بعد عقود طويلة من القطيعة والصراع والتجاذبات الحادة، وجدت العلاقات السورية الأمريكية نفسها أمام تحول غير مسبوق، فمع سقوط نظام بشار الأسد انتقلت دمشق من موقع الخصم التقليدى لواشنطن إلى حليف تفتح الولاياتالمتحدة معه صفحات سياسية وأمنية واقتصادية، فى مشهد كان مستحيلًا قبل سنوات قليلة. وأظهر هذا التحول الزيارة التى قام بها الرئيس السورى للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع إلى البيت الأبيض التى لم تكن مجرد لقاء بروتوكولى، بل إعلانًا عن دخول البلدين مرحلة جديدة، تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع رهانات إعادة الإعمار ورسم توازنات إقليمية مختلفة. اقرأ أيضًا | الشرع: تسليم بشار الأسد وباقي المطلوبين على رأس أولويات محادثاتنا مع روسيا وأكد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب رغبة بلاده فى منح سوريا فرصة للعودة إلى الاستقرار، متحدثًا عن توجهات أمريكية مختلفة عما كان سائدًا فى العقود الماضية، من جانبه، شدد الشرع على أن حكومته تسعى إلى بناء علاقات متوازنة مع الولاياتالمتحدة تقوم على الاستقرار بعد قرن من الاضطرابات. وتمثل مكافحة الإرهاب والقضايا الأمنية محورًا أساسيًا فى العلاقة الجديدة بين سورياوالولاياتالمتحدة، إذ يمتلك البلدان مصالح مشتركة متعددة فى الملفات الأمنية، حيث أعلنت دمشق استعدادها للانضمام إلى التحالف الدولى ضد تنظيم داعش والعمل على تفكيك ما تبقى من خلاياه. وتركز اهتمامات واشنطن على الحد من النفوذ الإيرانى والجماعات المسلحة المرتبطة بها، حيث تعهد الرئيس الشرع بالمساعدة فى مواجهة وتفكيك الحرس الثورى الإيرانى وحماس وحزب الله، معتبرًا أن انسحاب إيران من سوريا يشكل فرصة لإعادة ترتيب أولويات الدولة، كما طالبت واشنطن بطرد المقاتلين الأجانب، فى حين تدرس دمشق منح الجنسية لعدد من المقاتلين السابقين فى هيئة تحرير الشام لضمان احتوائهم ومنع تحولهم إلى مصدر تهديد. اقتصاديًا، انتقلت العلاقة من مرحلة العقوبات إلى التعاون، فقد أعلن ترامب رفع جميع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا رغم أن واشنطن أبقت جزءا من العقوبات معلقا لستة أشهر إضافية، فيما تنتظر العقوبات الأشد صرامة قرارًا من الكونجرس، وأوضح المبعوث الأمريكى توم براك أن الخطوة التالية يجب أن تشمل إلغاء قانون قيصر لتمكين سوريا الجديدة من إنعاش اقتصادها، فى ظل تقديرات البنك الدولى التى تشير إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تتجاوز مائتى مليار دولار. وتهدف هذه الخطوة إلى فتح الباب أمام الاستثمارات وتحسين الوضع الاقتصادى فى سوريا، حيث وجّه الرئيس الشرع دعوة للشركات الأمريكية للاستثمار فى قطاعات النفط والغاز السورى. وينظر إلى التقارب الأمريكى السورى الاقتصادى الجديد من زاوية المنافسة مع القوى العظمى، إذ تسعى واشنطن إلى منح شركاتها الأولوية على منافسيها الصينيين فى المناقصات والعقود المتعلقة بمختلف الصناعات فى سوريا، بما يضمن تحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية ملموسة للطرف الأمريكى. وعلى الصعيد الإقليمى، تعكس الزيارة ابتعادًا تدريجيًا لسوريا عن تحالفاتها السابقة مع إيرانوروسيا، مقابل تقارب متسارع مع الولاياتالمتحدة وتركيا ودول الخليج، حيث شهدت واشنطن اجتماعًا ثلاثيًا جمع وزراء خارجية الولاياتالمتحدة وتركيا وسوريا لبحث صياغة تعاون سياسى وأمنى جديد، تضمن مناقشة آليات دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة. ورغم الانفتاح المتزايد، تبقى العلاقة الجديدة مشروطة بجملة من الالتزامات، أبرزها تنفيذ خريطة طريق تشمل طرد المقاتلين الأجانب والفصائل المصنفة إرهابية، والتعاون فى ملف مراكز احتجاز عناصر داعش، والمضى فى عملية سياسية شاملة، ودعم العدالة الانتقالية وضمان حقوق الإنسان، إضافة إلى تسهيل دخول الشركات الأمريكية إلى قطاعى النفط والغاز، حيث تتبنى واشنطن نهجًا تدريجيًا يقوم على مبدأ «الخطوة مقابل الخطوة»، بحيث لا يقدم أى دعم إلا مقابل إجراءات ملموسة من جانب الحكومة السورية. ويمتد تأثير هذه التفاهمات إلى ملف العلاقة بين سوريا وإسرائيل، حيث تشهد المنطقة الحدودية توترات متزايدة نتيجة التوسع العسكرى الإسرائيلي، ما يضع الولاياتالمتحدة فى موقع الوسيط الذى يجب أن يسعى لإيجاد حلول وتوازنات. وقامت إسرائيل بتوسيع وجودها العسكرى فى جنوبسوريا بعد سقوط نظام الأسد، فى خرق لاتفاق وقف إطلاق النار عام 1974 بين سوريا وإسرائيل مما أثار استنكارًا من دمشق التى تعتبر أن أمن الأراضى السورية شأن سيادى لا يمكن التنازل عنه. وأثارت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو إلى جنوبسوريا جدلًا كبيرًا، إذ حملت رسالة مفادها أن إسرائيل لن تتنازل عن مصالحها الأمنية مما يعكس قلق إسرائيل من التقارب الأمريكى السورى، خاصة مع الاهتمام الكبير الذى أبداه ترامب بالرئيس الشرع، ما قد يدفع سوريا إلى تبنى مواقف تتعارض مع مصالح تل أبيب الأمنية. باختصار، تشكل هذه العلاقة الثلاثية حجر الزاوية فى السياسة الأمريكية الجديدة بالشرق الأوسط، حيث تحاول واشنطن استخدام التقارب مع دمشق من خلال رفع العقوبات لضمان أمن إسرائيل عبر الحد من النفوذ الإيرانى، وربما دفع سوريا نحو التطبيع، فى حين تظل الخطوات الأحادية لإسرائيل عامل ضغط مؤثرًا على المفاوضات الإقليمية. وتمثل العلاقة الحالية بين سورياوالولاياتالمتحدة تحولا تاريخيا، إذ انتقلت من سنوات طويلة من القطيعة والعداء، التى شملت توصيف سوريا كجزء من «محور الشر» فى عهد بوش الابن، إلى مرحلة من التواصل ومحاولة بناء علاقات إيجابية، ومع ذلك، تظل هذه العلاقة فى جوهرها شراكة تكتيكية، تهدف بالأساس إلى تحقيق مصالح أمريكية عاجلة، مثل الأمن الإقليمي، والحد من النفوذ الإيراني، لذلك يمكن وصفها بأنها تحالف مصالح مشروط أو شراكة استراتيجية مؤقتة، يختبر استمرارها بحسب مدى التزام الحكومة السورية بالخريطة الأمريكية والإقليمية المطلوبة.