الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بعيدة عن حدودنا، بل زلزال سياسى واقتصادى أصاب المنطقة كلها بالارتباك، ووضع أوروبا نفسها فى حالة قلق غير مسبوقة. فكل صاروخ ينطلق فى هذه المنطقة ينعكس فورًا على أسعار الطاقة، وعلى حركة التجارة، وعلى استقرار الإمدادات الغذائية والصناعية فى العالم كله. وهنا تظهر الحقيقة التى لا تقبل الجدل: الدول التى تعتمد على غيرها فى احتياجاتها الأساسية تظل دائمًا تحت رحمة الأزمات. هذه الحرب تقدم درسًا واضحًا يجب أن تتوقف عنده كل دولة فى المنطقة. فالاعتماد على الذات لم يعد شعارًا يقال فى الخطب، بل أصبح مسألة أمن قومي. الأمن الحقيقى لأى دولة لا يتحقق فقط بالسلاح، بل بقدرتها على إنتاج غذائها ودوائها وطاقتها وصناعاتها الأساسية دون أن تظل رهينة لتقلبات الأسواق أو صراعات الدول. الأزمات العالمية المتلاحقة أثبتت أن الاكتفاء الذاتى هو طوق النجاة الحقيقي. فوزارة الزراعة مطالبة اليوم بوضع خطة حقيقية لزيادة الإنتاج الزراعي، ليس بالكلام بل بالإجراءات. دعم الفلاح، تخفيض أسعار الأسمدة والمبيدات، تقديم الإرشادات الزراعية الحديثة، ومكافحة الأمراض النباتية التى تلتهم المحاصيل كل عام. أما وزارة الصناعة فعليها أن تدرك أن المصانع المتعثرة ليست مجرد أرقام فى تقارير رسمية، بل هى طاقة إنتاجية مهددة بالضياع. كثير من الصناع يواجهون أزمات مع البنوك أو مشكلات تمويلية أو إدارية، وفى كثير من الأحيان تُترك هذه المشكلات لتتفاقم حتى تغلق المصانع أبوابها. بينما المطلوب هو العكس تمامًا: مساندة الصناع، حل أزماتهم، وتوفير بيئة حقيقية تشجع الإنتاج بدلاً من أن تدفعه إلى التراجع. الصناعة القوية ليست رفاهية، بل هى درع اقتصادى يحمى الدولة فى أوقات الأزمات. والدول التى تمتلك قاعدة صناعية متينة تستطيع أن تتجاوز العواصف العالمية بأقل الخسائر. الأمر نفسه ينطبق على قطاع الطاقة والكهرباء، فاستقرار الطاقة هو شريان الحياة لأى اقتصاد حديث. وكلما توسعت الدولة فى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز قدراتها الإنتاجية، كلما أصبحت أكثر قدرة على مواجهة التقلبات الدولية. الحروب قد تكون مأساة لمن يخوضها، لكنها فى الوقت نفسه رسالة إنذار لبقية الدول. والعاقل هو من يقرأ الرسائل قبل أن يدفع الثمن.. ولهذا فإن الدرس الحقيقى من هذه الحرب واضح: الطريق الوحيد للأمان هو أن نزرع ما نأكل، ونصنع ما نحتاج، وننتج طاقتنا بأيدينا. لأن الاكتفاء الذاتى لم يعد خيارًا اقتصاديًا... بل أصبح مسألة بقاء.