اقترب شهر رمضان المبارك، أعظم أيام العام التى تصفو فيها النفوس، وتهفو الأرواح نحو رضا الخالق، باحثة عن مغفرة فى رمضان – موسم أوكازيون السماء السنوى – حيث تفتح أبواب العفو والغفران على مصراعيها. من المعلوم أنه فى شهر رمضان الكريم تصفد شياطين الجن، ولكن يبدو أن الشياطين اختاروا هذا العام، وقبل قدوم رمضان، أن يختبئوا فى نفوس بعض التجار الجشعين، ليشعلوا نيران الأسعار ويفتعلوا الأزمات، فيعربد وحش الغلاء فى الأسواق ويحولوا موسم الطاعات إلى أيام للمعاناة. فى مقدمة هذه الأزمات، برزت أزمة أسعار الدواجن التى هزت استقرار الموائد قبل وصول الشهر الكريم. ارتفعت الأسعار بشكل جنونى، مما دفع المواطن البسيط للتساؤل: هل نحن أمام أزمة حقيقية فى العرض والطلب، أم نحن أمام جشع متوحش يستغل حاجة المصريين فى هذه المناسبة المقدسة؟! وبلا مواربة، كشف رئيس شعبة الدواجن أن المضاربات والممارسات الاحتكارية هى السبب الرئيسى، مؤكداً أن بعض التجار يحاولون تعظيم أرباحهم بطريقة غير أخلاقية، مستغلين حالة الطلب المتوقعة فى رمضان. ومؤكداً أن الحل يكمن فى تفعيل آليات السوق بذكاء، وتشجيع الاستيراد المؤقت لسد الفجوة، مع ضرورة اتخاذ إجراءات رادعة ضد المتلاعبين. لكن الحلول لا يجب أن تظل حبراً على ورق. فشهر رمضان يستدعى تشديد الرقابة على الأسواق، لا بوصفها إجراءً إدارياً فقط، بل كواجب أخلاقى قبل أن يكون اقتصادياً. فالرقابة الصارمة، والعقوبات الرادعة، وإعلان الأسعار بشفافية، كلها أدوات ضرورية لردع من يحاولون استغلال قدسية الموسم. كما أن استيراد بعض المستلزمات الأساسية، عند الحاجة، يظل خياراً مشروعاً لترويض جنون الأسعار وإرسال رسالة واضحة بأن أمن المواطن الغذائى خط أحمر. إن أزمة الدواجن ليست معزولة، بل هى جزء من ظاهرة متكررة فى سلع أخرى تستدعى يقظة جماعية. فمن الضرورى تشديد الرقابة على الأسواق ومراقبة الأسعار بشكل دائم وصارم، خاصة للمستلزمات الأساسية التى تمس مائدة الصائم مباشرة. ويجب أن يكون هناك تحرك استباقى لاستيراد وتوفير السلع الاستراتيجية بأسعار عادلة، قبل أن تتحول بركات الشهر إلى عبء اقتصادى. فالصائم الذى ينازع شهوته طاعة لله، لا ينبغى أن ينازع جشع بعض التجار. رمضان مدرسة روحانية فى ضبط النفس، لا فى إطلاق شهوة الجشع. ومن يفوت هذه الفرصة، ويصر على تحويل حياة الصائمين إلى معاناة، يخسر أكثر مما يربح. فالتجارة بلا ضمير قد تملأ الجيوب، لكنها تفرغ القلوب. وفى الشهر الذى تفتح فيه أبواب السماء بالرحمات، يجدر بمن فى الأرض أن يغلقوا أبواب الطمع، حتى لا يتحول موسم الغفران إلى موسم لتوريد النفوس الجشعة لجحيم النيران.