في أزقة قرية «الأحراز» الهادئة التابعة لشبين القناطر، حيث يرتسم الكفاح على وجوه الشباب العائدين من شقاء النهار، كانت قصة «محمد رضا» تُكتب بحروف من نور قبل أن يطمسها سواد الغدر. محمد، ذلك الشاب العشريني الذي لم تكسر الشهادة الجامعية كبرياءه، بل زادته إصرارًا؛ فكان «المهندس» الذي يضع خوذة العلم نهارًا، و»العامل» الذي يصنع خبز أسرته بعرق جبينه ليلاً في محل للبيتزا. لم يكن مجرد ابن، بل كان «الوتد» الذي تستند عليه جدران منزله البسيط، والسند الذي لم يتوانَ يومًا عن حمل أوجاع والديه وإخوته الخمسة على عاتقه، حاملاً أحلامه الكبيرة في قلبه، ومستقبلاً واعدًا كان ينتظره خلف أبواب معامل التحاليل التي طالما حلم بالعمل فيها. لكن الأقدار خبأت له فصلاً مأساويًا لم يقرأه في كتبه الزراعية؛ فصلٌ كتبته يد «صديق العمر» في لحظة غضبٍ عمياء، تلبس فيها الشيطان ثوب «الغيرة على العرض الموهومة». لم يكن السلاح رصاصة أو خنجرًا، بل كانت «كلمات عفوية» عبر تطبيق «واتساب» تحولت بفعل الشك والظنون إلى حكم بالإعدام نفذه رفيق الدرب. في ليلة رمضانية مباركة، وبينما كان محمد يحمل بين يديه أكياس السحور ودواء والدته المريضة، كانت "رجل كنبة" غادرة تنهي رحلة كفاح بدأت من الصفر، لتتحول مائدة السحور المنتظرة إلى سرادق عزاء. لم يكن "محمد رضا حسن عبد الشافي" (23 عامًا) مجرد شاب عادي؛ بل كان "عمود الخيمة" في أسرة بسيطة مكونة من سبعة أفراد. حصل محمد على بكالوريوس الهندسة الزراعية، لكن طموحه لم يتوقف عند شهادة معلقة على الحائط، عرف معنى المسئولية منذ نعومة أظافره، فكان يجمع بين العلم والعمل بجدية قلّ نظيرها. في النهار كان محمد غارقًا في كتبه وأبحاثه، وليلاً يتحول إلى عامل في "محل بيتزا"، ينفق على تعليمه بعرق جبينه ويمد يد العون لوالده الخمسيني الذي أهلكه العمل ومرض الغضروف. كان محمد "السند" الذي أسهم في تجهيز شقيقه الأكبر للزواج، وكان حلمه أن يجري "معادلة علمية" ليعمل في معامل التحاليل، ليغير واقع أسرته بجهده لا بالتمني. الفخ قبل الجريمة بساعات، كانت الأجواء تبدو طبيعية تمامًا. تبادل محمد وصديقه "محمد. أ" (22 عامًا) الضحكات والذكريات عبر الواتساب. وفي لحظة عفوية، سأل محمد صديقه سؤالاً عن شقيقته بعدما سمع بطلاقها، بدافع الجيرة والاهتمام: "هو صحيح أختك اتطلقت؟ سمعنا إن كان فيه مشاكل"!، ليته ما سأله لكن هذا ما حدث. لم تكن نية محمد سوى المواساة، لكن السؤال وقع في نفس الجاني كالصاعقة، تحولت "الدردشة" إلى مشادة حادة؛ إذ رأى الجاني في السؤال اختراقًا لخصوصيته وطعنًا في كبريائه "الريفي". ورغم محاولات محمد التهدئة وتوضيح حسن نيته، إلا أن الشيطان كان قد نصب خيمته في عقل الصديق، الذي قرر في تلك اللحظة أن ينهي هذه العلاقة بالدم، معتبرًا أن "العِرض" لا يُسترد إلا بالانتقام والغدر. ليلة الحادث في ليلة الحادث، تناول محمد إفطاره مع أسرته، ثم توجه إلى النادي للمشاركة في "دورة رمضانية" لكرة القدم، وهي المتنفس الوحيد له من عناء العمل والدراسة. وبينما كان في طريق العودة، رن هاتفه؛ كانت والدته، السيدة "علياء"، مريضة القلب والأورام، تطلب منه إحضار دوائها وبعض متطلبات السحور. أجابها محمد بنبرته المعهود: "حاضر يا أمي، هجيب العلاج والسحور ونتسحر سوا". اشترى محمد الزبادي والفول والدواء، وسار في شارع منزله محملاً بالأكياس، لا يعلم أن صديقه يكمن له خلف الظلال، ممسكًا ب "رجل كنبة خشبية" ضخمة، متسلحًا بغضب أعمى. بمجرد وصول محمد أمام منزل الجاني (الذي يسبق منزله بأمتار)، لم يعطه الأخير فرصة للكلام، انهال عليه بثلاث ضربات غادرة ومتتالية على رأسه. سقط محمد صريعًا، تناثرت علب الزبادي واختلط الدواء بالدماء، وبقيت صرخات الجيران تدوي في المكان بينما فر الجاني تاركًا صديق عمره يصارع الموت. داخل منزل بسيط، تجلس الأم "علياء صبحي" (45 عامًا) في حالة انهيار تام، تقول والدموع تسبق كلماتها: "ابني كان عازمه عندنا يفطر قبل الواقعة بيوم.. أكلوا عيش وملح سوا، إزاي يهون عليه يقتله؟ كنت بحلم أشوفه عريس، لكنه راح وهو شايل لي السحور والدواء". أما الأب "رضا حسن"، فيقف بظهره المنحني من الحزن والعمل، قائلاً: "محمد كان هو اللي شايل البيت، بيساعدني في مصاريف إخواته اللي في المدارس، الغدر أخد مني ابني على خوانة.. حسبنا الله ونعم الوكيل". أمام جهات التحقيق، حاول الجاني في البداية الإنكار، لكن كاميرات المراقبة كانت له بالمرصاد، حيث رصدت ترصده للمجني عليه واعتداءه الوحشي. أقر المتهم بجريمته، مبررًا إياها بأن المجني عليه "تحدث في حق شقيقته"!، وانتهى الأمر بأن قررت النيابة العامة حبس المتهم بعدما وجهت له تهمة القتل العمد منتظرًا إحالته الى محكمة الجنايات. شخصية شكية يحلل الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، هذه الواقعة؛ بأنها نتاج "شخصية شكية" زائدة، فسرت السؤال العفوي على أنه إهانة متعمدة وتنمّر، مما دفع الجاني لاتخاذ رد فعل عنيف وغير متناسب مع الموقف. من جهتها، تشير الدكتورة سهير صفوت، أستاذة علم الاجتماع، إلى أن البيئة الريفية تعتبر الحديث عن "الأخت" من المسكوت عنه، حيث تغلبت قيم "العنف والكرامة الجريحة" على قيم الصداقة والجيرة، خاصة في ظل تراكمات نفسية جعلت الجاني يرى في القتل وسيلة وحيدة "لإسكات" صديقه. وأخيرًا يؤكد المحامي عبد العزيز فخري؛ أن الواقعة تحمل كل أركان "القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد"، فالمتهم انتظر المجني عليه بوقت كافٍ، وأعد الأداة (الرجل الخشبية)، ووجه ضربات قاتلة لمركز الحياة (الرأس)، مما يجعل العقوبة المتوقعة وفقًا للقانون المصري هي "الإعدام شنقًا". اقرأ أيضا: تأجيل نظر قضية مقتل أحد الأشخاص بالإسكندرية على يد زوجته إلى إبريل المقبل