أذكر حين أتيت إلي القاهرة أول مرة شابا في بداية السبعينات كانت فكرتي عن الأدباء أنهم كما يكتبون. علي نفس الدرجة من الجمال. أصابني الفزع في أول جلسة مع بعضهم حين وجدت أن حياتهم ليست ككتابتهم. حياة من غضب وسخط يكون أحيانا علي بعضهم البعض. شيئا فشيئا تعودت علي ذلك. لكن كان دائما من بينهم من هو ليس كذلك. وهؤلاء كانوا ولايزالون أيضا كثيرين جدا. صارت لي علاقة بالجميع. من هؤلاء الطيبين كبار الموهبة كان أبو المعاطي أبو النجا الذي كان أيضا غير حريص علي التجمعات الأدبية في المقاهي. كنت قرأت له بعض مجموعاته القصصية وأقرأ له مقالاته في المجلات المختلفة وبينها مجلة الهلال وفوجئت به يكتب عني وأنا لا أعرفه شخصيا. وحين ذهبت إليه أعطيه قصة نشرها علي الفور. أدركت من أول جلسة أنه ينأي بنفسه عن كل الصغائر ومهما تحدث الجالسون معه عن الآخرين في غضب يبتسم ولا يعلق إلا بالكلمة الطيبة. كنت أحيانا أشعر أنني أمام معلم عظيم في مدرسة يجب الوقوف تبجيلا له. إلا أن الظروف جعلته يسافر إلي الكويت للعمل سنوات طويلة. وبعد عودته كان لقائي به شهريا في مكتب مجلة العربي الكويتية حيث كنت أنشر بها. كانت سعادتي كبيرة في كل لقاء معه. لم يحدث مرة أن تحدث بسوء عن أحد. كنت أعرف أنه من جيل يوسف إدريس. هو والعظماء صبري موسي شفاه الله وسليمان فياض رحمه الله وبهاء طاهر أعطاه الله العمر الطويل. لقد أخذ يوسف إدريس الضوء كله مبكرا لكن لا أحد من هؤلاء قال شرا فيه ولا في أحد. عكفوا علي كتاباتهم التي كنت أتعلم منها ويتعلم غيري وتركوا وراءهم أعمالا ستظل خالدة وزاد صبري موسي بسيناريوهات الأفلام الرائعة. كنت أمر كثيرا بظروف صعبة أجد أبو المعاطي أبو النجا يبتسم ويشجعني علي تجاوزها. كنت تعلمت الكثير من مجموعاته القصصية مثل مهمة غير عادية والناس والحب والابتسامة الغامضة وفتاة في المدينة وتعلمت الكثير جدا من روايته الفذة العودة إلي المنفي عن حياة عبد الله النديم وتضافرها مع القضية الوطنية وهي من أعظم الأعمال الأدبية التاريخية اختيرت عن جدارة كواحدة من أعظم مائة رواية عربية. ورغم عمله في المجلات الثقافية إلا أنه كان لا يحب الأضواء ويبتعد عنها. لا يبذل مجهودا إلا في الكتابة ويفتح قلبه لكل البشر. لم أكن أتصور أبدا أنه سيرحل يوما عنا. فهو لا يغيب عن خاطري رغم أننا في السنوات الأخيرة لم نعد نلتقي كثيرا. لقد آثر هو الابتعاد أكثر عن كل صخب الحياة الثقافية. سافرت من شهرين إلي الخارج. إلي ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وراء كتبي المترجمة حديثا. انقطعت أخبار مصر عني كثيرا إلا فيما ندر. كنت أريد شيئا من الراحة. ففي حياتنا المصرية لا تنتهي المهازل والمآسي كل يوم وصارت الدنيا أكبر من قدرة العقل علي احتمالها أو فهمها. ولم أعرف أن العظيم أبو المعاطي أبو النجا مريض وأنه انتقل إلي المستشفي دون أي عناية من الدولة ولا اتحاد الكتاب المصري ولا وزارة الثقافة. شأنه في ذلك شأن الكثيرين ممن هم بعيدون عن الدولة رغم أنه لم يكن مشغولا بالسياسة. وحين أتيت أول هذا الأسبوع عرفت الخبر الذي سبقه خبر وفاة الدكتور طارق الغزالي حرب الكاتب والطبيب الكبير. أحزنني هذا الخبر وفي طريقي إلي العزاء كنت اشعر بالحزن الشديد أكبر من الاحتمال. لقد وجدت الكتاب يتحدثون عن إهمال الدولة لأبو المعاطي أبو النجا وأدليت بدلوي في أكثر من تحقيق صحفي حزينا مما يحدث من إنكار لهذا الكاتب العظيم مدركا أن هذا ليس بجديد فما أكثر من ضاعوا دون أن تبدي الدولة أي اهتمام بهم من الأدباء. قلت كان حزني شديدا في طريقي إلي عزاء الدكتور طارق الغزالي حرب وفي لحظة خفت. ما الذي يمكن أن يحدث أيضا. استيقظت في الصباح علي الخبر الأليم لرحيل أستاذي وأستاذ الأجيال أبو المعاطي أبو النجا. الذي ما إن قرأت الخبر حتي رأيته يقف أمامي مبتسما. يقرأ ما في يده حين يجلس وانتظر قراءته له. وظل ولايزال يقف أمامي وأراه كما هو بطلِّته البهية. صعب جدا أن تفارقني صورته. صعب أن تفارق كل من عرفه. حين نعيته علي صفحتي علي الفيسبوك أو تويتر جاءني الكثير من النعي من الكتاب العرب الذين عرفوه والذين تأثروا وتعلموا من كتاباته والذين لايزالون مندهشين من طيبته وحسن أخلاقه. الموت في النهاية علينا حق. لكن الحزن يملأ الفضاء ولو استطعت أن أمسك بالحزن لوضعته في مكان لا يخرج منه أبدا. لكن لن أستطيع ولا أحد سيستطيع. فقط نريد أن نري معاملة أفضل للأدباء في آخر أيامهم. ليس شيئا محترما كل هذا الإهمال لهم. كيف إنه لا مدارس بأسمائهم ولا محطات مترو ولا شوارع إلا مرة أو مرتين. ولا حتي قاعات درس في الجامعات التي تخرجوا فيها أو المدارس التي تعلموا فيها. رحمك الله أستاذي ومعلمي وسأظل أراك في الفضاء توسع لي مساحات الأمل دائما كما كنت.