مع تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى بمحطة الضبعة النووية بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسى، والرئيس الروسى فلاديمير بوتين عبر تقنية الفيديو كونفرانس، وتوقيع عقود شراء الوقود النووى اللازم لتشغيل المحطة الذى من المتوقع أن يصل فى عام 2027، ليبدأ التشغيل الفعلى للوحدة الأولى فى عام 2028.. بذلك تكون مصر قد حققت خطوة تاريخية فى مسار برنامجها النووى السلمى، ضمن خطة استكمال الحلم. الأخبار قامت بجولة داخل موقع الضبعة أكبر مشروع نووى فى العالم ورصدت ملامح استكمال المشروع ونقلت بالكلمة والصورة تلك المعجزة العظيمة على ساحل البحر المتوسط. اقرأ أيضًا | تصل ل 40 ألف جنيه| تفاصيل وشروط 1100 فرصة عمل بمشروع الضبعة النووي منذ الإعلان عن مشروع محطة الضبعة النووية كأهم مشروع قومى فى مصر، وحلم زيارة هذا الصرح العظيم يداعب فضولى الصحفي؛ لكى أرى على أرض الواقع الحلم النووى الذى كتبت عنه سنوات طويلة أرقامًا وإحصائيات تمثل مراحل إنجاز المشروع، لكنها أرقام خاوية من المشاعر والتفاعل لأنى لم أر بعينى تفاصيل ما أكتبه..وحين جاءت الفرصة لم أتردد برهة واحدة. بدأت الرحلة من القاهرة، فجر يوم هادئ.. كانت ساعة الصفر بالنسبة لى.. انطلقت السيارة مُخترقة صمت الطريق الصحراوى المؤدى إلى الساحل الشمالى..ومنه إلى محور الضبعة.. كل كيلومتر أقطعه كان يمحو من رأسى فكرة قديمة عن الضبعة ويزرع بدلاً منها انبهارًا عن هذا الحلم القومى.. كانت مشاعرى تتأرجح بين رهبة الصحراء وحماس الاكتشاف.. كانت الرحلة بحد ذاتها مقدمة فلسفية لقصة التحدى الذى تحول إلى واقع. وما إن بدأت تتراءى لى أسوار الموقع وتجمعات الأوناش والرافعات العملاقة، حتى تملكتنى قشعريرة، توقفنا عند البوابة التى كُتب عليها «محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء». هنا، انتهى الخيال وبدأ زمن الحقيقة المُذهلة. دخلت الموقع، وهناك، تبخرت جميع الصور الهندسية المُبهمة التى كنت أحملها..هنا فى هذه المساحة الممتدة على ساحل مطروح، تقف محطة تضم أربع وحدات من طراز VVER-1200— أحدث ما أنتجته تكنولوجيا الجيل الثالث المتقدم بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة، ليصل الإجمالى إلى 4800 ميجاوات رقم يكفى لإضاءة محافظات كاملة دون انقطاع.. عندما وقفت أمام الحجم الهائل للموقع شعرت بالفخر.. كانت عيناى تتبعان الرافعات العملاقة وهى ترفع حمولات لا تصدق.. وأكثر ما لامس قلبى هو رؤية وجوه العمال.. رأيت فى عرقهم وتعبهم إخلاصًا لا يقاوم.. رأيت الشاب المصرى يقف جنبًا إلى جنب مع الخبراء الأجانب، وكلهم يعملون تحت شمس واحدة، يحملون هدفًا واحدًا هو بناء مستقبل يليق بهذا الوطن.. بحسب الأرقام الرسمية، يشارك فى المشروع أكثر من 600 شركة، بينها نسبة كبيرة من الشركات المصرية. وبحلول عام 2025، وصل عدد العاملين وفنّى البناء، وفق ما أعلنته «روساتوم»، إلى 30 ألف متخصص... كلٌّ منهم جزء من هذه المعجزة الهندسية. شاهدت الأساسات الخرسانية التى تُبنى لتُضىء..وشاهدت جدران الاحتواء التى يُشيَّد حولها سياج من الأمان والدقة المُتناهية. خلال الجولة، قابلت المهندسين والعمال الذين تتلألأ عيونهم فخرًا لا يوصف.. كانت كلماتهم عن «المفاعلات من الجيل الثالث المطور»، وعن «أنظمة الأمان العالية»، وعن «الرقابة النووية»، تُرسم فى ذهنى صورة لدولة قررت أن تمسك بزمام مستقبلها التكنولوجى وتتسلح بالعلم. اقرأ أيضًا | رئيس هيئة المحطات النووية: محطة الضبعة تدعم أمن الطاقة في مصر كيف أصبح الحلم حقيقة؟ تحول إلى واقع ملموس عام 2017.. وكاد أن يموت قبل أن يبدأ بسبب « مواقف دول أخرى » لم يكن «الحلم النووى» مجرد شعار رفعته مصر فى منتصف القرن الماضى، بل كان مشروعًا وطنيًا ظل يتنفس رغم العثرات، ويكاد يختنق أحيانًا قبل أن يعود إلى الحياة من جديد. الحلم الذى بدأ فى الخمسينيات، واجه سنوات صعبة كادت أن تنهيه تمامًا، قبل أن يعود للظهور على أرض الواقع عام 2017، رغم تأرجح مواقف بعض الدول وخشية مصر من تكرار أزمات ضربت مشروعات نووية فى دول أخرى. بدأت القصة حين أدركت مصر منذ أوائل خمسينيات القرن الماضى أهمية الطاقة النووية فى توفير الطاقة والمياه، وعلى هذا الأساس تم إنشاء لجنة الطاقة الذرية عام 1955 ثم مؤسسة الطاقة الذرية عام 1957، وكانت مصر من أوائل الدول المؤسسة للوكالة الدولية للطاقة الذرية فى العام نفسه، وأسهمت فى صياغة أسس صلاحياتها ودعم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. وفى عام 1958، تحقق أول جزء من الحلم النووى المصرى بافتتاح أول مفاعل أبحاث نووى ETRR-1 فى أنشاص، وهو مفاعل روسى تم الحصول عليه من الاتحاد السوفيتى، ليبدأ فصل جديد من استخدام الطاقة النووية فى البحث والتدريب، ومع بداية الستينيات، بدأت مصر التفكير فى استخدام الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، وتطور الأمر بإنشاء هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء عام 1976. وبين الطموحات والتحديات، جاءت لحظة الإحياء الحقيقى للبرنامج النووى المصرى فى 19 نوفمبر 2015، حين وقّعت مصر وروسيا اتفاقية التعاون لإنشاء محطة للطاقة النووية فى الضبعة، تلتها عدة اتفاقيات إضافية مع الجانب الروسى، وصولًا إلى توقيع عقود المحطة ودخولها حيز التنفيذ فى ديسمبر 2017، وهى اللحظة التى تحوّل فيها الحلم إلى مشروع فعلى. لكن الطريق لم يكن ممهدًا بالكامل؛ فالمشروع كاد أن يتوقف قبل أن يبدأ، تأرجحت مواقف بعض الدول التى ترتبط معها مصر بمصالح، وظهرت أزمات عالمية جعلت القاهرة أكثر حذرًا وخوفًا من تكرار سيناريوهات معقدة واجهتها دول أخرى. ورغم ذلك، استمرت مصر فى بناء أرضية صلبة لمشروعها النووى، فقد أجرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراجعة متكاملة للبنية التحتية النووية المصرية INIR فى مرحلة متقدمة من المشروع، عبر مهمة رسمية استمرت 11 يومًا بدءًا من 27 أكتوبر 2019. وأشاد فريق الوكالة بما حققته مصر من تطوير شامل لبنيتها التحتية استعدادًا لبدء إنشاء المحطة النووية. وبالتقدم الفعلى فى مشروع الضبعة، بدأت الخطة الزمنية تتضح، فمن المقرر البدء فى أعمال اختبارات التدشين للوحدة الأولى فى الربع الرابع من عام 2027، على أن تتم عملية التدشين الكاملة فى الربع الرابع من عام 2028، ثم تتوالى الوحدات الثلاث الأخرى حتى الوحدة الرابعة عام 2030. ومع دخول هذه الوحدات إلى الخدمة، ينتقل المشروع من مرحلة الإنشاء والتركيبات إلى مرحلة التشغيل والصيانة التى ستمتد لأكثر من ستين عامًا، ليصبح المشروع واحدًا من أهم مصادر الطاقة الآمنة والمأمونة، وضمانة حقيقية لاستدامة الطاقة فى مصر. بهذه الخطوات، ينتقل الحلم النووى من صفحات التاريخ إلى واقع اقتصادى وتنموى يُعيد رسم مستقبل الطاقة فى البلاد، بعد رحلة طويلة من التحديات والصمود. المفاعلات الأربعة |الأكثر كفاءة وأمانًا عالمياً.. وتتحمل تسونامى 14متراً عند الوصول إلى المنطقة المركزية، حيث ترتفع الهياكل الخرسانية للمفاعلات الأربع، يبدو المكان كما لو أنه خلية نحل عملاقة تُبنى فيها مدينة مستقبلية.. كنا متواجدين على منسوب منخفض حوالى 11 مترًا تحت الأرض من مستوى منسوب البحر..وعلى عمق 22 مترًا من مستوى التربة الطبيعية. قام المختصون بشرح تفاصيل الوحدات الأربعة المتجاورة بجانب بعضها البعض فى مشهد عظيم يليق بمصر والمصريين..وبدأوا يتحدثون عن أن كل مفاعل به معدات التوليد ووعاء الاحتواء مزدوج الجدران الذى يتحمل اصطدام طائرة ضخمة.. وفى الأربع وحدات حوالى 400 مبنى جميعها مبان تساعد فى عمل هذه المفاعلات. وأكد أن المفاعلات الأربعة تستخدم أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا النووية فى العام ،حيث إنها تنتمى إلى تكنولوجيات مفاعلات الجيل الثالث المطور (Gen 3 ) وهى التكنولوجيا الأعلى حاليًا والتى تتميز بأعلى مستويات الأمان النووى إذ أن معدل انصهار قلب المفاعل أقل من 1 إلى 10 ملايين مفاعل/ سنة، كما تتبع فلسفة الدفاع من العمق والتى تعتمد على وجود عدة حواجز مادية تحول بين المواد المشعة والبيئة المحيطة بالإضافة إلى وجود نظم أمان سلبية لا تعتمد على وجود الطاقة الكهربية فضلًا على اعتمادها على التكرارية فى نظم الحماية واستخدام أنظمة أمان سلبية لا تعتمد على توافر الطاقة الكهربية وإنما تعتمد على الظواهر الطبيعية مثل الجاذبية الأرضية والسريان الطبيعى للسوائل، كما أن المفاعل يستطيع تحمل اصطدام طائرة تجارية ثقيلة تزن 400 طن وتسير بسرعة 150 مترًا على الثانية. كما يستطيع تحمل تسونامى حتى ارتفاع 14 مترًا ويتحمل الزلازل حتى عجلة زلزالية 0.3 من عجلة الجاذبية الأرضية ويستطيع تحمل الأعاصير والرياح، كما يتميز تصميم المفاعل الروسى أنه مزود بماسك أو مصيدة لقلب المفاعل لاحتواء قلب المفاعل والمواد عالية المستوى الإشعاعى بداخله وذلك حال حدوث حادث جسيم أدى إلى انصهار قلب المفاعل وبذلك لا يسمح بتسرب تلك المواد إلى البيئة المحيطة..كما تم تصميم المفاعل للعمل لمدة 60 عامًا، مع إمكانية تمديد التشغيل ل20 سنة إضافية، ما يضمن استدامة الاستثمار على المدى الطويل. اقرأ أيضًا | رئيس المحطات النووية: محطة الضبعة النووية ستدار وتشغل بكوادر مصرية 100% د. شريف حلمى رئيس هيئة المحطات النووية : بدء التجارب الفعلية قريبا وتشغيل المحطة بأيدٍ مصرية 100% أكد الدكتور شريف حلمى رئيس مجلس إدارة هيئة المحطات النووية أن تركيب وعاء ضغط المفاعل بقلب الوحدة الأولى فى محطة الضبعة النووية، يُمثل إنجازاً محوّرياً فى مسار المشروع. وأشار حلمى إلى أن إتمام هذا الإنجاز يؤكد الجاهزية الإنشائية لمحطة الضبعة ويجعل مصر أقرب بكثير إلى بدء التجارب الفعلية، موضحًا بدء التجارب التشغيلية للمفاعل الأول فى عام 2027..ومن المخطط الانتهاء من جميع مفاعلات المحطة وربطها بالشبكة الكهربائية القومية بشكل كامل 2030. وأضاف أن تشغيل محطة الضبعة النووية سيكون بأيدٍ مصرية خالصة بنسبة 100%، موضحًا أن المرحلة الأولى ستشهد وجود خبراء روس فى إطار الدعم التشغيلى، بينما تتم إدارة التشغيل بالكامل بواسطة الكوادر المصرية.. وأوضح أن محطة الضبعة تتكون من أربع وحدات بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة، بإجمالى 4800 ميجاوات، وأكد أنه عند التشغيل الكامل ستولّد المحطة 35 مليار كيلو وات ساعة سنويًا، وهو ما يوفر نحو 7 مليارات متر مكعب من الغاز لو كانت هذه الطاقة ستُنتج بالوقود الأحفورى.. موضحا أن هذه الكمية يمكن استغلالها واستخدامها فى صناعات البتروكيماويات مما يؤدى إلى رفع القيمة المضافة لها، ومشروع الضبعة لا يقتصر على توليد الكهرباء فقط، بل يستهدف توطين الصناعة وزيادة المشاركة المحلية، حيث يشارك فى المشروع أكثر من 600 شركة. اقرأ أيضًا | مدير روساتوم الروسية: مصر شهدت إنجازًا تاريخيًا في محطة الضبعة النووية وعاء قلب المفاعل |استغرق تصنيعه 40 شهرًا.. ويتحمل درجات حرارة 300 درجة مئوية شهدت محطة الضبعة النووية حدثًا مفصليًا فى مسار إنشاء أول محطة نووية لإنتاج الكهرباء فى مصر، وذلك بوصول وعاء ضغط المفاعل الخاص بالوحدة النووية الأولى إلى موقع المشروع يوم 21 أكتوبر 2025 عبر ميناء الضبعة التخصصى، قادمًا من روسيا الاتحادية. أكد.د. أمجد الوكيل رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق أن الحدث لا يمثل مجرد خطوة إنشائية، بل يعد نقطة تحول رئيسية فى البرنامج النووى المصرى، نظرًا لما يحمله الوعاء من أهمية تقنية وصناعية تجعله القلب النابض للوحدة النووية. يُعد وعاء ضغط المفاعل أحد أهم المكوّنات الأساسية فى أى مفاعل نووى، فهو الهيكل الرئيسى الذى يحتضن قلب المفاعل ،حيث تتم التفاعلات النووية المتحكم بها داخل وعاء ضغط المفاعل. ويتميز هذا الوعاء بقدرة فائقة على تحمل الضغط الهائل ودرجات الحرارة المرتفعة الناتجة من التفاعل، حيث يتحمل درجات حرارة تتجاوز 300 درجة مئوية، مع ضمان تام لعدم تسرب أى مواد مشعة.. مع ضمان إحكام كامل مما يجعله عنصرًا محوريًا فى منظومة الأمان والاعتمادية داخل المحطة.. تم تصنيع الوعاء فى مصنع إيجورا التابع لمؤسسة روساتوم الروسية، واستغرقت عملية إنتاجه ما يزيد على 40 شهرًا، بدأت فى مايو 2022، بمشاركة مباشرة من خبراء هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء فى عمليات التفتيش ومراجعة الجودة طوال مراحل التصنيع، لضمان توافقه مع أعلى المعايير الدولية. أما رحلة النقل، فقد بدأت فى 1 أكتوبر 2025 من ميناء سانت بطرسبورغ على متن سفينة شحن متخصصة، واستغرقت نحو 20 يومًا حتى وصوله إلى الضبعة، ضمن ترتيبات لوجستية دقيقة لواحد من أثقل وأهم مكوّنات المحطة. وقد قام فريق العمل بالمحطة ببدء أعمال تركيب الوعاء خلال شهر نوفمبر، وتزامن التركيب مع الاحتفال ب عيد الطاقة النووية الخامس فى 19 نوفمبر، فى خطوة تمثل اقتراب المشروع من مراحله التنفيذية الأكثر حساسية وأهمية. ويمثل تركيب وعاء ضغط المفاعل لحظة فارقة فى تنفيذ الوحدة النووية الأولى، ويؤكد تقدم مصر بثبات نحو تشغيل أول محطة نووية سلمية لإنتاج الكهرباء، بما ينعكس على أمن الطاقة والتنمية الصناعية والاقتصادية خلال العقود المقبلة. اقرأ أيضًا | رئيس الوزراء يشهد توقيع أمر شراء الوقود النووي لمحطة الضبعة النووية نائب رئيس هيئة المحطات النووية : الوقود النووى يصل فى 2027 وانتهاء الوحدة الأولى فى 2028 أكد د. محمد رمضان نائب رئيس هيئة المحطات النووية أن الضبعة هى المشروع الأكبر عالميًا لإنتاج الكهرباء وذلك بشهادة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. وسيتم تشغيل المشروع وإدارته بأيد مصرية بنسبة 100 ٪. موضحًا أن تركيب وعاء قلب المفاعل هى الخطوة الأهم لأن الانشطار النووى يحدث بداخلها ،حيث يتم تحويل اليورانيوم إلى طاقة حرارية يتم نقلها عبر توربينات وتحويلها لطاقة كهربائية والاستفادة منها على الشبكة القومية. وأوضح أن الوقود النووى بدأ تصنيعه فى روسيا وسيصل إلى مصر فى 2027. وسيتم الانتهاء من الوحدة الأولى وتشغيلها فى 2028 وتباعًا سوف تدخل الوحدات الخدمة على أن ينتهى تمامًا المشروع فى 2030. اقرأ أيضًا | رئيس الوزراء يشهد توقيع أمر شراء الوقود النووي لمحطة الضبعة النووية قنوات التبريد.. حصن الأمان |أعمال إنشائية لتأمين مياه تبريد المفاعلات انتقلنا بعد ذلك إلى ممرات عميقة تحيط بالمشروع بأكمله يصل عمقها 10 أمتار تحت الأرض.. ولأن المفاعل يعتمد على نظام تبريد يحمى البيئة ويحد من استهلاك المياه، ويُعد جزءاً من منظومة الأمان المزدوجة التى تميز هذا الجيل، هذه المنظومة تعتمد على مبدأ «الدفاع فى العمق»، من خلال الجمع بين أنظمة الأمان النشطة والسلبية. كما أوضح المختصون أنه تم إنجاز أعمال بحرية وهندسية دقيقة لإنشاء نظام تبريد المحطة، حيث جرى ربط حوض مأخذ مياه التبريد بحوض التهدئة داخل مياه البحر، ويُعد حوض التهدئة منشأً بحرياً استراتيجياً مكوناً من حاجزى أمواج، وهو مصمم لاستقبال وتهدئة تدفق مياه البحر قبل دخولها إلى حوض المأخذ، تمهيداً لضخها واستخدامها بكفاءة فى عمليات التبريد، وقد تطلبت هذه المرحلة أعمال حفر هائلة تجاوزت مليونى متر مكعب من المواد، والتى تمت على مراحل متتابعة بدأت بتسوية الأرض الطبيعية للوصول إلى منسوب سطح البحر، تلا ذلك تنفيذ حوائط خرسانية محيطة بالموقع لمنع نفاذ المياه أثناء عملية الحفر، وعقب الانتهاء من الحفر، تمت أعمال التدبيش (الرصف بالحجارة)، حيث شملت وضع طبقة من مادة الجيوتكستايل، وهى نسيج صناعى نافذ للمياه، وتلعب هذه الطبقة دوراً حيوياً فى فصل طبقات التدبيش عن التربة الطبيعية، مما يسمح بمرور المياه مع منع انجراف جزيئات التربة، الأمر الذى يضمن ثبات وقوة أجانب الحوض قبل وضع طبقات التدبيش النهائية. وأعمال التدبيش نفسها تتكون من أربع طبقات متدرجة ومتفاوتة فى السماكة، يصل إجمالى سُمكها إلى حوالى 4 أمتار، تبدأ هذه الطبقات بأحجام دقيقة من الأحجار الصغيرة تتراوح بين 5 إلى 40 ملم، وتتدرج لتنتهى بأحجار ذات أوزان هائلة تصل إلى 2 طن. والجدير بالذكر أن الأحجار المستخدمة هى أحجار البازلت، وهو صخر نارى يتميز بالصلابة والمتانة الفائقة ومقاومة العوامل الجوية والتآكل، مما يجعله الخيار الأمثل للمشاريع الإنشائية البحرية التى تتطلب أقصى درجات التحمل، كما يبلغ ارتفاع أعمال التدبيش ما بين 12 إلى 18.5 متر فى بعض المناطق، حيث تتدرج المناسيب تباعاً، بدءاً من أعلى نقطة بجوار الوحدات وتتناقص تدريجياً كلما اتجهنا نحو شاطئ البحر. اقرأ أيضًا | الحلم تحقق.. كلمة الرئيس السيسي بمناسبة مراسم تركيب وعاء ضغط للوحدة النووية ميناء الضبعة .. بوابة الصرح العظيم ثم وصلنا إلى ميناء الضبعة.. على ساحل البحر الأبيض المتوسط، يقف كمنشأة بحرية فريدة أُنشئت خصيصًا لخدمة حلم مصر النووى.. هذا الميناء، الذى يبعد نحو 300 كيلومتر شمال غرب القاهرة، صُمم ليكون بوابة استقبال المعدات العملاقة والمكونات الثقيلة التى يحتاجها مشروع إنشاء أول محطة نووية لتوليد الكهرباء فى البلاد. وأوضح المختصون أن الغرض من إنشاء الميناء يتجاوز فكرة الميناء التجارى، إذ تم ترخيصه رسميًا لهيئة المحطات النووية لإدارة وتشغيل المحطة واستخدامه فى استقبال الشحنات البحرية القادمة لمشروع محطة الضبعة النووية، خصوصًا تلك المتعلقة بالمكونات الرئيسية للمفاعلات مثل وعاء ضغط المفاعل ومعدات الأمان النووى المتقدمة.. وسيتم استخدامه مستقبلًا فى جلب الوقود النووى وقطع غيار المعدات الضخمة على مدار عمر المشروع. خاصة أن أقرب ميناء هو ميناء الإسكندرية وهو بعيد جدًا ونقله من الإسكندرية إلى الضبعة يحتاج تجهيزات خاصة وتأميناً وبه مخاطرة كبيرة وتكلفة أكبر.. وحتى الآن الميناء استقبل 17 سفينة..وسيتم استقبال الوقود النووى بميناء الضبعة بمشيئة الله فى عام 2027. اقرأ أيضًا | قبل دقائق من الاحتفال.. أول صور لوعاء ضغط مفاعل الوحدة الأولى بمحطة الضبعة النووية العاملون فى المحطة.. إرادة تصنع المستحيل |المهندسون: نشعر بالفخر.. وسنحكى لأبنائنا عن مساهمتنا يسجّل مشروع الضبعة النووى واحداً من أعلى معدلات تشغيل العمالة المصرية فى المشروعات القومية الكبرى، إذ يعمل فى موقع المحطة نحو 30 ألف خبير ومهندس وفنى وعامل، يشكّل المصريون منهم قرابة 80%، وتتنوع العمالة بين كوادر هيئة المحطات النووية، والمهندسين والفنيين المتخصصين. مسؤولو الشركة الروسية المنفذة أكدوا أن كفاءة العمالة المصرية لفتت الأنظار بقوة، حتى أن بعضهم أشار إلى الاستعانة بخبرات مصرية فى مشروعات نووية تشرف عليها الشركة خارج مصر. وأكد العاملون داخل الموقع أن تجربة العمل فى المشروع تحمل طابعاً مختلفاً، يجمع بين الشعور بالمسؤولية الوطنية والالتزام المهنى..وأكدوا أنهم سيقولون لأبنائهم وأحفادهم إنهم كانوا جزءًا من آلة العمل داخل الحلم النووى. وأوضحوا أن وجود آلاف العمال والمهندسين المصريين فى مشروع بهذه الضخامة يمنحهم شعوراً كبيراً بالفخر، خاصة أنهم يشاركون فى بناء محطة ستشكل تحولاً مهماً فى مستقبل الطاقة فى مصر وتخدم ملايين المواطنين. وأشاروا إلى أن التدريب المستمر والاختبارات الفنية الدقيقة التى يخضعون لها رفعت مستوى الجاهزية لديهم، وجعلتهم جزءاً من منظومة عمل متكاملة تعتمد على أعلى معايير الأمان والجودة، وهو ما يتيح لهم اكتساب خبرات نادرة فى قطاع الصناعات النووية. اقرأ أيضًا | رئيس الوزراء: مشروع الضبعة النووي أساس لتحقيق رؤية مصر 2030 وأهدافها التنموية قوة اقتصادية ضخمة |استثمار استراتيجى يمنح مصر «هيبة» دولية يمثل مشروع الضبعة النووى واحداً من أهم الاستثمارات الاستراتيجية طويلة الأجل فى تاريخ مصر، ليس فقط لقدرته على توليد كهرباء مستقرة على مدار الساعة، بل لما يحمله من عوائد اقتصادية ضخمة تمتد لعقود، يتم تمويل 85% منها عبر قرض روسى ميسر بفائدة 3% سنوياً، بينما تتحمل مصر النسبة المتبقية البالغة 15% بتمويل ذاتى. أكد د. محمد سليم استشارى الطاقة النظيفة والمتجددة أنه بعد مشروع الضبعة من المتوقع أن يضيف المشروع ما يقرب من 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنويًا حسب تصريحات د. مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء، مما يعكس أهميته كقاطرة للنمو الاقتصادى، وعلى مستوى الطاقة، يوفر المشروع مصدراً ثابتاً للكهرباء يقلل الاعتماد على الوقود الأحفورى، ويساهم فى استقرار الشبكة الكهربائية، إضافة إلى دعمه المباشر لاستراتيجية مصر للطاقة 2035 باعتباره مصدراً نظيفاً خالياً من الانبعاثات. وأضاف أن العائد الاقتصادى سيمتد إلى ميزان المدفوعات، إذ يوفر المشروع كميات كبيرة من الغاز الطبيعى الذى كان سيُستهلك محلياً، بما يسمح بتوجيهه للتصدير وتعزيز موارد الدولة من العملة الصعبة، كما أن المشروع يضع مصر داخل النادى النووى العالمى ،حيث إنه لا يمنحها فقط قدرات إنتاج طاقة آمنة، بل يضيف إليها هيبة سياسية ووزنًا استراتيجيًا يعيد وضعها بين الدول ذات القدرات التكنولوجية المتقدمة. وإلى جانب العائد المالى، يلعب المشروع دوراً محورياً فى توطين التكنولوجيا النووية داخل مصر، فقد وُضعت مستهدفات متصاعدة للمكون المحلى تبدأ بنسبة لا تقل عن 20% فى الوحدة الأولى وتصل إلى 35% فى الوحدة الرابعة، بما يضمن مشاركة واسعة للصناعة الوطنية. كما يعمل بالمشروع حوالى 30 ألف عامل حوالى 80 ٪ منهم مصريون. المكان عبقرية الاختيار يرتبط اختيار موقع الضبعة بمسار طويل من الدراسات الدقيقة التى تمتد لأكثر من أربعة عقود، جعلته اليوم الموقع الأمثل لبناء أول محطة نووية سلمية فى مصر، وقد اختير منذ عام 1983 بين أفضل المواقع المرشحة على سواحل البحرين الأحمر والمتوسط وخليج السويس، بعد سلسلة مفاضلات علمية واسعة. منذ منتصف الثمانينيات خضع الموقع لمجموعة ضخمة من الدراسات الفنية شملت الجيولوجيا، والجيوفيزياء، والهيدرولوجيا، والزلزال، والطبوغرافيا، والديموغرافيا، وبيانات الأرصاد الجوية، إلى جانب الدراسات الجيوتقنية والبنية التحتية، وأكدت النتائج المتتالية ملاءمة الضبعة من حيث الأمان والاستقرار والقدرة على احتضان مشروع نووى ضخم. ومع تزايد التعاون الدولى، تابع خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراجعة تلك الدراسات بين 1985 و2019، عبر اجتماعات فنية وورش عمل، للتأكد من سلامة كل خطوة تتخذها هيئة المحطات النووية فى ما يتعلق بأمان الموقع وإعداداته الفنية. وفى عام 2017، قدمت الهيئة تقريرى تقييم الموقع والتقييم البيئى إلى هيئة الرقابة النووية والإشعاعية، كجزء من إجراءات الحصول على إذن الموافقة الرسمية، وبعد مراجعات صارمة استمرت أشهر، منحت الهيئة فى مارس 2019 إذن قبول الموقع، فى خطوة تعد إقراراً نهائياً بملاءمة الضبعة لإنشاء محطة نووية وفق المعايير المصرية والدولية.