مع اقتراب شهر رمضان المبارك، الذى يفترض أن يكون موسمًا للسكينة والتراحم، يتحول ملف الدواجن في مصر من مجرد قضية غذائية إلى رمز صارخ لغياب الرقابة الحكومية، ومؤشر فج على فشل السياسات الاقتصادية في لجم فوضى السوق. إن تجاوز سعر كيلو الدواجن حاجز المئة جنيه، ليس مجرد تقلب سعرى عابر تفرضه قوانين العرض والطلب، بل هو النتيجة المنطقية والمباشرة لحالة من السيولة الرقابية وفوضى السوق التي بات يحكمها جشع الوسطاء، وتغول كبار التجار، فى ظل تراخى حكومى واضح عن ممارسة الدور المطلوب فى حماية الأمن الغذائى للمواطن. غياب الرقابة عن واقع السوق أثبتت أزمة الأسعار الحالية أن أجهزة الرقابة الحكومية باتت تعيش فى جزر منعزلة بعيدًا عن واقع الأسواق. وبينما يخرج الدكتور شريف فاروق، وزير التموين والتجارة الداخلية، بتصريحات تؤكد نية الوزارة اللجوء لخيارات اضطرارية مثل استيراد الدواجن المجمدة إذا لم تنضبط الأسعار، يبرز التساؤل الجوهري: لماذا ننتظر حتى ينفلت الزمام لنبدأ فى التلويح بالعصا؟
إن هذه القرارات، وإن بدت حازمة فى ظاهرها، إلا أنها تكشف عن عجز فى اتخاذ الإجراءات الاستباقية؛ فالمواطن دفع الثمن بالفعل من قوت يومه، والتاجر حقق أرباحه الحرام من دماء البسطاء، والتدخل الحكومى يأتى دائمًا فى مرحلة ما بعد الكارثة. إن الاجتماعات الثلاثية المكثفة التى ضمت وزيرى التموين والزراعة مع رئيس جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، رغم بريقها الإعلامي، لم تكن فى جوهرها سوى إسعافات أولية أو محاولات لإطفاء حرائق اندلعت بالفعل. هى حلول تسكينية تفتقر إلى استراتيجية استئصال الأسباب الحقيقية للأزمة، والمتمثلة فى سيطرة مافيا الحلقات الوسيطة التى تعبث بالأسعار فى المسافة الطويلة والمظلمة بين باب المزرعة ويد المستهلك. المفارقة: إنتاج وفير وأسعار نارية هنا تكمن المأساة الكبرى والمفارقة التى لا تجد تفسيرًا فى أى منطق اقتصادى سليم؛ فمصر تؤكد رسميًا وصولها إلى حالة الاكتفاء الذاتي الكامل بإنتاج سنوى يقترب من 1.9 مليون طن. هذا الرقم الضخم يضع الدولة المصرية فى مصاف الدول القادرة على تحقيق أمن غذائى مستقر وشامل. ولكن، ماذا يستفيد المواطن من صياح الديكة فى المزارع إذا كان عاجزًا عن شرائها فى الأسواق؟ التحدى الحقيقى ليس فى أرقام الإنتاج، بل فى كسر شوكة المنتجين والوسطاء الذين يستخدمون هذا الإنتاج الوفير كأداة ضغط لرفع الأسعار بشكل تعسفي.
فعندما نرى سعر الدواجن فى المزرعة يقفز من 85 إلى 95 جنيهًا ثم يهبط مجددًا خلال 48 ساعة فقط، كما صرح عبد العزيز الزينى نائب رئيس اتحاد منتجى الدواجن، فإننا لا نتحدث هنا عن تكلفة إنتاج أو أسعار أعلاف، بل نتحدث عن مقامرة بمقدرات الشعب.
هذا التذبذب الحاد هو الفضيحة الكاملة لفوضى السوق؛ حيث استغل الوسطاء والسمسارة لحظة ذروة الطلب المرتبطة بصرف المرتبات وتحضيرات رمضان لرفع الأسعار بلا وازع، وسط صمت حكومى مريب يترك المواطن وحيدًا فى مواجهة الجشع. مسكنات الوزارة لا تبنى اقتصادًا تحاول وزارة التموين تقديم نفسها كمنقذ عبر طرح دواجن مجمدة بأسعار مخفضة فى المنافذ الرسمية، لكن هذا التدخل يظل ترقيعًا شكليًا لا يمس هيكل السوق المشوه. إن توفير كميات محدودة فى منافذ أمان أو الخدمة الوطنية أو المجمعات الاستهلاكية، رغم أهميته، لا يشكل حلًا جذريًا لأكثر من 100 مليون مستهلك يعتمد السواد الأعظم منهم على محلات التجزئة المنتشرة فى الأحياء الشعبية والقرى والنجوع. الوسطاء هم الحكام الفعليون للسوق؛ فهم من يتحكمون فى وتيرة العرض، وهم من يحددون ساعة الصفر لتعطيش السوق أو إغراقه، وهم من يقتنصون فارق السعر الذى يتجاوز أحيانًا 20 جنيهًا فى الكيلو الواحد ما بين المزرعة والمستهلك. الحكومة، بتركيزها على الاستيراد كحل أخير، تعترف ضمنًا بفشلها فى ضبط السوق المحلي، وتلجأ لاستنزاف العملة الصعبة بدلًا من فرض هيبة القانون على المحتكرين المحليين. العدالة الاجتماعية الغائبة تتجاوز هذه الأزمة البعد الاقتصادى لتستقر فى قلب الأمن الاجتماعى والسياسي. فالمواطن محدود الدخل، الذى يكدح طوال الشهر لتوفير وجبة بروتين لأطفاله، يجد نفسه أمام جدار عازل من الأسعار. هذه الأزمة تعكس غيابًا تامًا للعدالة الاجتماعية؛ فالأغنياء لا تشكل لهم زيادة العشرة أو العشرين جنيهًا فارقًا يذكر، بل يملكون القدرة على تخزين الكميات، بينما يقف الفقير عاجزًا حتى عن شراء أجنحة الدواجن التى باتت هى الأخرى بعيدة المنال. إن انهيار منظومة حماية المستهلك فى هذا التوقيت الحرج هو خذلان للمواطن الذى وثق فى وعود الدولة بتحقيق الأمن الغذائي. فالتصريحات الوردية لوزير الزراعة، الدكتور علاء فاروق، حول تحقيق فائض إنتاجى بنسبة 25%، تزيد من مرارة الواقع؛ فكيف يرتفع سعر السلعة بهذا الجنون بينما نملك فائضًا؟ هذا التناقض الصارخ هو الدليل القاطع على غياب أدوات الرقابة الحقيقية، وأن السياسات الحكومية ليست سوى حبر على ورق يتبخر أمام أول اختبار حقيقى فى الشارع. فشل في التخطيط الاستراتيجي إن ما نعيشه اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج تقصير منهجى فى التخطيط الاستراتيجي. الاجتماعات الدورية بين التموين والزراعة وجهاز مستقبل مصر، تحولت مع مرور الوقت إلى منصات لرد الفعل فقط.
الحكومة تنتظر وقوع الأزمة، ثم تجتمع، ثم تصدر تصريحات تهدئة، ثم ينتهى الموسم لتعود الأمور كما كانت. لم نشهد يومًا خطة استباقية تفكك حلقات الوساطة، أو تؤسس لبورصة دواجن حقيقية وعادلة تخضع لرقابة صارمة تمنع التلاعب بالأسعار قبل وصولها للمستهلك. المواطن المصرى في عام 2026 بات يشعر بأنه كبش فداء في صراع المصالح بين الحكومة والقطاع الخاص. الدولة تقدم حلولًا قاصرة، والمنافذ المحدودة لا تضمن وصول السلعة لكل القرى والنجوع، مما يجعل توزيع الدعم السلعى غير عادل مكانيًا ولا اجتماعيًا. هذه الإجراءات ليست سوى ضمادة على جرح غائر يحتاج إلى جراحة عاجلة لتنظيم هيكل التجارة الداخلية في مصر. التبعات الصحية والاجتماعية لا تتوقف خطورة الأزمة عند خلو مائدة رمضان من الدواجن، بل تمتد لتضرب الأمن الصحي. المواطن الذى يضطر لتقليص كميات البروتين أو استبدالها ببدائل رديئة، يعرض صحة أسرته للخطر، خاصة الأطفال فى مراحل النمو. الحكومة بتخاذلها عن ضبط الأسعار، تساهم بشكل غير مباشر فى تدهور منظومة الصحة العامة، وتحمل ميزانية الدولة مستقبلًا أعباء علاج أمراض ناتجة عن سوء التغذية. اقتصاديًا، كشفت الأزمة عن هشاشة مخيفة في منظومة السوق المحلي؛ حيث تتمتع أسعار السلع الحية بمرونة سلبية تجعل أى زيادة طفيفة فى الطلب مبررًا لقفزات سعرية فلكية. غياب الرقابة الفعلية على سلاسل الإمداد جعل التاجر الصغير يحذو حذو التاجر الكبير، والجميع يختبئ خلف ستار ارتفاع الأسعار العالمي أو أزمة الأعلاف، بينما الحقائق تشير إلى إنتاج محلى وافر واكتفاء ذاتى حقيقي. اعتراف بالعجز أم مواربة للأزمة؟ إن الحديث عن استيراد كميات كبيرة من الخارج هو مسكن مرّ المذاق. ففى الوقت الذى تعانى فيه الدولة من ضغوط العملة الصعبة، نلجأ للاستيراد لضرب احتكار محلى كان من الممكن وأده بقرار رقابى واحد حازم، أو بحملات تفتيشية حقيقية تغلق المنشآت المتلاعبة وتصادر السلع المحتكرة. إن الاستيراد لا يضع حلًا ناجعًا لمشكلة الاحتكار، بل قد يدمر صغار المربين المحليين الذين لا يجدون دعمًا حقيقيًا، بينما يظل الوسطاء الكبار هم الرابحون فى كل السيناريوهات. المشكلة الحقيقية ليست فى ندرة الدجاج، بل في ندرة الضمير لدى بعض التجار، وندرة الحسم لدى الحكومة. المواطن يراقب من بعيد، ويشعر بأن الدولة باتت حكمًا ضعيفًا فى مباراة يتلاعب فيها الوسطاء بالنتائج كما يشاؤون. التصريحات الحكومية باتت مجرد شعارات مستهلكة فقدت مفعولها فى الشارع، والواقع يقول إن الأسعار ترتفع بلا رقابة، والرقابة تحضر فقط في البيانات الصحفية. الصمت الحكومي.. شراكة في الأزمة إن أزمة أسعار الدواجن ليست مجرد مشكلة اقتصادية مؤقتة، بل هى مرآة تعكس فشل الحكومة في إدارة الموارد الأساسية وتأمين حياة المواطن اليومية. هي رمز لانكشاف هشاشة الرقابة وانحياز السوق الصريح لمصالح الوسطاء والمحتكرين على حساب المواطن البسيط.
كما أن الاستمرار في نهج إدارة الأزمات بالمسكنات والوعود المستقبلية لن يجدى نفعًا مع مواطن يواجه الغلاء فى كل لحظة. الحكومة مطالبة اليوم، وليس غدًا، بفرض قبضة حديدية على الأسواق، وتفكيك سلاسل الوسطاء، وتنظيم بورصة الدواجن بشكل يضمن حماية المنتج والمستهلك معًا. أي محاولة لتجميل الصورة أو الادعاء بأن الأمور تحت السيطرة هي محاولة لإنكار الواقع الذي تصرخ به جيوب المصريين. الحقيقة المرة هي أن الأسعار ترتفع بلا رادع، والمواطن يدفع ثمن فشل التخطيط، والحكومة لا تتدخل إلا بعد أن تصبح الأزمة أمرًا واقعًا يهدد الاستقرار الاجتماعي في أهم مواسم السنة. الانقلاب الناعم في التعليم المصري التقرير السري لحكومة مدبولي إن أزمة الدواجن مع دخول شهر رمضان هي الاختبار الأخير لمصداقية السياسات الغذائية الحكومية.. فهل تدرك الحكومة أن الجوع لا ينتظر الدراسات والاجتماعات، أم أنها ستظل تراقب المشهد من أبراجها العاجية حتى ينفجر القدر بما فيه؟ ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا