كنت من المتخوفين فى البداية من عودة برنامج «الكاميرا الخفية» إلى شاشة رمضان، ولكن التجربة فاجأتنى، وكأن الواحد قد عاد بالزمن لأكثر من عشرين عامًا، وجدت نفسى ألتقط ذكريات طفولتى بمجرد سماع التتر الشهير للبرنامج. عادت الكاميرا الخفية فى استدعاء لذاكرة تليفزيونية قديمة ارتبطت طويلًا برمضان المصريين فى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى. البرنامج الذى لم يكن مجرد مقالب عابرة، بل كان تقليدًا رمضانيًا له نكهته الخاصة، يبدأ دائمًا بموسيقاه الشهيرة التى أصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية، قبل أن تنطلق المقالب التى ظل كثير منها حاضرًا فى حكايات الناس وذكرياتهم مع التليفزيون فى زمن مضى. النسخة الجديدة من البرنامج تبدو مختلفة فى روحها وأسلوبها، ولكنها موفقة إذ تأتى أكثر عصرية، وتستند إلى طاقة الشباب وخفة ظلهم. حيث ابتكرها المخرج الشاب أحمد عساف ويقدمها تميم يونس مخرج الإعلانات المعروف، يمتلك تميم خبرة فى صناعة المحتوى الساخر القريب من لغة الجيل الجديد. لكن المهم أنه لم يحتكر البطولة لنفسه، بل يشاركها مع مجموعة من الممثلين الشباب الذين منحوا البرنامج «بصمة» البطولة الجماعية، مثل: محمود حسام صاحب شخصية «سايكو»، وشادى وصفى «مساعد المخرج»، ومصطفى عسران و «ريجى» الخبير الهندى، مجموعة من المواهب خفيفة الظل تتسلل إلى قلب المشاهد بين الأطباق على مائدة الإفطار، فتكسب أرضًا واسعة من الشهرة. هذا الطابع الجماعى يُعد أحد أبرز نقاط قوة البرنامج، لأنه يخلق حالة من التفاعل بين أكثر من شخصية داخل المقلب الواحد، ويجعل الإيقاع أكثر حيوية. كما أن البرنامج يحاول استعادة روح الكاميرا الخفية القديمة التى تقوم على خفة الدم والموقف الطريف، دون اللجوء إلى أساليب التخويف أو الإهانة أو العنف التى أصبحت سمة لبعض برامج المقالب فى السنوات الأخيرة. عادت الكاميرا الخفية التى صنعها طارق نور فى الثمانينيات ليسلى المصريين، وهى تأتى الآن متماسكة العفوية، حيث يظهر تواصل طبيعى بين فريق البرنامج والضيوف، بعيدًا عن الإحساس بالتصنع الذى بات يلاحق بعض البرامج المشابهة، والتى أصبح الجمهور يدرك أن كثيرًا من مواقفها يتم ترتيبها مُسبقًا أو الاتفاق عليها مقابل أجر. فى المقابل، تحاول هذه النسخة أن تقدم موقفًا كوميديًا بسيطًا قائمًا على المفاجأة وخفة الظل، دون تجاوز أو إساءة. بهذا المعنى، تبدو عودة الكاميرا الخفية محاولة لإحياء تقليد تليفزيونى قديم، ولكن بروح معاصرة، تجمع بين nostalgia الماضى وطاقة الحاضر، وتعيد للمقالب التليفزيونية خفة دمها التى طالما أحبها الجمهور.