د. ياسين سليمانى فى كتابه الهام «أن نقول الشىء نفسه تقريبا»، يقدم أمبرتو إيكو رؤية تقدمية للترجمة تتجاوز النقاش التقليدى حول الأمانة والخيانة تحاول أن تصوغ نظرية متكاملة تجعل من الترجمة فضاء تفاعليا تتصارع فيه أنظمة لغوية وثقافية متباينة، حيث يلعب المترجم دور الوسيط الذى يحتاج إلى الخبرة والموهبة ليوازن بين متطلبات النص الأصلى وضرورات اللغة الهدف. تستند هذه الرؤية إلى ثلاثة مفاهيم محورية، أولها: «التفاوض» وهو عملية دائمة من المساومة الواعية بين الخيارات الممكنة، حيث يصبح كل قرار ترجمى بمثابة تسوية مدروسة. ثانيها «الخسارة الحتمية» حيث الإقرار بأن بعض العناصر النصية لا يمكن نقلها بحذافيرها، وهو ما يسميه إيكو «الثمن الذى لا مفر منه» للترجمة. وثالثها وهو «التعويض»، أى مجمل الآليات الذكية لتعويض هذه الخسائر، سواء عبر الانزياح المكانى أو التحويل الطبقى أو الإضافة الجمالية. هكذا فإنّ إيكو يحوّل القيود إلى منصات للإبداع فبدلا من التركيز على ما يُفقد فى الترجمة، ينصب الاهتمام على "ما يمكن خلقه" من خلال الحلول المبتكرة هذه الرؤية تمنح المترجم شرعية الابتعاد عن الحرفية عندما تخدم روح النص، وتجعل من كل ترجمة عملاً أدبياً يصنع كينونته الخاصة لا مجرد ظل للنص الأصلى وبهذا المعنى، تصبح الترجمة عند إيكو "فنا تفاوضيا بامتياز، حيث تُقاس الجودة بالقدرة على إيجاد التوازن الدقيق بين الوفاء للأصل والإبداع الجديد، بين الخسائر المقبولة والمكاسب المحققة، وبين ثقل الماضى وإمكانات المستقبل. عمل إنسانى هذه الديناميكية هى ما يجعل الترجمة، فى تصوره، عملاً إنسانياً عميقاً يتجاوز مجرد النقل اللغوى إلى فضاء الحوار الحضارى الخلاق لا ينسى إيكو أن يؤكد لنا على "الترجمة المستحيلة"، أى عدم توفر إمكانية نقل عمل بشكل متطابق تماما من ضفة لغوية إلى ضفة أخرى تختلف عنها ليس لسانيا وحسب ولكن بمجموع الحمولة المعرفية والترسانة الثقافية التى تختلف فيها الضفتان عن بعضهما. مفهوم "الترجمة المستحيلة" فى غاية الأهمية وقد تفيدنا الأمثلة التالية للتأكيد على مشروعيته ولدينا الكثير من الأمثلة على مثل النصوص المقدسة والنصوص الشعرية التى كثيرا ما ترد فى مثل هذه المواضع، غير أننا سنختار مثالين من الرواية الفرنسية ونحاول أن نطبق خارطة الطريق الإيكوية لترجمتها إلى العربية ونحاول أن نرصد مدى القدرة التفاوضية التى تجعل من الترجمة قادرة على أن تخلق نصا قابلا للحياة وفق الشروط الفنية المطلوبة رواية "الاختفاء": الغياب الذى يخلق حضورا يُعتبر جورج بيريك (1936-1982) أحد أكثر الكتّاب الفرنسيين إثارة للاهتمام فى القرن العشرين وُلد لوالدين يهوديين ناجين من المحرقة، وهى تجربة تركت آثارا عميقة على كتاباته انتماؤه لجماعة "أوليبو" الأدبية التى اشتهرت بالكتابة المقيدة، جعله يُبرز موهبته الفريدة فى تحويل القيود اللغوية إلى فرص إبداعية. تُمثّل رواية "الاختفاء" (1969) ذروة هذا الإبداع المقيد كتب بيريك الرواية كاملة دون استخدام حرف ال"e"، لم يكن اختيار هذا الحرف للاستغناء عنه سهلا فهو يشكل لوحده 12 بالمائة من أى نص فرنسى، ويتواجد فى 70 بالمائة من الكلمات و90 بالمائة من أدوات التعريف الأساسية وظيفيا، يُشكل هذا الحرف الصغير عصب القواعد الفرنسية: فهو أساس صيغ المؤنث وحجر الزاوية فى صيغ الماضى وضرورى لأدوات النفى والربط. غياب هذا الحرف كما فى رواية "الاختفاء" يشبه نزع الهيكل العظمى من الجسد، حيث يختفى التعريف والمؤنث والماضى وأدوات الربط الأساسية، مما يحول النص إلى لغز لغوى مدهش. هذه الأهمية الفريدة تجعل من الترجمة الحافظة لروح الرواية تحديا إبداعيا هائلا، يتطلب أكثر من مجرد نقل لغوى، بل إعادة بناء كاملة للنظام اللغوى. هذا القيد الشكلى لم يكن مجرد تمرين تقنى، بل تحوّل إلى استعارة قوية عن الغياب والفقدان تدور الحبكة حول اختفاء شخص يدعى «أنطون فويل» (اسم محذوف منه حرف e أيضا)، فى تحوّل ذكى يجعل الشكل والمضمون يتآلفان بشكل شديد الإبداع. كيف يمكن ترجمة هذا النص إلى العربية؟ لا يمكن أن ننحاز إلى التبسيط المخل عند الكثيرين أمام عبارة إيكو "الترجمة المستحيلة" التى تمنع الاشتغال على النص ووصفه بالنص أحادى اللغة، أى الذى لا يمكن أن يُقرأ إلا بلغته التى كُتب بها ولا يمكن أن ينفتح على غيرها. هذا إذا تجاوزنا سؤالا تفضيليا يمكن أن يكون أساسيا فى كل اختيار للترجمة، أى قيمة فنية لهذه الرواية حتى نسعى إلى ترجمتها فقد تكون مجرد لعبة لغوية أشبه بخربشات الفيل الذى أعطى له مجموعة ألوان ولوحة فصنع للمصادفة لوحة لا يمكن أن توصف بأنها لوحة فنية على اعتبار أن الفن منتج إنسانى خالص. سنلجأ إلى القول بأنّ هذه الرواية إذا كانت مجرد تجربة فى لحظة مجنونة فإنّ ترجمتها ستتحول إلى لحظة عبقرية، يستجمع فيها المترجم كل خبراته الثقافية واللغوية لينتج نصا "مكافئا". يواجه المترجم فى حالة هذه الرواية تحديا وجوديا: كيف ينقل "غيابا" لغويا إلى لغة أخرى؟ وفقا لرؤية أمبرتو إيكو، تصبح الترجمة عملية تفاوض معقدة. إننا لا نصطدم بمشكلة نقل المعنى فحسب، بل على المترجم أن يحافظ على فكرة "الغياب" كتقنية أدبية وكمضمون روائى. تطبيق نظرية إيكو يتطلب هنا عدة مستويات من التعامل: أولا: تفكيك القيد اللغوي: يجب فهم أن غياب حرف e فى الفرنسية يعادل من حيث الأهمية الإحصائية غياب حرف الألف فى العربية (28 بالمائة من الحروف فى القرآن مثلا). لكن إيكو يحذرنا من الحلول الحرفية، فالمهم ليس تكرار القيد نفسه، بل تحقيق تأثير مماثل على القارئ. ثانيا: استراتيجيات التعويض: التعويض الشكلى: يمكن اقتراح حذف حرف الألف أو حرف اللام (أكثر الحروف العربية تكرارا بعد الألف) والتعويض النحوى: تجنب استخدام أدوات التعريف (ال) أو بعض الضمائر والتعويض الدلالى: التركيز على مفردات "الغياب" و"الفقدان" فى جميع أنحاء النص. ثالثا: الخسائر المقبولة: وفق إيكو، ستفقد الترجمة حتما بعض العناصر: الدقة فى تكرار القيد الأصلى، بعض التراكيب النحوية الخاصة بالفرنسية، بعض التلاعبات اللغوية المرتبطة بحرف e لكن يمكن تعويض ذلك ب: خلق تلاعبات لغوية جديدة تعتمد على حروف أخرى، استخدام أساليب بلاغية تعوض عن الإيقاع المفقود وإضافة طبقات دلالية جديدة تناسب اللغة العربية. رابعا: إعادة التشكيل الثقافى: يذكرنا إيكو بأن الترجمة الناجحة تنقل النص إلى بيئة ثقافية جديدة فغياب حرف e فى الفرنسية يحمل دلالات عن المحرقة (بيريك ابن ناجين منها كما ذكرنا)، بينما قد يحمل غياب الألف فى العربية دلالات عن الصمت القسرى أو الحظر الثقافى أو ما يقارب هذا الحقل الدلالى. خامسا: الحلول الإبداعية المقترحة: استخدام جمل اسمية قصيرة وتجنب المبنى للمجهول، الاعتماد على السجع والجناس كبديل للإيقاع المفقود، إضافة هوامش تشرح تحدى الترجمة للقارئ (مع أنّ إيكو نفسه فى "أن تقول الشىء نفسه تقريبا) يعتبر اضطرار المترجم إلى شرح ترجمته فشلا فى أداء واجبه الترجمى. ميم الملعونة: عندما يصبح الحرف عالما لا يخفى جان فرانسوا كان (1938-2025) تأثره بتجربة جورج بيريك، فعكس تماما ما قام به الأول واقترح فى روايته "م الملعونة" بدل "اختفاء" حرف من حروف اللغة أن يكتب رواية كاملة بحرف الميم (ربما لحسن الحظ فى العربية فإنّ حرف M له ما يقابله بالعربية على خلاف حرف E فى رواية بيريك)، إنها رواية تأملية فى الحياة ومعاركها، الوجود والتزاماته وإكراهاته، ما شهده أو شارك فيه، بالجدية اللازمة مرة والخفة والسخرية اللاذعة مرة، لكن باللعب على اللغة فى كل مرة وطوال الرواية، بل حتى أنّ البعض لا يفضّل تسميتها بالرواية، على اعتبار أنها كولاج من التأملات، النوادر، التحليلات السياسية، والذكريات وموسوعة مصغَّرة تشرح العالم من خلال قاموس مقيّد يتمثل حرفا واحدا يتحرك به ومن خلاله. لكنها فى النهاية فى المظلة الكبرى للرواية، التجريبية، لأنها من جهة سيرة غير تقليدية يعيد المؤلف فيها سرد حياته ومشواره عبر كلمات تبدأ بالحرف المذكور وتستخدم أدوات سردية (حكايات شخصيات، حوارات متخيَّلة) ولوجود بُعد قصصى فى الربط بين الشخصيات. فى رواية "م الملعونة" حيث يحتل حرف الميم مركز الصدارة، يواجه المترجم تحديا ثلاثى الأبعاد: أولا، الحفاظ على الهيمنة الرمزية للميم كبطل روائى، ثانيا، نقل الطبقات الدلالية (السياسية، التاريخية، الساخرة) التى يبنيها الكاتب حول هذا الحرف، ثالثا، تحقيق انسيابية النص المترجم. الحل الإيكوى يكمن فى اعتماد "الترجمة التفاوضية" عبر: تحويل الميم من مجرد حرف إلى علامة ثقافية شاملة، حيث نبدأ بالحفاظ على الميم فى الأسماء والمفاهيم الأساسية (مثل: ماركس "Marx"، موت "Mort")، ثم نعوض عن الكلمات غير القابلة للنقل بتكثيف الميمات فى السياق المحيط Manger macaroni tous les midis rend mélancolique" التى تعنى أكل المكرونة كل ظهيرة يُسبب الكآبة ب: "مَضغُ المكرونة مَرارا يُولِّدُ الملل" وعندما يصطدم النقل بالاستحالة اللغوية، نلجأ للشرح فى الهوامش كجزء من العملية الإبداعية نفسها، (قد يضطر البعض لاعتبار أن الإفصاح عن الخيارات الترجمية هو ضرب من إخلاص المترجم لا اعترافه بالفشل وهو كما ذكرنا ما يؤكد إيكو على خلافه) يبقى الأهم هو الحفاظ على تلك النبرة الهجينة بين الجدية والسخرية التى تميز صوت الكاتب، حيث تصبح كل خسارة لغوية مدخلا لاكتشاف مكافئ عربى أكثر ثراء. يقع المترجم فى مأزق واضح هنا وهو أمام النص الفرنسى الذى يحتفى بحرف الM بينما يحاول أن يرحّله إلى نص عربى يحافظ على هذه الهوية دون تشويه المعنى. التحدى ليس فى الكلمات التى تبدأ أصلا بالميم ولها ما يقابلها فى العربية كأسماء الأعلام (بالفرنسية Marx التى تصبح "ماركس" العربية)، بل فى مشكلات جوهرية وهى الغالبية مثل الكلمات الفرنسية التى تحتوى الميم فى وسطها أو آخرها ولا تجد مقابلا لها فى العربية. الحل الإيكوى يتطلب استراتيجية مركبة يكون مفتاحها الموازنة بين الإخلاص للروح الميمية للنص وقابلية القراءة، حيث نكتفى بالحفاظ على الميم فى النقاط المحورية، ونغض الطرف عن الكلمات الثانوية، مع تعويض الفقدان عبر تكثيف الميمات فى السياق العام، مما يحقق "التقريب الإبداعى" الذى دعا إليه إيكو، حيث تصبح الترجمة إعادة صياغة للعالم النصى بلغة جديدة، لا نسخا حرفيا. تظهر هذه الرواية كيف أن نظرية إيكو تتحول من إطار نظرى إلى دليل عملى عند مواجهة النصوص الصعبة تتحول الترجمة من مجرد نقل لغوى إلى حوار وجودى مع حدود اللغة وإمكاناتها. فكما يذكرنا إيكو، الترجمة الحقيقية ليست بحثا عن التطابق، بل هى رحلة اكتشاف للفجوات التى تمنح اللغة حياتها. هذا ما تؤكده تجارب بيريك وكاهن، ففى «الاختفاء» و«م الملعونة»، يصبح المستحيل اللغوى مدخلا لإعادة اختراع الذات عبر اللغة. الترجمة هنا - كما يصورها إيكو- هى فن القول المقارب، حيث تتحول كل خسارة إلى فرصة، وكل قيد إلى بوابة إبداع. إنها ليست نقلا للمعنى بقدر ما هى ولادة جديدة له فى ممكنات لغة أخرى، تاركة لنا السؤال الأبدى: هل نترجم النصوص أم نترجم إمكانيات اللغة نفسها؟ بهذا المعنى، يصبح كتاب إيكو «أن نقول الشىء نفسه تقريباً» دليلا ليس فقط للمترجمين، بل لكل من يؤمن بأن اللغة هى أفق الوجود لا وسيلته. ففى ذلك «التقريب» الذى يتحدث عنه، تكمن الحرية الحقيقية للفكر الإنسانى.