عاجل- مدبولي: انضمام طائرة Airbus A350-900 يعكس خطة الدولة لتحديث أسطول مصر للطيران وتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل الجوي    عاجل | «الفجر» تنشر أبرز تصريحات السيسي خلال اجتماع الحكومة.. دعم نقدي قبل رمضان وصرف المرتبات مبكرًا وحزمة إصلاحات اقتصادية جديدة    من أديس أبابا.. تعرف على تفاصيل أعمال قمة الاتحاد الإفريقي وأجندة الاجتماعات    روبيو: النظام العالمي لن يكون فوق مصالح شعوبنا    توروب: هدفنا الفوز على الجيش الملكي رغم ضمان التأهل    مبابي وفينيسيوس على رأس قائمة ريال مدريد لمباراة سوسيداد    رسميا.. توتنهام يعين إيجور تودور مديرا فنيا حتى نهاية الموسم    بسبب الأهمال وتحميل الدولة 13 مليون يورو.. النيابة الإدارية تحيل 7 من العاملين بهيئة النظافة للمحاكمة    إنهاء خصومة ثأرية بين عائلتين بقرية الترامسة في قنا    دراسة: معبد الكرنك نموذج لرصد الحركة الكونية وتنظيم الطقوس    كيف يؤثر نقص عنصر غذائي واحد أثناء الحمل على صحة الأم والجنين؟    غلق مسجد وتحويله لثلاجة بطاطس بالمنوفية يثير الجدل    مجلس أمناء جامعة بنها الأهلية يوافق على اعتماد الخطة الإستراتيجية    كييف: إسقاط 91 طائرات مسيرة روسية خلال الليل    لمواجهة أي عدوان.. توجه أوروبي لتعزيز القدرات العسكرية| تفاصيل    الأونروا: جمع 5000 طن من النفايات الصلبة في قطاع غزة    رئيس حزب الوفد يقاضي منير فخري عبدالنور بتهمة السب والقذف    «الداخلية» تطلق منصة وطنية للتحقق البايومتري والمصادقة اللحظية    وزير الخارجية: مصر تولي أولوية خاصة لدعم التكامل القاري وتعزيز التعاون مع التجمعات الاقتصادية الإقليمية    انطلاق مباراة حرس الحدود وزد في ربع نهائي كأس مصر    السياحيين: قطاع السياحة يستفيد من وجود أعداد كبيرة من الرياضيين في مصر    وزيرة الإسكان: التنسيق مع مصانع العبور لمنع الروائح بمحطة المخلفات الوسيطة    مصرع شاب بطعنات نافذة في مشاجرة بكفر الشيخ    بتوجيهات رئاسية.. تعديلات على التعريفات الجمركية لمساندة الصناعة وتشجيع الاستثمار    دراما رمضان .... الرسالة حاضرة    حين يتحول الخلاف إلى معركة.. هل تؤثر السوشيال ميديا على العلاقة بين الرجل والمرأة؟‬    التفاصيل الكاملة ل سيرة النقشبندي قبل عرضه على "الوثائقية" في الذكرى ال50    روبوتات ذكية لخدمة المشاركين بمسابقة الملك سلمان المحلية لحفظ القرآن الكريم    لتوفير السلع الغذائية بأسعار مخفضة.. 23 معرض «أهلًا رمضان» بالشرقية    كيف تنجح هيئة الرعاية الصحية في إنقاذ المصابين ب "تعفن الدم"؟    محافظا القاهرة والقليوبية يقودان حملة موسعة بالمرج لتطوير المواقف    الأربعاء أم الخميس؟ الحسابات الفلكية تحسم الجدل حول موعد شهر رمضان فلكيا    البحث عن جثمان طفل 8 سنوات غرق في العلمين أمس الجمعة    «سيدات يد الأهلي» يواجه البنك الأهلي في الدوري    "الصحة الفلسطينية": ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72 ألفا و51 شهيدا    روشتة ذهبية للتعامل مع العاصفة الترابية.. العدوّ الخفي للجهاز التنفسي    تعرف على مباريات الجولة الثالثة بالدور قبل النهائي لدوري السوبر الممتاز للكرة الطائرة    برنامج الصحافة على إكسترا نيوز يستعرض عدد اليوم السابع عن دراما المتحدة    برلماني: استكمال انتخابات المجالس المحلية يعزز كفاءة التخطيط ويعيد التوازن للمنظومة    لجنة إدارة غزة: تسلّم المؤسسات محطة مفصلية.. ونشترط صلاحيات مدنية وأمنية كاملة    محافظ أسيوط يهنئ نادي منفلوط الرياضي بصعوده رسميًا لدوري القسم الثالث    إعادة فتح ميناء نويبع البحرى وانتظام الحركة الملاحية بموانئ البحر الأحمر    دراسة: التغذية الصحيحة قبل الرياضة تعزز النتائج وتحمي من الإرهاق    انتظام عملية التصويت في انتخابات الإعادة للنقابات الفرعية للمحامين    وفاة إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق    «إثبات نسب» يعيد درة للحجاب على الشاشة    زيارة كنسية ألمانية لأسقف الكنيسة اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة    «العمل»: 300 وظيفة للشباب بإحدى شركات تأمينات الحياة.. تعرف على الشروط    نجم الزمالك السابق: الأبيض قادر على تحقيق الفوز أمام كايزر تشيفز    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    دارين حمزة: أدوار الشر سر نجاحي بمصر.. وانتظروا «سارة» في «الكينج»| حوار    الإدمان الرقمي.. المواجهة والعلاج    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    ميشيل يوه تتوج بالدب الذهبي: السينما فوق كل شيء    تحت شعار "الحرب أو السلام".. ترامب يدعم أوربان قبل انتخابات مصيرية فى المجر    كسر بالأنف واشتباه كسر بالفك.. تفاصيل التقرير الطبي لشاب واقعة «بدلة الرقص»    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إسلام عفيفى يكتب: سيناريو التطبيع مع الفوضى
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 19 - 12 - 2025

السودان لا يعيش حربًا تقليدية يمكن احتواؤها بوقف إطلاق نار أو مبادرة وساطة عابرة، بل يمر بلحظة انهيار بطيء لمفهوم الدولة ذاتها، ما يحدث ليس صراعًا بين أطراف سياسية أو عسكرية فقط، وإنما تفكك تدريجى للروابط التى تجعل من الكيان دولة قابلة للحياة لذلك، فإن السؤال الأخطر لم يعد متعلقًا بمن سينتصر عسكريًا، بل بكيفية الحفاظ على وطن اسمه السودان
فى هذا المشهد المعقد، يبدو واضحًا أن مصر تنظر إلى الأزمة السودانية من زاوية مختلفة تمامًا عن كثير من الأطراف الدولية القاهرة لا تتعامل مع السودان كملف نزاع يمكن إدارته عن بُعد، ولا كأزمة إنسانية فقط، بل كجزء لا ينفصل عن معادلة الأمن القومى المصرى لهذا جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسى حول «الخطوط الحمراء» بوصفها توصيفًا سياسيًا دقيقًا، لا تهديدًا ولا تصعيدًا وحدة السودان بالنسبة لمصر ليست خيارًا دبلوماسيًا، بل شرط استقرار إقليمى لا يمكن التهاون فيه.
ما يغفله كثيرون فى قراءة المشهد السودانى أن طول أمد الحرب لم يعد مجرد نتيجة لتعقيد الصراع الداخلي، بل أصبح أداة فى يد أطراف ترى فى استمرار النزاع مصلحة مباشرة فكل يوم حرب إضافى يعنى مزيدًا من إنهاك الدولة، ومزيدًا من تفكيك النسيج الاجتماعي، ومزيدًا من الاعتياد على غياب السلطة المركزية هذا النوع من الحروب لا يُحسم عسكريًا بقدر ما يُدار سياسيًا، وتحديدًا عبر إطالة الزمن حتى يفقد المجتمع قدرته على تخيل الدولة نفسها من هنا يصبح التحذير المصرى من تجاوز الخطوط الحمراء ليس تحذيرًا من حدث بعينه، بل رفضًا لتحويل السودان إلى ساحة مفتوحة بلا سقف زمنى ولا نهاية واضحة
أخطر ما يواجه السودان اليوم هو سيناريو «التطبيع مع الفوضى» أن تتحول الحرب إلى وضع اعتيادي، وأن تتعايش الأطراف الإقليمية والدولية مع « التفكك «باعتباره أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره هذا السيناريو لا ينتج دولة فاشلة فقط، بل يخلق فراغًا مفتوحًا على تدخلات متعددة، وتحالفات ميليشياوية، واقتصاد حرب يعيش على استمرار النزاع فى مثل هذا المناخ، تصبح وحدة السودان شعارًا فارغًا، وتتحول السيادة إلى مفهوم نظرى بلا مضمون فعلي.
الخطر الأكبر فى سيناريو التفكك لا يكمن فقط فى انقسام الجغرافيا، بل فى انهيار المعنى السياسى لفكرة المواطنة، عندما تتعدد السلطات المسلحة، وتتشظى مراكز القرار، يفقد المواطن مرجعيته، ويتحول الولاء من الدولة إلى الجماعة أو السلاح أو الجغرافيا الضيقة هذه اللحظة تحديدًا هى ما تحاول مصر تفاديه فى السودان، لأن استعادة الدولة بعد فقدان معناها تصبح أصعب بكثير من إعادة بناء مؤسسات متضررة الحفاظ على وحدة السودان هنا ليس شعارًا أخلاقيًا، بل محاولة استباقية لمنع الانزلاق إلى نموذج يصعب الرجوع منه.
السيناريو الثاني، وهو لا يقل خطورة، يتمثل فى فرض تسوية سياسية سريعة تُنهى القتال دون معالجة جذوره، هذا النوع من «السلام المتعجل» قد يرضى المجتمع الدولى مؤقتًا، لكنه يزرع بذور انفجار جديد دولة تُعاد صياغتها دون عدالة انتقالية، ودون إعادة بناء المؤسسات، ودون حسم مسألة احتكار السلاح، هى دولة مؤجلة الانهيار ، مصر تدرك أن الحل الحقيقى لا يكون بوقف النار فقط، بل بإعادة تأسيس فكرة الدولة نفسها، وهو مسار شاق لكنه الوحيد القابل للاستمرار
هنا يظهر الفارق الجوهرى فى المقاربة المصرية، القاهرة لا تروّج لوهم الحل السهل، ولا تنحاز لمنطق القوة، بل تطرح معادلة أكثر صرامة: لا دولة بلا وحدة، ولا وحدة بلا مؤسسات، ولا مؤسسات بلا جيش وطنى يخضع لسلطة الدولة لا العكس، دعم مصر للجيش السودانى فى إطار الحفاظ على الدولة لا يعنى دعم العسكرة، بل منع تفكك الكيان لصالح قوى لا تؤمن بالدولة أصلًا.
البعد الإنسانى فى الموقف المصرى ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عنصر مركزى فى التحليل فالحديث عن الجرائم والانتهاكات، وعن الكلفة الإنسانية الباهظة، يعكس إدراكًا بأن الحرب فى السودان لم تعد تُقاس فقط بالخسائر العسكرية، بل بانهيار حياة ملايين البشر. أى مسار سياسى يتجاهل هذه الحقيقة، أو يتعامل معها كملف إغاثى منفصل، سيكون مسارًا منقوصًا وغير أخلاقي.
الموقف المصري، فى جوهره، يقوم على إدراك أن الجيوش الوطنية فى الدول المهددة بالانهيار ليست ترفًا سياسيًا، بل آخر خطوط الدفاع عن بقاء الدولة الفارق بين دعم مؤسسة عسكرية باعتبارها عمود الدولة، ودعم سلطة قمعية، فارق جوهرى يتجاهله كثير من النقاش الدولي، مصر لا تطرح الجيش السودانى كبديل عن السياسة، بل كشرط لعودتها فلا سياسة بلا أمن، ولا انتقال بلا حد أدنى من السيطرة على السلاح، هذه معادلة واقعية قد تبدو قاسية، لكنها أقل كلفة من ترك البلاد نهبًا لقوى السلاح المنفلت.
إقليميًا، لا يمكن فصل ما يجرى فى السودان عن توازنات حوض النيل والقرن الإفريقى دولة سودانية ضعيفة أو منقسمة تعنى فتح الباب أمام إجراءات أحادية، وصراعات مائية، وتدويل دائم للأزمة من هنا، فإن تطابق الرؤى بين القاهرة والخرطوم بشأن الأمن المائى ليس بندًا فنياً، بل صمام أمان استراتيجى فالحفاظ على السودان الموحد هو شرط لحماية مصالح الجميع، وليس مصلحة مصر وحدها.
الدعم المصرى لرؤية إنهاء الحرب، حتى عندما تتقاطع مع مبادرات دولية مثل الطرح الأمريكي، لا يعنى تفويضًا مفتوحًا ولا قبولًا بأى صيغة، القاهرة واضحة فى هذا السياق: أى حل لا يحمى وحدة السودان، ولا يمنع تفكيكه، ولا يضع حدًا لدورات العنف، هو حل مرفوض مهما كانت الجهة الراعية له هذه ليست سياسة ممانعة، بل سياسة مسئولية.
من زاوية أوسع، فإن ما يجرى فى السودان يعكس أزمة إقليمية أعمق تتعلق بفشل النظام الدولى فى التعامل مع الدول الهشة إلا بعد انهيارها الكامل و السودان ليس استثناءً، بل نموذج متكرر: انتظار الكارثة، ثم إدارة آثارها الإنسانية، دون معالجة سياسية جذرية فى هذا السياق، يصبح التحرك المصرى محاولة لكسر هذا النمط، عبر ربط الحل الإنسانى بالحل السياسي، وربط السلام بوحدة الدولة، لا بتجميد مؤقت للصراع وهو طرح قد لا يكون الأسرع، لكنه الوحيد القادر على إنتاج استقرار حقيقى لا سلامًا هشًا
فى النهاية، السودان يقف اليوم أمام لحظة فاصلة: إما استعادة الدولة بصعوبة وتضحيات، أو الانزلاق إلى نموذج التفكك طويل الأمد وفى مثل هذه اللحظات، يصبح الصمت تواطؤًا، والحياد انسحابًا من التاريخ مصر اختارت أن تكون جزءًا من منع الانهيار، لا جزءًا من إدارة الفوضى.
وهذا بالضبط ما يجعل الموقف المصرى فى السودان موقفًا يتجاوز السياسة إلى الدفاع عن فكرة الدولة نفسها فى إقليم لم يعد يحتمل دولة أخرى تسقط.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.