ليس من العدل اختزال سيرة «الست» أم كلثوم فى مجرد تقمص ملامح أو استعادة صوت، فالمسألة أعمق من محاكاة شكلية وأقسى من اختبار تشابه خارجي، أم كلثوم ليست مجرد صورة محفوظة فى الذاكرة، بل تجربة إنسانية وفنية مركبة صاغتها صراعات وانكسارات وطموح لا يهدأ، من هنا تبرز المقارنة بين تجربتين حملتا العبء ذاته، لكن انتهتا إلى نتيجتين مختلفتين: صابرين التى فازت بالرهان، ومنى زكى التى خرجت خاسرة. صابرين،عند تجسيدها شخصية أم كلثوم، لم تنشغل بمطاردة الشبه أوالتحول إلى نسخة كربونية، بل سعت لفهم الشخصية من الداخل، اقتربت من الجوهر:امرأة قادمة من الهامش، مشبعة بالخوف والطموح، صلبة وهشّة فى الوقت ذاته، احترامها للمسافة بين الممثلة والأسطورة جعل أداءها إنسانيًا ومتزنًا، موازٍ لصعود الأيقونة البطيء، وقدّم العمل «الست» لجيل جديد دون تشويه صورتها أو تحويلها إلى تمثال جامد. فى المقابل، دخلت منى زكى تجربة «الست» وسط ضجيج إعلامى وجماهيرى كبير، لكنها سقطت فى فخ المقارنة المباشرة، بدا التركيز على الشكل الخارجى والتماثل مع صورة الجمهور الراسخة، بدل البحث فى عمق الشخصية، ظل السؤال دائمًا:«أين أم كلثوم؟» بدلًا من «من هى أم كلثوم؟»، هنا يظهر الفرق بين السيرة كاستعراض والسيرة كرحلة داخل الشخصية. الفيلم اعتمد على المكياج والمؤثرات البصرية بشكل مبالغ فيه، فحوّل الوجه أحيانًا إلى قناع جامد، ما خلق حاجزًا عاطفيًا وأضعف التلقائية، كما اقتصرعلى محطات مأمونة فى حياة «الست»، متجنبًا الغوص فى لحظاتها الرمادية والتحولات الحاسمة، بدا مترددًا بين الاحتفاء بالأسطورة أو تفكيكها أو إعادة تعريفها للأجيال الجديدة، فافتقد البناء الدرامى للإيقاع الداخلى الذى يجعل المشاهد شريكًا فى الرحلة. لم يسلم الفيلم من المقارنة الدائمة مع مسلسل صابرين، وهى مقارنة خاسرة منذ البداية، فبينما بنى المسلسل علاقة وجدانية تدريجية مع «الست»، ظل الفيلم واقفًا فى ظل التجربة السابقة، دون جرأة على كسرها أو تجاوزها برؤية جديدة، ليصبح أسير الذاكرة لا صانع ذاكرة بديلة، أحد أخطر الانتقادات تمثل فى ما وُصف ب«الخوف من أم كلثوم». لم تكن هذه الانتقادات هجومًا على منى زكى بقدر ما كانت تعبيرًا عن خيبة أمل فى مشروع كان يُنتظر منه الكثير، فازت صابرين لأنها امتلكت رؤية إنسانية ودرامية واضحة، وتعاملت مع «الست» ككائن حى لا كأيقونة جامدة، وخسرت منى زكى لأن فيلم «الست» راهن على الفخامة والحدث، أكثر مما راهن على الصدق والعمق، وفى سيرة بحجم أم كلثوم، لا يكفى أن تُبهر العين، المطلوب أن تهز القلب.