محمد سليم شوشة فى العقود الأخيرة تجلت ظواهر ثقافية جديدة فيها من الخطر الكثير وبخاصة فى حال التعامل معها بلا وعى كافٍ. فقد أضحت الحروب الثقافية أو ما يسمى بالحروب الباردة هى الحروب الأقوى أو الأشد فتكا والأقل تكلفة، وهذه الحروب أضحت تأتى بثمار ونتائج كبيرة سواء على المستوى الاقتصادى أو السياسى أو فى النهاية مستوى الصراعات المسلحة. فقد اتضح أن أى حرب هى بالأساس حرب أفكار وقناعات وأيديولوجيا، أى إنها حرب ثقافية، وأن الإنسان يقاتل ويصبح شرسا بتأثير من القناعات والأفكار والمعتقدات التى تشحن ذهنه أو تشكل سلوكه وتحيزاته. وهكذا يمكن القول بأن الغزو أو استهداف هدم الدول أو تفكيكها يمكن أن يبدأ بالأفكار أو بالإعلام أو الكتب أو حتى الروايات الأدبية. وكل أداة من هذه الأدوات الثقافية لها المستوى المتفاوت من العمق والسرعة الذى تشتغل عليه فى تكوين عقول الجماهير وأذهانهم وتوجهاتهم، فالأخبار والتريند يستهدف التلاعب بالجماهير على المدى الزمنى السريع والآنى والفورى، فى حين تستهدف الكتابات الفكرية والفلسفية والإبداع والروايات وكتب التاريخ التلاعب بالجماهير على المديين الطويل والمتوسط. التريند يستهدف البلبلة والتشويش السلوكى وحروب لفت الانتباه ناحية مصادر معرفية بعينها، ويستهدف تشكيل حالات من الغضب الفورى أو اللحظى، كما أن التريند خطير فى صناعة نخب وتسليط الأضواء على أسماء بعينها لتكريسها لتكون هى المصادر المعرفية للمستوى التالى أو المستوى الأعمق، وهذا المستوى الثانى من مستويات التضليل والحروب الثقافية على قدر رهيب من الخطورة لأنه يستهدف تشكيل قناعات وتصورات ومنازع فكرية جديدة. بعض أدوات هذا المستوى العميق من التضليل يكون فى المقالات الصحفية أو فى كتب التاريخ أو الروايات والقصص، وبعضها فى المسلسلات التاريخية أو الأعمال الدرامية والسينمائية أو الخطابات السردية بشكل عام. يمكن لرواية مثلا أن تخلق قناعة مزيفة لدى الإنسان المصرى أو العربى وبذلك تستطيع توجيه سلوكه أو التأثير فيه بحدود معينة. يمكن لقصيدة شعرية أن تقود وعى الجماهير وتحركهم، إذ تسعى بعض القصص والروايات والقصائد والمقالات لإقناع بعض الجماهير السطحية أو القابلة للتضليل بأن لليهودية تاريخا حضاريا عريقا فى المنطقة، أو يتم تضخيم هذا الدور أو ربطه ببقع جغرافية معينة. أو أن بعض الروايات تحاول إقناع الجماهير بمنطق أزمان قديمة مثل أن ترسخ فى أذهانهم أفكارا عن الجهاد والقتال أو كراهية الآخر، وتكرس لأنماط معينة من كراهية الآخر المختلف دينيا. مثل بعض الروايات التى تستقى مادتها من التاريخ الإسلامى القديم وتسعى جاهدة لإقناع القارئ بمثالية الماضى وأننا يجب أن نستعيده كما هو، ومن هنا تشتغل هذه الروايات على شحن القارئ بمشاعر الاغتراب، أو تقنعه بفكرة الخلافة وترسخها وتكرس لها بوصفها أصلا من أصول الدين والحقيقة أنها ليست كذلك. بعض هذه الخطابات الثقافية قد تعمد إلى أنماط من التزييف أو التضليل وتحريف التاريخ، مثل بعض الروايات التى يكتبها كتاب ينتمون لحضارات غير مصرية ويضخمون فى الحضارات التى تزامنت مع الحضارة المصرية القديمة ويكذبون أو يخترعون تاريخا لهذه الحضارات ويدّعون أن الحضارة المصرية القديمة أخذت عنها أغلب مقوماتها متناسين عن عمد أن الحضارة المصرية القديمة حضارة تراكمية مرت بمراحل عديدة من مراحل التطور حتى وصلت إلى شكلها النهائى ومرت بمراحل من التقويم الذاتى والتصحيح والتعديل والمراجعة فى علمها ومنجزها، فبناء الهرم مثلا بحسب ما تؤكده الآثار مر بمراحل كثيرة من التطور الهندسى، وهذه فكرة مركزية وأساسية دالة على فكرة التطور الذاتى والتراكم المعرفى الذاتى للحضارة المصرية القديمة التى كانت تتطور بشكل طبيعى وعبر مراحل من الدراسة والمراجعة والتقويم والنموّ المعرفى. يزيف آخرون كذلك فيما يتصل بحلقات اتصال الحضارة المصرية القديمة بالحضارة اليونانية تحديدا، وأن كثيرا من المنجز الفكرى والفلسفى والخاص بالفنون والآداب والأساطير للحضارة اليونانية موروث ومنقول بشكل كامل عن الحضارة المصرية القديمة، وهذا أمر لم ينكره اليونانيون أنفسهم وهذا واحد من أسرار عظمة الحضارة اليونانية وطابعها الإنسانى أنها اعترفت بالفضل للحضارة المصرية القديمة فى علوم الهندسة والمنطق والرياضيات بشكل خاص. إن التزييف فى التاريخ لا يدخل فى باب الأخطاء غير المقصودة أو الناتجة عن حسن النية، بل هى فى الأصل جزء من أشكال الحروب الثقافية وأنماطها، جزء من الصراع بين الأمم والحضارات والدول، جزء من التنازع بين الشعوب، وجزء من حالات الكراهية والنزعات العرقية مع الأسف الشديد، وليست حالات بريئة على الإطلاق.