبارتهايد (التفرقة العنصرية) في جنوب إفريقيا سابقا، لأن البيض لم يهتموا بطرد السود. والوضع أكثر سوءا من غالبية أشكال الاستعمار، لأن السلطات الإمبريالية الاستعمارية لم تسلب الأراضي من أصحاب الأرض الأصليين من أجل إقامة المستوطنات عليها .
سترى مشهد كهذا كثيرا، فتى تضطره ظروف الدراسة أو العمل لاختراق تجمعات العدو، أو ذلك الذي يلقي وابل من الحجارة على ضابط بالجيش الإسرائيلي، فيخرج الأخير من سيارته ممطرا خصمه بالطلقات النارية ويرديه قتيلا بلا خوف من عقاب.
وللسخرية فإن هرتزل مؤسس إسرائيل بروايته "الأرض القديمة – الجديدة" يتنبأ بحياة سعيدة للجيران الفلسطينيين العرب في ظل عهد الصهاينة !.
يعرف الفلسطينيون أن تلك الأرض كانت عربية من قبل قدوم إبراهيم أبو الأنبياء إليها، وهم يعلمون أن الفتح الإسلامي لم يطرد السكان المسيحيين الموجودين على أرض فلسطين والذين قبل بعضهم الإسلام بمرور الوقت، وقد سيطر اليهود على فلسطين في العصور القديمة لفترة قصيرة في مملكة شاؤول وداود وسليمان ، وهي فترة لم تدم أكثر من 90 عاما على أقصى تقدير، ولو حقت لهم العودة لحق للعرب أيضا العودة إلى الأندلس (إسبانيا) التي عاشوا فيها أكثر من ثمانية قرون.
من الجهة المقابلة يدعي اليهود وعدا تلقوه من إلههم ، للسيطرة على فلسطين، وهو ليس سوى حيلة استعمارية.كما يؤمن الطفل اليهودي بان الله قد منح البلاد لليهود، وأنهم سيطروا عليها قرونا طويلة، حتى أغضبوا الله، فنفاهم كعقاب مؤقت. والآن عادوا لبلادهم التي كان يسيطر عليها في تلك الأثناء شعب آخر، شعب غريب وصل من شبه الجزيرة العربية، وهو شعب "وقح" يدعي أحقيته بالأرض!
ومادامت النظرة هكذا، فإن السياسة الإسرائيلية الرسمية تقول : لا حل للصراع وعليهم أن يكونوا مستعدين للدفاع عن أنفسهم إلى أبد الآبدين . وأما السلام فهو وهم خطير!
يقول زئيف جابوتنسكي الأب المؤسس لليمين الصهيوني المتطرف : "على الإسرائيليين أن يقيموا جدارا حديديا، من أجل الدفاع عن استيطانهم في بلاد الآباء" ولقد طور خلفاؤه بنيامين نتنياهو والليكود النظرة للعمل جاهدين على اختفاء الفلسطينيين.
الغريبة أن أبناء الجيل الصهيوني الأول بما في ذلك هيرتسل وجابوتنسكي كانوا ملحدين، وقيل حينذاك إن الصهاينة لا يؤمنون بالله، ولكنهم يؤمنون بأن الله قد منحهم هذه البلاد بالتحديد . ولكن تغير الأمر تماما في بداية الصراع.
ويرى الكاتب أنه منذ حرب يونيو 1967 والتي أتمت فيها إسرائيل احتلال البلاد المقدسة، وخصوصا احتلال "جبل الهيكل" و"حائط المبكى" ، بدأت الصهيونية العلمانية بالانسحاب وحلت مكانها الصهيونية الدينية العنيفة ولا تزال حكومة يمينية متطرفة تسيطر اليوم على إسرائيل.
والواقع أن شعب إسرائيل لم يتعلم من التاريخ، ونهاية الحملات الصليبية على فلسطين، ويغض الطرف عن حالة اللاأمن والكراهية والانقسام المجتمعي العنيف بين يهود شرقيين وغربيين وعرب ويهود.
سلاح الفن
في مقالها تتناول د. رانيا يحيى العازفة والكاتبة المصرية خرافة الموسيقى اليهودية والسطو الإسرائيلي على التراث العربي
وهي ترصد غياب إبداع إسرائيلي ذو طابع ثقافي مميز لأن شعب إسرائيل جاءوا من ثقافات مختلفة ولا تحكمهم أرض أو روابط ثقافية . وبعد احتلال الارض، جاء الدور لتزييف التاريخ والتراث ، ومن ذلك التراث الفني، فنجد إسرائيل تنسب ألحانا شرقية مثلا للملحن المصري اليهودي داود حسني ك"قولو لعين الشمس " و"يمامة بيضا" ، وتزور أغنية "مريوما" الفلسطينية، وهم يغنون أغان عربية بكلمات عبرية وكأنها جزء من تراثهم ك "سألوني الناس" رائعة فيروز.
وقد تشبثوا بتبعية فنانين مصريين إليهم لمجرد كونهم من أم يهودية، رغم أن هؤلاء الفنانين رفضوا كيان إسرائيل المعادي وتمسكوا بمصريتهم، ومنهم ليلى مراد وزكي مراد.
ومن جانبه، يستعرض فائق جرادة المخرج الفلسطيني وضعية السينما كأحد روافد الثقافة الفلسطينية قبل 1948
وقد كانت السينما والثقافة بوجه عام أحد الحصون الحصينة للدفاع عن الشعب الفلسطيني في قضيته، وقد شهدت فلسطين ازدهارا ثقافيا قبل الانتداب البريطاني، فشهدت الصحف والمجلات والمعاهد الموسيقية ودور العرض السينمائية والفنون التشكيلية وطباعة الكتب وغيرها ، ولدينا سميرة عزام رائدة القصة القصيرة وصبري الشريك الثالث للأخوين رحباني ، وكامل خوري بالصحافة وفدوى طوقان وسميح القاسم بالشعر وغسان كنفاني بالرواية وإدوارد سعيد بالفكر وإسماعيل شموط بالفنون التشكيلية وهشام شرابي بالفكر وخليل رعد بالتصوير وغيرهم الكثير.
ولكن للأسف لم ينجح الفلسطينيون بتجسيد واقعهم المعيش دراميا كما نجح أشقاؤهم العرب، والسبب يرجع لحالة الحصار التي يعيشونها في واقع أليم يجابه أي محاولة لتجسيد الواقع، ومن السينمائيين العرب الذين نجحوا بتوثيق حياة الفلسطينيين : المصري توفيق صالح صاحب "التغريبة الفلسطينية"، والتونسي شوقي الماجري ب"اجتياح جنين" والفلسطيني السوري باسل الخطيب ب"أنا القدس" ويسري نصر الله ب"باب الشمس" وغيرهم .
وتذكر المصادر أن أول فيلم روائي فلسطيني كان "حلم ليلة" لصلاح الدين بدرخان 1946 ، كما أنجز محمد الكيالي فيلم "ثلاث عمليات في فلسطين" 1969، وقد تأخر بعرضه لظروف النكبة العصيبة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.