في قراءة علمية معمقة تعكس أهمية الاكتشافات الأثرية في إعادة تفسير تاريخ مصر القديم، سلط الدكتور عبد الرحيم ريحان الضوء على أحدث نتائج الدراسات التحليلية لكشف أثري بارز في منطقة تل الفرما، والذي أعاد تعريف أحد المباني الضخمة من العصر اليوناني الروماني باعتباره معبدًا مائيًا مقدسًا مرتبطًا بالإله بلوزيوس، بدلًا من كونه مجلسًا مدنيًا كما كان يُعتقد سابقًا. ويأتي هذا الكشف في توقيت رمزي يتزامن مع احتفالات مصر بعيد تحرير سيناء، ليؤكد عمق الأهمية التاريخية والاستراتيجية للمنطقة، ودورها المحوري عبر العصور كمدخل شرقي لمصر ومركز حضاري متعدد الأوجه. ◄ نقلة نوعية في فهم طبيعة المنشآت المعمارية أكد الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، أن الاكتشاف الأثري الجديد في تل الفرما يمثل نقلة نوعية في فهم طبيعة المنشآت المعمارية في سيناء خلال العصرين الهلنستي والروماني، مشيرًا إلى أن الدراسات الحديثة أعادت تفسير مبنى أثري ضخم سبق الإعلان عنه في 31 يوليو 2019. وكانت التقديرات الأولية قد رجّحت أن المبنى يُستخدم كمجلس شيوخ لإدارة شؤون المدينة، استنادًا إلى تخطيطه وموقعه، إلا أن الأدلة الأثرية الجديدة قلبت هذا التفسير رأسًا على عقب، حيث كشفت أعمال الحفائر والدراسة عن تخطيط معماري مميز يتوسطه فناء دائري ضخم يبلغ قطره نحو 35 مترًا، تحيط به قنوات وصهاريج للمياه، مع مداخل متعددة من جهات مختلفة، وهو ما يشير إلى وظيفة دينية مرتبطة بطقوس مائية مقدسة. ◄ عقيدة المصريين القدماء وتقديسهم للمياه وأوضح ريحان أن المقارنات العلمية مع نماذج معمارية مماثلة خارج مصر، إلى جانب المناقشات مع خبراء دوليين من بينهم أستاذ الآثار الكلاسيكية بجامعة السوربون، أسفرت عن تأكيد أن المبنى لا يمكن أن يكون منشأة مدنية، بل هو معبد مائي مرتبط بالإله بلوزيوس، الإله المحلي لمدينة "بيلوزيوم" القديمة، والذي يرتبط اسمه بالطمي والنيل، في دلالة رمزية على الخصوبة والتجدد وقدسية المياه. وأشار إلى أن هذا المعبد كان يتصل بالفرع البيلوزي من نهر النيل، أحد الفروع المندثرة للدلتا، حيث كانت تُملأ الأحواض بالمياه المحملة بغرين النيل، ما يعكس الطقوس الدينية المرتبطة بعقيدة المصريين القدماء وتقديسهم للمياه كمصدر للحياة. وتناول ريحان الأهمية التاريخية لمدينة الفرما، التي تُعد من أقدم وأهم المدن في شرق مصر، حيث كانت بوابة الدخول إلى البلاد عبر العصور، وعُرفت بتعدد أبوابها منذ العصور الفرعونية، ثم ازدهرت في العصرين اليوناني والروماني، وشهدت وجود منشآت معمارية متميزة مثل القلاع والمسرح الروماني الفريد الذي يُعد الوحيد في مصر المكتمل العناصر. ◄ مكانة الفرما الدينية كما أشار إلى مكانة الفرما الدينية، حيث كانت إحدى محطات رحلة العائلة المقدسة في مصر، وتحولت لاحقًا إلى مركز رهباني مهم، فضلًا عن دورها في الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص، ما يعكس تنوعها الحضاري والديني عبر التاريخ. واختتم ريحان حديثه بالإشارة إلى جهود الدولة في تطوير المنطقة، حيث تم تنفيذ مشروعات بنية تحتية متكاملة، تشمل رصف الطرق، وتطوير الخدمات السياحية، وإنشاء مراكز للحرف التراثية، إلى جانب استخدام أحدث التقنيات مثل الهولوجرام والواقع الافتراضي لإحياء وعرض الآثار المندثرة، بما يعزز من مكانة الفرما كوجهة سياحية وأثرية واعدة على خريطة السياحة الثقافية في مصر.