كريستين هانا فى ليلةٍ باردةٍ من أواخر سبتمبر، بعد يوم عملٍ طويلٍ، وقفت لينى خلف الشّبّاك تتبحّر بنظرها فى ظلام الفناء كانت هى وأمّها منهكتين؛ لقد عملتا من بزوغ الشّمس حتّى غروبها، تعلّبان آخر سلمون الموسم: تحضّران المرطبانات، وتقشّران السّمك، وتشرّحان شرائط اللّحم الورديّة والفضّيّة المكتنزة، وتزيلان الجلد اللّزج. كدّستا الشّرائط فى المرطبانات، ووضعتاها فى طنجرة الضّغط وواحداً تلو الآخر، حملتا المرطبانات إلى المخزن الأرضيّ، وصفّتاها فوق أرفف أقيمت مؤخّراً. - إن كان ثمّة عشرة رجال أذكياء، ومعتوه واحد فى غرفة، فبإمكانك تخمين من الذى سيستأثر باستلطاف أبيك من بينهم. - «ها؟». سألت ليني. - لا تشغلى بالك. دخلت الأمّ لتقف بجانب ليني فى الخارج، كان اللّيل قد أرخى سدله، أراق قمرٌ مكتمل ضياءه الأبيض المزرقّ فوق كلّ شيء، ورصّعت النّجوم السّماء بثقوب دبابيس ولطخات إهليلجيّة من النّور هنا ليلاً، تكون السّماء مستحيلة الامتداد، ولا تنقلب إلى السّواد تماماً، بل تظلّ على زرقة مخمليّة غامقة. العالم تحت قبّتها يتضاءل إلى لا شيء: سكبة من ضوء النّار، انعكاس أبيض مخربَش لضياء القمر على الأمواج الكامدة. كان الأب هناك وسط ظلام الخارج برفقة ماد إيرل. وقف الرّجُلان جنباً إلى جنب أمام نارٍ تضطرم فى برميل محروقات، يتبادلان إناءً جيئة وذهاباً. تلاطم الدّخان الأسود متصاعداً من القمامة التى يحرقانها، وكان كلّ الآخرين الذين جاءوا لتقديم العون قد عادوا إلى بيوتهم منذ ساعات. شهر ماد إيرل مسدّسه على حين غرّة، وأطلق نحو الأشجار. تعالى ضحك الأب بصخب على ذلك. - «إلى متى سيبقيان هناك؟». سألت ليني كانت فى خروجها الأخير إلى المرحاض قد سمعت شذراتٍ من حديثهما: تدمير البلاد... إبقاء أنفسنا فى مأمن... الأناركيّة القادمة... النّوويّ... - من يدري؟ بدت أمّها مغتاظة كانت قد قلت شرائح لحم الموظ التى جلبها ماد إيرل معه، ثمّ حضّرت البطاطا المحمّصة، وأعدّت طاولة ورق اللّعب، ووضعت عليها أطباق الرّحلات، وأدوات الطّعام خاصّتهم، وقد استُخدمت إحدى روايات لينى ذات الأغلفة الورقيّة فى تثبيت قائمة الطّاولة المتقلقلة. مضى على ذلك ساعات، والآن بات اللّحم على الأغلب بجفاف جزمة عتيقة. - «لقد طفح الكيل». قالت الأمّ فى نهاية المطاف، وخرجت. انسلّت لينى نحو خصاص الباب، وفتحته كى يتسنّى لها السّماع. ندّ عن الماعز ثغاء إزاء وقع الأقدام. - «مرحباً يا كورا». قال ماد إيرل بابتسامةٍ مفرطةٍ، وقف متضعضعاً على قدميه، ومال إلى اليمين فتعثّر. - «أتودّ البقاء على العشاء يا إيرل؟». سألته الأمّ. - «لا، لكن شكراً لك». أجاب مترنّحاً ميمنة وميسرة: «ستدبغ ابنتى جلدى إن لم أعد إلى المنزل، فهى تعدّ حساء السّلمون والبطاطا». - «إلى مرّة أخرى إذنْ». قالت الأمّ واستدارت عائدة إلى الكوخ: «هيّا يا إيرنت، لينى تتضوّر جوعاً». تمايل ماد إيرل فى طريقه نحو شاحنته، ثمّ تسلّق وقادها مبتعداً، بين وقوف وإقلاع وإطلاق للنّفير. سلك الأب طريقه عبر الفناء على نحوٍ متبخترٍ ومفرطٍ فى الحرص وشى بسُكْره، لقد سبق للينى أن رأت ذلك. صفق الباب خلفه، وتعثّر نحو الطّاولة، ليهوى فوق كرسيّه فى نصف سقوط. دخلت الأمّ حاملة طبقاً كبيراً فوقه اللّحم، والبطاطا المحمّرة بالفرن، ورغيف دافئ من خبز العجين المتخمّر، الذى كانت ثيلما قد علّمتهم صنعه من المكوّنات التى لا يستغنى عنها أيّ صاحب ملكيّة ينتهج الاكتفاء الذّاتيّ. - «يب... دو شهياً». قال الأب، وهو يستخدم الشّوكة لنقل لقمة لحم الموظ إلى فمه، ثمّ يمضغ بصخب رفع عينين عمشاوين: «أمامكما الكثير ممّا عليكما استدراكه، أنا وإيرل كنّا نتحدث عن هذا. حين يرتطم الخراء بالمروحة، أنتما ستكونان أوّل الضّحايا». - ««حين يرتطم الخراء بالمروحة»؟ ما الذى تتحدّث عنه حبّاً بالله؟». قالت الأمّ. رمقت لينى أمّها بنظرةٍ تحذيريّةٍ؛ يفترض بالأمّ أن تكون أوعى من أن تردّ على أيّ شيء حين يكون مخموراً. - «حين تبلغ الأمور ذروتها. كما تعلمين؛ قانون عرفيّ، قنبلة نوويّة، أو جائحة وبائيّة». قسَم قطعة من الخبز، وغطّسها فى مرق اللّحم. أرجعت الأمّ ظهرها، أشعلت لفافة تبغ، وهى لا ترفع عينها عنه. - «إيّاكِ يا ماما». قالت لينى فى سرّها: «لا تقولى أيّ شيء». - «كلّ هذه الخطابة حول نهاية العالم لا تروق لى يا إيرنت، وعلينا أخذ لينى بعين الاعتبار، إنّها...». خبط الأب قبضته على الطّاولة بشدّة هزّت كلّ شيء فوقها «اللّعنة يا كورا، ألا يمكنك الاكتفاء بمساندتى على الإطلاق؟». نهض على قدميه، وذهب إلى صفّ معاطف الفراء المقلنسة المعلّقة عند الباب الأماميّ. كانت حركته مرتعشة، وظنّت أنّها سمعته يقول: «اللّعنة على الغباء»، ويدمدم بشيء آخر. هزّ رأسه وقبّض يديه، ثمّ أرخاهما. رأت لينى جموحاً فيه، انفعالاً بالكاد يحتويه يتصاعد بقوّة وسرعة. ركضت الأمّ خلفه، ومدّت يدها. - «لا تلمسيني». زمجر، وهو يدفعها عنه. أخذ إحدى السّترات، ووضع قدميه فى جزمته وخرج، صافقاً الباب بقوّة خلفه. التقت عينا لينى بتحديقة أمّها، فثبّتتهما عليها. فى تينك العينين الزّرقاوين الواسعتين اللّتين تعلق بهما أدقّ التّعابير، رأت قلقها ينعكس. «أيُصدّق هو كلّ هذا الكلام حول نهاية العالم؟». - «أظنّه يفعل». أجابت الأمّ: «أو لعلّه يريد أن يصدّق وحسب، من يدري؟ لكنّ هذا لا يهمّ، إنّه مجرّد كلام». لينى تعرف ما يهمّ. كانت حالة الطّقس تزداد سوءاً. وكذلك حالته هو.