وضعت الضربة الإسرائيلية التى كانت تستهدف عناصر من حماس فى العاصمة القطريةالدوحة العالمين العربى والإسلامى أمام لحظة انتباه واستنفار، بعدما تجاوزت تل أبيب خطوطًا طالما عُدّت محرّمة، وذلك بقصف دولة عربية منخرطة فى وساطة لإنهاء حرب غزة والإفراج عن المُحتجزين، جاءت الضربة كإشارة بالغة الدلالة على أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تبحث عن السلام، بل تسعى إلى تدمير كل جسور التفاوض والحل، والأغلب أن تفكيرها العقيم صوّر لها أن الخروج من المأزق والإفلات من العقاب لا يتحقق إلا عبر المزيد من التعقيد والتصعيد والقفز بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. فعلها نتنياهو فى غزة ثم لبنان وسوريا، وانتقل إلى اليمن وإيران، وكانت «قمة النار» فى قطر، ضربة من الصعب بل من المستحيل الصمت عنها، إنها تحدٍّ سافر وعربدة ضد دولة عربية ذات سيادة، تملك شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، فضلاً عن استثماراتٍ ضخمة فى الولاياتالمتحدة ودول غربية مؤثرة على المسرح العالمي. حماقة نتنياهو وضعت الرئيس دونالد ترامب وإدارته فى مأزق حقيقي، بعدما كان يراهن على حل الأزمة بدعم جهود الوسطاء ووفق ما عُرف ب «ورقة ويتكوف». إلا أن تبعات ضرب قطر تخطت مجرد استهداف عناصر من حماس، وأثارت قلق جميع حلفاء واشنطن فى الشرق الأوسط. وبينما تحدثت الدوحة بوضوح عن شعورٍ بالخيانة، فتحت الضربة الباب أمام مزيد من التصعيد العسكرى واستمرار سقوط الضحايا، وهذا المسار لا يخص قطر وحدها، بل يطال الأمن الإقليمى برمته، إذ أن استمرار النزيف العسكرى والإنسانى دون تحرك أمريكى جاد يضغط على حكومة نتنياهو لوقفه لن يؤدى إلا إلى اتساع عزلة واشنطن، وتهديد علاقاتها ومصالحها، وإبعاد ترامب أكثر فأكثر عن أى فرصة لقطف ثمار دبلوماسية وقف الحروب التى وعد بها عقب فوزه بالانتخابات، ومن ثم ضياع حلمه المُعلن بالفوز بجائزة نوبل للسلام. عقب الضربة اجتمعت العواصم العربية على موقف واحد اتسم بالوضوح والحسم لرفض العدوان على قطر، كانت لحظة توحد كبرى عكست رفضًا جماعيًا لسياسات الاحتلال وحماقة تصرفات حكومة نتنياهو، وكانت القاهرة حاضرة من اللحظات الأولى وعبرت عن إدانتها للضربة الإسرائيلية، إذ بادر الرئيس عبد الفتاح السيسى بالاتصال بأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، فأكد إدانة مصر البالغة واستنكارها الشديد لهذا العدوان، ورفضها القاطع لأى انتهاكٍ يمس سيادة قطر أو يهدد أمنها واستقرارها، وشدد الرئيس خلال الاتصال على تضامن مصر الكامل - قيادةً وشعبًا- مع الدوحة، باعتبار ما جرى عدوانًا استفزازيًا على دولة عربية شقيقة وتهديدًا غير مقبول للأمن القومى العربي، وحظى هذا الموقف بتقدير عميق من القيادة القطرية، التى أكدت من جانبها أهمية العلاقات الأخوية بين البلدين قيادة وشعباً، ولم يتوقف التحرك المصرى - القطرى عند حدود الإدانة والتضامن، بل امتد إلى تكثيف التعاون فى جهود الوساطة لوقف نزيف الحرب فى غزة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية شاملة. لم يقتصر التحرك المصرى على بيانات الإدانة، بل تجسد عمليًا فى زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطى إلى الدوحة، حيث نقل رسالة تضامن ودعم من الرئيس السيسى إلى شقيقه الأمير تميم، وأكد الوزير أن مصر تعتبر المساس بأمن قطر هو مساس مباشر بالأمن القومى العربى برمته، وتزامن ذلك مع قبول مصر المشاركة فى القمة العربية الطارئة فى الدوحة، فى خطوة تعكس إدراكها لمسئوليتها التاريخية فى توحيد الصف العربى والتصدى لمشروع الهيمنة الإسرائيلى. مصر فى قمة الدوحة العربية الإسلامية الطارئة تحمل رسالة توحد للعالمين العربى والإسلامى ضد إسرائيل ومن يدعمها مفادها: أن العرب مهما تباينت مواقفهم قادرون على الاصطفاف والاتفاق حين يتعلق الأمر بالعدوان والهيمنة، وأن سياسة إشعال الحرائق التى تمارسها حكومة نتنياهو تحرق كل فرص التعايش وتدفع نحو الحرب والدمار. حذر الرئيس السيسى مبكراً فى قمة القاهرة للسلام والتى انعقدت عقب أحداث 7 أكتوبر من مغبة التدخل العسكرى الإسرائيلى فى قطاع غزة، وأكد أن تصاعد العنف يدفع بالمنطقة إلى حافة حرب إقليمية واسعة، واليوم، بعد أن وقعت الكارثة بالفعل، تتجلى بصيرة القاهرة وصدق قراءتها للمشهد، لتثبت أن موقفها لم يكن مجرد دعوة دبلوماسية عابرة، بل رؤية بعيدة المدى لإطفاء النيران قبل أن تلتهم الجميع. كثفت القاهرة تحركاتها الدولية عقب الضربة الإسرائيلية التى استهدفت الدوحة، فى رسالة واضحة بأن مصر تعتبر ما جرى عدوانًا يهدد الأمن القومى العربي، فتوالت الاتصالات بين الرئيس مع قادة عدة، بينهم: أمير الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، والرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، ورئيس الوزراء العراقى محمد شياع السوداني، إلى جانب رئيس الوزراء البريطانى كير ستارمر، حذر فيها من خطورة التصرفات الإسرائيلية وما قد تجره من تصعيد إقليمى غير مسبوق. وندد الرئيس فى حديثه مع ستارمر بالاعتداء على قطر، وشدد على أن استهداف عاصمة عربية منخرطة فى جهود الوساطة هو عربدة سياسية وعسكرية، وحذر من استمرار هذا النهج وتبعاته على الإقليم والعالم، وأكد على رفض مصر القاطع لأى توجه نحو التهجير القسرى للفلسطينيين، واعتبره تهديدًا مباشرًا لمنظومة السلام الإقليمى وخطرًا داهمًا على استقرار أوروبا، فضلًا عن كونه انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. ورحّب الرئيس بنيّة لندن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهى خطوة لا يمكن التقليل من أهميتها إذا ما تحققت فعلًا، إذ تعطى دفعة قوية للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقد تشجع دولًا أخرى على أن تحذو حذوها، لكن الأهم أن هذه الخطوة تُبقى مشروع الدولة الفلسطينية حاضرًا فى مواجهة محاولات إسرائيل المستمرة لتصفية القضية ومحو حل الدولتين من الأساس. تذهب مصر إلى قمة الدوحة وهى تبحث عن حل لا عن مزيد من مسكنات.. لم تعد المنطقة تحتمل الحلول المؤقتة ولا الضغط الأمريكى الهش على إسرائيل والذى لا يعالج أصل الأزمة، فالمطلوب موقف عربى صلب يطالب الولاياتالمتحدة بلجم إسرائيل ووقف عدوانها والتراجع عن سياسات العربدة وجنون الهيمنة التى تدفع بالإقليم نحو الانفجار. إن المشروع الإسرائيلى لم يعد مرفوضًا عربيًا فقط، بل بات خطرًا داهمًا على الاستقرار الدولى ذاته، إذ يهدد المصالح الأمريكية فى المنطقة ويغذى بؤر التوتر والتطرف، فالاحتلال - بسياساته المتهورة- هو أكبر داعم للإرهاب. وإذا كانت إسرائيل تراهن على تفكك الأشقاء، فإن قمة الدوحة يمكن أن تكون اللحظة الفارقة التى تثبت أن العرب حين يتوحدون يغيرون المعادلة، ويعيدون رسم ميزان القوى، هى لحظة إثبات أن فلسطين ليست قضية هامشية، بل قضية مصير مشترك، وأن حل الدولتين ثابت وراسخ، غير قابل للتلاعب أو الالتفاف.