رغم الإعلان عن تعديل وزاري شمل 13 حقيبة من أصل 32، كشف المشهد السياسي بشبه دولة المنقلب السيسى أن ما جرى لم يكن سوى إعادة تدوير للوجوه داخل منظومة واحدة، مع الإبقاء على مراكز النفوذ الحقيقية دون مساس، وفي مقدمتها رئاسة الحكومة والمجموعة الوزارية المرتبطة مباشرة برئيس النظام عبد الفتاح السيسي. فقد جدّد مجلس النواب بسلطة الانقلاب الثقة في مصطفى مدبولي رئيساً للحكومة للمرة الرابعة، في سابقة تعكس غياب أي تقييم حقيقي للأداء، رغم أن حكومته ارتبط اسمها بأقسى أزمة اقتصادية في تاريخ مصر الحديث: تضخم جامح، انهيار متواصل للجنيه، قفزات غير مسبوقة في الأسعار، واتساع رقعة الفقر، دون أن يتحمل أي مسؤول سياسي كلفة هذا الفشل. مدبولي.. رجل السيسي الذي لا يُمس الإبقاء على مدبولي، منذ يونيو 2018، لا يمكن فصله عن كونه جزءاً أصيلاً من معادلة الحكم، لا مجرد رئيس حكومة. فالرجل، القادم من خلفية عسكرية عائلية، يمثل نموذج "المنفذ المطيع"، القادر على تمرير السياسات التي تُدار خارج مجلس الوزراء، سواء تعلقت ببيع أصول الدولة، أو تحميل المواطنين كلفة القرارات الاقتصادية الكارثية، أو توسيع نفوذ الجيش في الاقتصاد.
التعديل لم يقترب من وزراء السيادة ولا من الدائرة الضيقة المحيطة بالسيسي، مثل وزراء الدفاع، والداخلية، والمالية، والنقل، والصحة، والخارجية، وهو ما يؤكد أن التغيير شكلي، هدفه امتصاص الغضب، لا تصحيح المسار.
الإعلام تحت الوصاية الأمنية
عودة منصب وزير الدولة لشؤون الإعلام، عبر تعيين ضياء رشوان، تعكس هاجس النظام المزمن تجاه السيطرة على المجال العام. رشوان، المرتبط بعلاقات وثيقة مع الأجهزة الأمنية، لم يأتِ لإصلاح إعلامي حقيقي، بل لإدارة الرسالة الرسمية في مرحلة تشهد تصاعد الانتقادات الخارجية والداخلية، وفشل الإعلام الموالي في إقناع الشارع برواية السلطة.
التجربة السابقة منذ استقالة أسامة هيكل في 2021 أثبتت أن المشكلة ليست في الأشخاص، بل في هيمنة المخابرات على المحتوى، وتحويل الإعلام إلى أداة دعائية عاجزة عن المنافسة أو التأثير.
وزارة الثقافة.. مكافأة رغم الشبهات
أثار تعيين جيهان زكي وزيرة للثقافة موجة غضب واسعة، ليس فقط لغياب أي خبرة ثقافية، بل بسبب سجلها الحافل بالمخالفات المالية والإدارية. زكي سبق إقالتها من رئاسة تنفيذية المتحف المصري الكبير، بعد تقارير عن مخالفات جسيمة، كما واجهت اتهامات مماثلة خلال إدارتها الأكاديمية المصرية للفنون في روما، انتهت ببلاغات رسمية للرقابة الإدارية.
ورغم ذلك، لم يكن الماضي عائقاً أمام تصعيدها، في مشهد يرسّخ قاعدة باتت راسخة في دولة السيسي: الولاء يعلو على الكفاءة، والحماية السياسية تُسقِط المحاسبة.
اقتصاد يُدار بلا مساءلة
في الوقت الذي يعاني فيه المصريون من جنون الأسعار، وتآكل الدخول، وانهيار القدرة الشرائية، لم يُسجَّل أي اعتراف رسمي بالفشل، ولا إقالة لمسؤول اقتصادي واحد على أساس الأداء. بل جرى تعيين نواب ورؤساء مجموعات اقتصادية جديدة، ضمن نفس الإطار، دون تغيير في السياسات التي قادت إلى الأزمة.
الاقتصاد في عهد السيسي لا يُدار بمنطق التنمية، بل بمنطق الجباية، والاقتراض، وبيع الأصول، مع تحميل المجتمع كلفة الخيارات الخاطئة، بينما تبقى النخبة الحاكمة في مأمن من أي مساءلة.
التعديل الوزاري الأخير لا يمثل إصلاحاً، بل تأكيداً على طبيعة النظام: نظام يُبقي على الفاشلين، يحمي المتورطين، ويُقصي أي احتمال للمحاسبة، طالما استمر الولاء، واستمر تنفيذ التعليمات.
في دولة تُدار بهذه الطريقة، لا يكون السؤال: لماذا يستمر الفساد؟ بل: كيف يمكن أن يتوقف، إذا كانت السلطة نفسها راعيه؟