محمد شعير يصعب اختصار تجربة إدوار الخراط (1926-2015) فى جمل قليلة فهو أحد أولئك المبدعين الذين عاشوا الفن بوصفه قدراً كاملاً لا مجرد مهنة الكاتب الذى لم يترك فناً إلا وخاض مغامرته: قصة ورواية وشعراً ونقداً وترجمة، بل وفناً تشكيلياً أيضاً. والأهم أنه لم يكن مجرد صاحب مشروع إبداعى خاص، بل كان أيضاً راعياً لأجيال من الكتّاب، ومن أوائل من تنبهوا إلى تحولات الكتابة الجديدة فى مصر، فتبنّى حركة السبعينيات الشعرية، ثم الكتابة القصصية الجديدة فى الثمانينيات والتسعينيات، مطلقاً عليها مرة اسم «الحساسية الجديدة» ومرة أخرى «الكتابة عبر النوعية»، وهما عنوانا كتابين من أبرز كتبه النقدية. ربما لا يوجد مبدع مصرى لم يعرف عنوان شقته فى الزمالك: 45 شارع أحمد حشمت. هناك كانت شقة الخراط أشبه بمحطة عبور للأدباء الشباب. مكتبة ضخمة تحيط بالجدران، وتمتد من غرفة إلى أخرى، حتى الشرفة التى حُولت إلى غرفة صغيرة مكتظة بالكتب والملفات. كان الخراط يحتفظ لكل أديب تقريباً بملف خاص: رسائل، بطاقات بريدية، مخطوطات، ودراسات نقدية، وكأن الرجل كان يؤرشف الحياة الأدبية بجهد فردى لا تقوم به أحياناً مؤسسات كاملة. وُلد الخراط فى الإسكندرية عام 1926، ومرّ فى شبابه بتجارب سياسية وفكرية مبكرة انتمى فى الأربعينيات إلى أحد التنظيمات اليسارية ذات التوجه التروتسكي، قبل أن يبتعد عن العمل السياسى بعد تجربة الاعتقال. كان والده يتمنى له مستقبلاً سياسياً، لكنه اختار طريق الأدب. ورغم دراسته للحقوق، كان يقضى معظم وقته فى كلية الآداب، يستمع إلى محاضرات الفلسفة والتاريخ والأدب الغربي، ويقرأ بنهم فى مكتبات الإسكندرية، حيث تعرّف إلى أفكار سلامة موسى، وقرأ أعمال فريدريش نيتشه وجورج برنارد شو. تزامنت تلك السنوات مع ضائقة مالية قاسية بعد وفاة والده، فاضطر إلى العمل فى مخازن الجيش البريطاني، ثم مترجماً لبراءات الاختراع فى الميكانيك والكيمياء، وهى تجربة أثرت قاموسه اللغوى لاحقاً. لاحقاً عمل مترجماً فى السفارة الرومانية بوساطة الكاتب ألفريد فرج. وفى تلك الفترة أيضاً كتب قصصه الأولى التى ستصدر لاحقاً فى مجموعته «حيطان عالية»، وهى بداية مبكرة لمغامرته مع اللغة والشكل. فى أعماله الروائية، من «رامة والتنين» إلى «الزمن الآخر» و«تباريح الوقائع والجنون»، ظل الخراط وفياً لفكرة المغامرة الفنية. لم يكن يرضى بتعريفات جاهزة للرواية، لذلك أطلق على بعض أعماله تسميات مثل «رواية شعرية» أو «تنويعات روائية» أو «متتاليات»، فى محاولة لكسر الجمود فى تصور الأجناس الأدبية. كانت كتابته تمزج النزعة الشعرية بالتأمل الفلسفي، وتغوص فى الواقع بقدر ما تبتعد عنه. حتى حين بدت رواية «تباريح الوقائع والجنون» أكثر مباشرة، رأى هو أن الواقع نفسه أصبح لا يحتمل رهافة الإضمار وحيل الفن المواربة. كان الخراط يرى أن الكتابة فى ذاتها فعل مقاومة. «الاستسلام هو الصمت»، كما كان يقول، أما الفن فليس موجهاً إلى جمهور واسع بالضرورة، بل هو «علاقة حميمة بين المبدع وقارئه». فى هذا المعنى ظل طوال حياته حارساً لفكرة الفن بوصفه مغامرة روحية وجمالية، لا مجرد صناعة أدبية. هكذا عاش صاحب «رامة والتنين» حياته منذوراً للفن وحده، بين الحلم والواقع، بين الرومانسية والوعى القاسى بالحياة. وكان يقول عن نفسه إنه حالم ورومانسي، لكنه يدرك أيضاً خشونة العالم وقسوته، ويؤمن بأن الحلم جزء لا ينفصل عن الواقع: «إن التطلع نحو الأسمى هو البذرة القائمة فى الأرض المليئة بالطين». بهذه الروح ظل إدوار الخراط واحداً من أكثر المبدعين العرب خصوبة ومغامرة، وواحداً من الأصوات التى وسّعت أفق الكتابة العربية الحديثة. فى مئوية ميلاد الخراط وبعد عشر سنوات على رحيله... نقترب هنا من مغامرة الخراط الإبداعية، نحاول أن نستعيد كاتب وسّع حدود الرواية العربية ورعى أجيالاً من المبدعين.