أي وزير او مسئول كبير في أي دولة متقدمة لا بد أن تكون له معايير محددة لاختياره تتوافق و حجم المسئولية الضخمة الملقاه علي عاتقه. و في مصر، لكي نسلك الطريق الصحيح للتقدم و الحداثة، لا بد أن يتم اختيار الوزراء و المحافطين و كبار المسئولين بناء علي معايير محددة، واضحة و مكتوبة، و أن يتم المقارنة بيم المرشحين وفقا لهذة المعايير. أعرض هنا في هذه السطور عزيزي القارئ رؤيتي لهذه المعايير و الضوابط، كمحاولة للإسهام بالكلمة في تحسين منظومة إختيار كبار المسئولين في مصر. أولا، الوزير لا بد أن يتمتع بمواصفات رجل الدولة، أي أن يكون قادرا علي تحمل مسئولية علي مستوي القطر المصري و أن يكون لديه المؤهلات لذلك، رجال الدولة ينظرون إلي الأمور بمنظور استراتيجي يراعي المصلحة العليا للوطن قبل كل شيء، كل أفكار و أفعال رجال الدولة تأتي في سياق نسق الدولة و ليس نسق الفرد، أي لا تنبع من نظرة ضيقة للأمور و إنما دائما ما تتسع للأبعاد الاستراتيجية المختلفة و تدرك كل العوامل لمحيطة. القدرة الكاملة علي القيادة و الادارة بالمفهوم الحديث؛ هذه أحد الشروط العامة لاختيار كبار المسئولين، فكيف يتأتي لوزير أن يقود وزارته بما تضم من آلاف الموظفين و في ظروف قد تكون صعبة بدون أن يكون قائدا يتقدم الصفوف و قدوة يتطلع اليها الآخرون و مديرا ناجحا قادرا علي تحقيق نتائج ملموسة علي الأرض في مدة زمنية معقولة و وفقا لخطة عمل و أهداف محددة. لا بد أن يكون المسئول قادرا علي رسم السياسات العامة للقطاع الذي يرأسه، فهذه هي مسئوليته الأولي و ليست مسئوليى أي أحد غيره، فالسياسات هي الأساس الذي يبني عليه البيت، و هي التي توضح التوجه العام الذي يسير فيه القطاع و يرسم فيه أهم ملامحه. من البديهيات أن يكون للمسئول فكر و رؤية في العمل الذي يتولاه، أي أن يكون بعيدا كل البعد عن السطحية، و أن يتعامل مع الموضوعات المختلفة من منطلق فهم عميق و نظرة مستقبلية في بوتقة متكاملة الأركان. من الأساسيات أن يكون المسئول حسن المظهر، قادرا علي تمثيل الدولة المصرية بشكل ملائم في الداخل و الخارج، فمن غير المعقول أن يتولي المسئولية أي أشعث أغبر لا يمتلك الأدوات الأساسية للظهور العام. الاتزان و حسن الحكم علي لأمور صفتان لا غني عنهما لأي مسئول كبير، ففقدان الحكمة علي هذا المستوي من المسئولية يوقعنا في محن يومية و مشاكل لا تنتهي، من غير المعقول أن لا يتحلي المسئول بالاتزان الشخصي و السلوكي و الفكري. لا مقر لأي وزير أو محافظ أو مسئول كبير أن يكون قادرا علي العمل لساعات طويلة خلال اليوم، لا أتخيل رقم أقل من 12 إلي 14 ساعة يوميا، فحجم الالتزامات اليومية كبير جدا، و حجم التحديات لتي تواجها مصر ضخم و معقد، و لا ينفع معها ال 8 ساعات التقليدية، فالأعباء ثقيلة و تحتاج إلي العمل المتواصل و الدؤوب. لا أتخيل وزيرا أو مسئولا ليس لديه الحد الأدني من الثقافة العامة و الالمام بمشاكل مصر الحقيقية و المعرفة الأساسية بالمجتمع المصري و أحواله، فهذه أساسيات لا غني عنها عند التصدي للعمل العام. أنا أميل إلي إختيار المسئول المتخصص فنيا لكن الذي يمتلك المهارات السياسية الأولية، فرؤيتي تقوم علي أن الوظيفة العامة في مصر تطلب مزيجا من الخبرة الفنية و الحس و الملكات السياسية. الخبرة الفنية تمكن المسئول من الكفاءة في الإدارة و السيطرة علي الملفات المختلفة و التعامل معها، أما القدرات السياسية تؤهل المسئول للتعاطي مع البعد القومي لوظيفته و ترجمة ادارته للمنظومة مع التوجه العام للدولة، بجانب أهمية التعامل السديد مع الرأي العام و الاعلام. مهم أيضا أن يكون للمسئول علاقات جيدة و تواصل مستمر مع أصحاب المصلحة في القطاع الذي يعمل فيه، سواء علي المستوي الداخلي أو الخارجي، فذلك يمكنه من الخصول علي المعلومات و إبرام الاتفاقيات و عقد الشراكات اللازمة لتحسين و تطوير منظومة العمل. ليس من المنطقي بمكان أن يأتي مسئول إلي الزظيفة العامة و هو لا يحظي بسمعة جيدة فيمحيط عمله، فالحد الأدني من القبول من أصحاب المصلحة لهو ضروري لأي مسئول في وظيفة عامة. و أخيرا، فمهارات التواصل مع الآخرين و إقامة علاقات العمل المستدامة و البعد عن الإنعزال هي من المؤهلات الرئيسية لأي مسئول كبير، و من متطلبات الوظيفة العامة التي لا غني عنها. و أخيرا، ليس من السهل العثور علي شخص يمتلك كل هذه الصفات و المؤهلات، و لكنه ليس مستحيلا فمصر لديها الكثير من الكوادر القادرة و الراغبة في خوض غمار التحدي و المساهمة الفاعلة في رحلة التقدم و التطوير و خدمة المواطن. [email protected]