الزواج في أصله ميثاق بين اثنين لابد أن تسوده المودة والرحمة، شرع ليكون سكنًا امان لكل من الزوجين، لكن حين تتبدل هذه الفطرة السوية بظلام القسوة والاهانة نصبح وكأننا نعيش في غابة. فكيف يمكن لشريك الحياة أن يتحول إلى مصدر للرعب، يستعذب تحطيم الآخر جسديًا ومعنويًا؟ وإن يستمتع بإيذاء الطرف الآخر و يجعل من البيت الذي يفترض أن يكون ملاذًا، ساحةً للجريمة والبطش، مسرح لعرض العضلات علي الطرف الاضعف، ويستخدم الزوج الشرع لحجة وحق لضرب الزوجة وإهانتها، وهذا بالطبع مخالف لقواعد الدين والشرع والإنسانية . شهدت منطقة عين شمس، جريمة تجاوزت كل حدود العقل والرحمة، زوج يتجرد من إنسانيته ويقوم بإلقاء زوجته من الطابق السابع، هذه الحادثة لم تكن مجرد اعتداء جسدي عابر، بل هي صرخة في وجه التبلد وممارسة سادية بشعة، ولم يشعر الزوج لحظة بالخوف، بل كان متماسك وينظر الي ضحية التي تنزف أمامه ولم يتحرك في قلبه حتي لو شفقة عليها . دينا فتاه بسيطة تحمل بين ضلوعها قلباً نقياً، طموحاته بسيطة بقدر بساطة ملامحها، كان كل رجائها من الدنيا أن تلتقي بروح تحتضنها، بقلب يقدر قيمتها ويعاملها باللين الذي تستحقه، كانت تبحث عن ذاك السكن ورجلاً يكون لها سنداً في الشدة ورفيقاً في الرخاء، يمنحها الحب الصافي الذي يرمم ما أفسدته الأيام . وبالفعل، وكأن القدر قد ابتسم لها أخيراً، دقت أجراس الزواج، ودخلت دينا مملكتها الصغيرة ممتلئة بالأمل، مرت الأيام والشهور، وتوجت هذه العلاقة بأجمل العطايا حيث وضعت طفلتها الصغيرة التي رأت فيها امتداداً لقصة الحب والحنان التي تمنتها طويلاً، و في تلك اللحظة، ظنت دينا أنها ملكت الدنيا وما فيها، والأحلام الصغيرة تتحول إلى واقع ملموس بين يديها . لم يمهل القدر دينا وقتاً لتفرح بدفء أسرتها الصغيرة، فما هي إلا أشهر قليلة على قدوم الطفلة حتى رحل الزوج فجأة، تاركاً وراءه فراغاً ودموعاً لا تجف، فقد وجدت دينا نفسها وحيدة في مواجهة مهب الريح، بين ذكريات زوج رحل قبل أوانه، وطفلة يتيمة، وتحولت الضحكات التي ملأت البيت إلى أصداء صامتة، وأدركت دينا بمرارة أن الفرح في قصتها كان قصيراً جداً، وأن الأمان الذي بحثت عنه لم يطول لتتأنس فيه . قررت دينا أن تنهض من الحزن القاتل، فالحياة التي توقفت برحيل زوجها كان لا بد أن تستمر من أجل طفلتها، نزلت إلى ميدان العمل، واختارت أن تكسب قوتها بعرق جبينها وشرف، بالفعل بدأت عمل كعاملة في احد المصانع، كانت راضية بما قسمه الله لها، تعيش يومها من أجل ابتسامة ابنتها، وتخبئ تعبها خلف ملامح صبورة، حتى مر عامان ظنت فيهما أن مرارة الوحدة قد آن لها أن تنتهي. في ذلك المصنع، ظهر سائق يدعي محمد، تقدم لخطبتها بكلمات معسولة وعود ليس لها نهاية، أقسم لها أنه سيكون الأب البديل الذي يمنح طفلتها الأمان، والزوج الحنون الذي يعوضها عن الشقاء، ورغم أن الخوف على ابنتها كان يسكن نبضها، إلا أن غريزة الأنثى اختارت ان ترتاح قليلاً في ظل رجل يحميها من قسوة الأيام، وافقت دينا، لعلها تجد في هذا الزواج ظلاً يحميها من الحياة القاسية . إنقضت الأيام الثلاثة الأولى من الزواج وكأنهم حلم جميل، لكن الصدمة كانت بانتظارها، وفي الصباح قررت دينا ان تترك العمل لتتفرغ لبيتها وتربية طفلتها وتعيش حياه « معززة مكرمة « كما كانت في عهد زوجها الراحل، فمجرد ان قالت لزوجها بما تفكر فيه، تلقت أول لطمة قاسية على وجهها، هزت كيانها وأعادتها لواقع مرير لم تتخيله . لم يكتف بالضرب، بل انهال عليها تهديدات تتوعدها بأيام سوداء إن هي تجرأت على ترك المصنع، أدركت دينا في تلك اللحظة أنها لم تتزوج رجلاً يشاركها الحياة، بل تزوجت طامعاً يرى في كدها وتعبها مصدراً للمال، بكت دينا ليس من ألم الصفعة، بل من وجع المقارنة الظالمة، فقد ظنت أن كل الرجال يحملون في قلوبهم مروءة كزوجها الأول، لكنها اكتشفت أنها سقطت في فخ القسوة، وأن رحلة الشقاء قد بدأت فصلاً جديداً وأكثر وحشية . وتحولت أيام دينا المعدودة في بيت الزوجية الجديد إلى سلسلة لا تنتهي من العذاب، فما كان يفترض أنه شهرًا عسل، صار قهر ووجع، ومنذ تلك اللطمة الأولى، وأصبح الضرب والإهانة هما اللغة الوحيدة التي يتقنها هذا الرجل، لم يكتفي بكسر كرامتها، بل تضاعف طلباته المادية والمعنوية التي لا تنتهي، وكأنه ينتقم منها لأنها وافقت بالزواج به . وبعد عشرة أيام فقط، كشف محمد عن وجهه الحقيقي كاملاً، حيث ترك عمله بغير سبب أو مبرر، ليلقي بعبء الحياة كاملاً فوق كاهلها النحيل، لم تعد دينا مجرد زوجة تكافح من أجل ابنتها، بل أصبحت هي الاساس في عائلة، لرجل اختار الكسل والقسوة مهنة له، وبينما كانت هي تستهلك صحتها في المصنع لتوفر له ثمن سجائره وطعامه، كان هو بعد عودتها يصرخ ويضايقها باللسان واليد، وعندما كانت تفيض بها الكأس وتحاول الاعتراض أو المطالبة بحقها في حياة آدمية، كان جنونه يزداد اشتعالاً عليها . وجدت دينا نفسها محاصرة بين نار العمل الشاق لتطعم رجلاً يسيء إليها، ونار الخوف من بطشه الذي بات يهدد حياتها في كل لحظة، لتدرك أنها تعيش مع وحش بشري يتلذذ بتحطيم كل ما تبقى فيها من روح، لم تتحمل دينا كل هذه الإهانات المستمرة، قررت الانفصال وأخذت موقف شجاع واخدت طفلتها وتركت المنزل، وذهبت الي بيت اهلها، وطلبت الطلاق وبعد ايام ذهب إليها محمد، وفعل المستحيل بكلام ناعم ومعسول ويرتدي قناع الندم، لكي تعود الي بيتها وسلسلة وعود، كما تدخل بعض الاقارب في الامر، وبالفعل تم الصلح بينهم، ولكن للأسف عادت الي الجحيم مرة اخري بإهانة أكبر . وقبل الجريمة بيوم، صرخت دينا في وجه، بعد فاض بها فقام بربطها وضربها وحلق شعرها بالكامل، وفي يوم الجريمة المشهود، طلب منها إعداد الطعام بكل برود، فانفجرت في وجهه معلنة ستنفصل عنه عاجلا ام اجلا، ثار غضبا وبدون مقدمات حملها والقاها من الشرفة بالدور السابع، ثم هدد ابنتها ذات ال 5 سنوات من عمرها ان قالت لاحد ما حدث سوف يقتلها، خافت الطفلة، وفي تلك اللحظة كان يصرخ الجيران من فزعهم، لأمراه تتدرج من الدماء علي الارض، نزلت الزوج وبدأ يمثل امام الناس ويقول انتحرت زوجتي، واتصل علي اهلها ليخبرهم بانتحارها، اتصل الجيران بالإسعاف لعل وعسى تكون مازالت حيه، والجميع مصدوم مما يحدث ولكن الطبيب اكد بوفاتها . شكك طبيب المستشفى في بسبب الوفاه، لأن جسد الضحية مليء بالجروح وشعرها مقصوص ولكن زوجها مصر انها كانت في حاله اكتئاب حاد، لذلك انتحرت، وبعد ايام وأثناء التحريات لاحظت شقيقة الضحية بان الطفلة في حاله ذعر اعتقدت بسبب رؤيته امها متوفيه امام اعينها، بمجرد ان تحدثت معها، قالت الطفلة « هيقتلني انا كمان « وتصرخ من ذعر، وبدأت خالتها تحضنها وتحتويها لتطمن، اطمأنت الطفلة وسردت ما حدث ان زوج والدتها هو من حملها والقاها من الشرفة، صدمت شقيقة الضحية من الحديث، وفي اليوم التالي اخذت الطفلة الي النيابة العامة لتقول اقولها، وبمواجهة المتهم شكك في صحه أقوال الطفلة ثم اعترف عندما انحصر بين الأدلة، وتحولت القضية الي محكمة جنايات القاهرة، والتي قضت برئاسة المستشار شريف حسن عبد النبي، سائق بالسجن المؤبد لاتهامه بقتل زوجته فى عين شمس . اقرأ أيضا: حبس أمين شرطة شرع في قتل زوجته بالشرقية