حين قررتُ الكتابة عن الأكاديمية والمترجمة المصرية القديرة أمانى فوزى حبشي، التى رحلت عن عالمنا يوم 9 ديسمبر 2025، تاركةً خلفها إرثًا ترجميًا مميزًا، لم أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أختزل حياة ثرية قوامها العطاء والاجتهاد فى كلمات قليلة. لكن أكثر ما حيَّرنى كان: من أى مدخل أتناول أماني، وأنا التى عرفتها كصديقة غالية بقدر ما عرفتها كمترجمة متمكنة؟ بدا لى أن أى كتابة عنها لن توفيها حقها، ولن تقدر على القبض ولو على قبسٍ من نورها الهادئ، المتسلل إلى نفوس الآخرين كضوء النهار الذى يضيء حياتنا ويغمرها بالدفء بسلاسة قد تجعلنا لا ننتبه إلى وجوده، ناهيك بالانتباه إلى فضله، إلا إذا توقفنا قليلًا للتدبر والتأمل. ورغم هذه الحيرة، ارتأيت أن الكتابة فى هذه الحالة أفضل من الصمت، واعتبرت كتابتى رسالة وداعٍ لنسّاجةٍ بارعةٍ للكلمات، وللصلات مع الآخرين، وقبل كل شيء زارعة للأمل فى نفوسهم، ومنبِّهة إياهم إلى الجانب الإيجابى الكامن فى أى تجربة سلبية من اقتربوا منها، ولو لمرات معدودة، لمسوا هذه السمة الأصيلة فيها؛ ففى كل مشكلةٍ قد يراها غيرها معطِّلة، اعتادت هى أن ترى ما يستدعى الامتنان والفرح، وأن تدعم من يواجهونها (أى المشكلة) بسخاء كان جزءا لا يتجزأ من شخصيتها. زكاة العلم نشره أتذكر أنه عندما رحل إمبرتو إيكو، اختارت أمانى أن تفتتح مقال كتبته عنه، بهذا الاقتباس له: «من لا يقرأ، عندما يصبح عمره 70 عامًا سيكون قد عاش حياة واحدة فقط: حياته هو. ولكن من يقرأ سيكون قد عاش 5000 عام: سيكون قد عاش عندما قتل قايين هابيل، وعندما تزوج رينزو من لوتشيا، وعندما كان ليوباردى يبدي إعجابه باللانهائية... فالقراءة هى الأبدية». وفى تقديري، لم يكن اختيارها لهذه المقولة مصادفة، بل تعبيرًا صادقًا عن علاقتها العميقة بالقراءة، وإيمانها بدورها فى تشكيل الوعى الإنساني كانت أمانى مثقفة حقيقية، عاشقة للقراءة والسينما، حريصة على مشاركة ما تحبه مع الآخرين ومن هذه الرغبة السخية فى المشاركة تحديدًا بدأت رحلتها مع الترجمة. وقد عبّرت عن ذلك بوضوح فى أحد حواراتها، حين قالت: «تطورت علاقتى بالترجمة عندما شعرت بأننى أريد أن أشارك أصدقائى ما أقرأه وأستمتع به. كانت رواية «الفسكونت المشطور» لإيتالو كالفينو أول ترجماتى فى الإطار الأكاديمي، إذ كانت جزءًا من رسالتى البحثية للحصول على درجة الماجستير فى الترجمة. كان العمل صعبًا، كما هى الحال مع أول ترجمة، لكننى تعلمت منه الكثير، وبعد «الفسكونت المشطور»، كان أول اختيار شخصيّ لى رواية «اذهب حيث يقودك قلبك» سوزانا تامارو وقد ترجمتها لتقرأها معى صديقاتى «وسرعان ما اتسع نطاق الصديقات ليشمل قرّاء العربية، ما يستدعى إلى الأذهان مقولة: «زكاة العِلم نشره». الترجمة كطاقة حب اتسمت ترجمات أمانى بالدقة والإتقان، وباختيارات تنم عن ذائقة رفيعة، كما تميّزت هى بفهم عميق لنظريات الترجمة، وبشجاعة دفعتها إلى التصدى لأعمال تفرض تحديات معرفية وفنية كبيرة من بينها رواية «بندول فوكو» لإمبرتو إيكو، التى استغرقت منها وقتًا طويلًا من البحث والقراءات المتنوعة للإحاطة بمصطلحاتها وإحالاتها. وقد دفعتها هذه الرواية، كما ذكرت، إلى زيارة متحف الفنون والحرف فى باريس، والوقوف بنفسها أمام البندول، وتدوين ملاحظات حول معمار المتحف وطريقة عرض مقتنياته، حتى تتمكن من نقل بعض تفاصيل النص بدقة. وفى ترجمتها لرواية «أصوات المساء» لنتاليا جينزبورج، حافظت على أسلوب الكاتبة بإيجازه واقتضابه وفترات الصمت الكامنة فيه، ونجحت فى إيصال صوتها الخاص وسخريتها الخافتة الذكية إلى القارئ العربي. ومع كل ترجمةٍ جديدة، كنتُ أستشعر طاقةً من الحب والتفهّم تسرى بين السطور؛ حبًّا للعمل وشخصياته وعالمه، وكذلك للمؤلف نفسه وقد أكدت أمانى هذا المعنى فى شهادة نشرتها «أخبار الأدب» قبل سنوات، حين قالت إن الترجمة تحتاج إلى «قدرة شخصية على التفاعل مع النص، والانشغال به فالمترجم لا يتعامل مع نص جامد يرغب فى نقله، ولكنه يتعامل مع مشاعر مؤلف وإبداعه». الإسهام فى تعميق الوعى الإنسانى إلى جانب معرفتى بها كمترجمةٍ عبر أعمالها التى أغنت المكتبة العربية ووسّعت آفاقنا تجاه الأدب الإيطالى بمراحله المختلفة وأصواته المتنوعة، عرفتها أيضًا كقارئة نهمة وذكية من خلال متابعتى لها على «تويتر» منذ عام 2016. من هناك تعمّقت معرفتنا وتحولت إلى صداقةٍ افتراضية، قبل أن نلتقى للمرة الأولى على هامش إحدى فعاليات المركز القومى للترجمة فى ديسمبر 2018 ثم توالت اللقاءات خلال زياراتها اللاحقة للقاهرة من مقر اقامتها مع أسرتها فى إنجلترا. كانت أمانى تشير دائمًا إلى أن حلمها كمترجمة هو نقل نصوصٍ تُسهم فى تعميق الوعى الإنساني، وتدفع القراء إلى مراجعة أحكامهم المسبقة، والنظر إلى الواقع والفئات المهمشة بنظرةٍ أكثر رحابة وإنسانية وعندما نعيد النظر فى قائمة ترجماتها، التى تضم أعمالًا مثل «بماذا يؤمن من لا يؤمن» لإمبرتو إيكو، و«ثلاثية أسلافنا» لإيتالو كالفينو، و«أربطة» لدومينيكو ستارنونه، و«اذهب حيث يقودك قلبك» لسوزانا تامارو، و«الجبال الثمانية» لباولو كونيتي، و«بلا دماء»، و«مستر غوين» لأليساندرو باريكو، «الكيلومتر الذهبي».. العالم المفقود للإيطاليين المصريين» لدانيال فيشمان، وغيرها، يتأكد لنا أنها حققت هذا الحلم بالفعل، ورفدت المكتبة العربية بأعمال توسّع أفق التعاطف الإنسانى وتعيد الاعتبار للمهمش والمنسى والمنبوذ. تكريمات مستحقة لعلّ أكثر ما أحببته فى علاقة أمانى فوزى حبشى بعملها كمترجمة هو إخلاصها العميق له، وتعاملها معه بوصفه مساحة للتعلم والتطور، لا وسيلة للصخب والظهور. آثرت الحضور عبر عملها، على عادة الكبار ممن ينشغلون بما ينفع الناس، مكتفين بكلمة امتنان من قارئ لا يعرفونه، وآملين أن يخلفوا وراءهم أثرًا يبقى فى نفوس القراء جيلًا بعد جيل. ومن تابع ردود فعل القراء عقب إعلان خبر وفاتها، أدرك حجم التقدير الذى حظى به جهدها، ومؤكد أنها لمست ذلك فى حياتها، هى البنّاءة التى عاشت حياتها تبني، كما وصفها زوجها الدكتور سامح حنّا فى تأبينه المؤثر لها، وهو وصف بالغ الدقة لإنسانة أدركت معنى حياتها مبكرًا وأدّت رسالتها على أكمل وجه، على عادة البنائين العظام. إذ عبر ترجماتها، قرّبت أمانى حبشى بين ثقافتين، وأسهمت فى تعميق معرفتنا بآخرين قد يبدون مختلفين عنا ظاهريًا، لكنهم يشبهوننا فى العمق، بما يحملونه بين ضلوعهم من مخاوف وتناقضات ونقاط ضعف أو قوة. ولحسن الحظ، لم يغب هذا الجهد عن التقدير الرسمي؛ فقد منحتها وزارة الثقافة الإيطالية الجائزة الوطنية الإيطالية للترجمة عام 2002 عن مجمل أعمالها، وكرمها الرئيس الإيطالى الأسبق كارلو أزيليو تشامبى بوسام «نجمة إيطاليا» برتبة فارس عام 2004. كما أطلق معهد الثقافة العربية بالجامعة الكاثوليكية فى ميلانو جائزة للعمل المترجم الأول من الإيطالية إلى العربية تحمل اسمها، وفق ما أعلنه الدكتور وائل فاروق؛ مدير المعهد، فى حفل تأبينها هناك. ونأمل أن يحظى اسم هذه المترجمة الاستثنائية بتكريمات مماثلة فى وطنها، مصر.