تنفرد الحضارة المصرية القديمة عن باقى حضارات العالم القديمة بأنها حضارة حية لم تندثر واستمرت تقاليدها ومفرداتها اللغوية فى ملامح الحياة اليومية للمصريين الحاليين، فهم المالك الوحيد لهذه الحضارة. ولا نجد ملمحًا واحدًا من حضارة أجدادنا عند مدعى سرقة الحضارات من جماعات الأفرو سنتريك. ولنا فى شم النسيم الدليل القاطع على ذلك، فقد بدأ الاحتفال بهذا العيد القومى المصرى منذ 4700 سنة ليكون أقدم عيد عرفته البشرية، وما زال مستمرًا حتى يومنا هذا. بل اجتهد الأثريون المصريون فى إيجاد تفسير لتسمية هذا الاحتفال "شم النسيم"، وبالرغم من تعدد التفسيرات، ولكن الأقرب للمنطق ما ذهب إليه الدكتور أحمد بدران أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، من أن اسمه مُشتق من (شوم إنسيم) باللغة القبطية أى (نضج المحاصيل) وقدوم فصل الربيع. ومنذ آلاف السنين نجح أجدادنا المصريون فى ترويض نهر النيل، وأصبح محور الحياة الاقتصادية، وعلوم الفلك والرياضيات التى برع فيها المصريون، وحسب فيضان النيل تم تقسيم الزمن ومواعيد الزراعة والحصاد. وكما هى عادة المصريين من آلاف السنين، فإن لكل عيد طعامه المُميز، فارتبط شم النسيم بتناول المزروعات التى تنضج فى هذا التوقيت مثل: البصل والخس مع الأسماك المُملحة، وعلى رأسها: الفسيخ. الفسيخ الأكلة المصرية التراثية الرائعة والتى تدل على عبقرية المصريين القدماء فى الاستفادة من مواردهم، فكان يأتى الفيضان ومعه وفرة من الأسماك تكون زائدة عن الاستهلاك، ومن أجل الاحتفاظ بها لأطول فترة مُمكنة لجأوا إلى الحفظ بالتمليح. وهذه الطقوس ما زال أحفاد المصريين القدماء يمارسونها، ووثقتها العديد من الرسوم على المقابر وجدران المعابد. وعن المصريين القدماء أخذ العالم فكرة الأسماك المُملحة، وأصبح نشاطًا اقتصاديًا مهمًا فى الدخل القومى للعديد من الدول.