ياسين الشعرى تعد إشكالية الواقع والتخييل فى السيرة الذاتية من أهم الإشكالات التى شغلت بال المفكرين والنقاد الذين بنوا نظرياتهم وتصوراتهم عنها بناء على العلاقة الملتبسة التى تنسجها مع الكتابة والواقع. ويمكن التمييز فى هذه التصورات بين ثلاثة توجهات كبرى: توجه ينهض على اعتقاد أن السيرة الذاتية كتابة مرجعية تقوم على تصوير حياة مؤلفها وواقعه، فتقيم بذلك فى حدود الحقيقة والصدق، فالمؤلف ملزم بعقد ميثاق سردى مع القارئ يتضمن التزامه بقول ما هو حقيقى وصادق. ويعد فيليب لوجون أبرز من مثل هذا التصور. وتوجه ينكر ارتباطها بالواقعى والمرجعى، ويرى أنه لا يمكنها أن تنقل الحقيقة، وأن ادعاء المرجعية مجرد وهم يستولى على السير الذاتية. وتمثل هذا التوجه النظريات ما بعد البنيوية التى ترى أن الذات متشظية ومنشطرة، والإحالة على الواقع الخارج نصى وهمٌ. أما التوجه الثالث فيرى أن السيرة الذاتية فن مرجعى له صلة بحياة مؤلفه الذى يلتزم بحكى ما هو حقيقى، لكنه لا يعدم توظيف آليات التخييل، فهو كالرواية يستند إلى مختلف الآليات السردية التخييلية فى عملية الحكى، ولذلك فجمالية السيرة الذاتية وأدبيتها تنبع من هذا التجادل بين الواقع والخيال، بين المرجعى والتخييلي. وضمن هذا التوجه الأخير يتنزل كتاب «السيرة الذاتية النوع وأسئلة الكتابة» لعبد اللطيف الورارى، الصادر عن منشورات سليكى أخوين، الذى نهتم فى هذه الورقة بمحاورته والتفاعل معه والاقتراب من أهم الإشكالات التى أثارها عن السيرة الذاتية. السيرة الذاتية وجدلية الحقيقى والتخييلي يرى عبد اللطيف الورارى أن السيرة الذاتية نصٌّ مرجعيٌّ، هدفها ليس «أثر الواقعى» كما فى الرواية، بل الحقيقة، فالمؤلف محكوم بما هو واقعى، يسعى إلى أن يكون صادقاً مع نفسه، وأن يُنشئ ثقةً بينه وبين القارئ تتنامى طوال العمل وسيرورة تلقّيه، ولذلك فهو غالبا ما يلتزم بأنه يقدم الحقيقة مثلما تظهر له، أو مثلما يعرفها. وعلى الرغم مما قد يعترضه أثناء قيامه بكتابة سيرته الذاتية من سهو ونسيان، إلا أن الكاتب يرى أن السيرة الذاتية كتابة مرجعية، فالمؤلف، وهو ذات النص وموضوعه فى آن واحد، يريد أن يكون صادقاً وأن يحكى ذكرياته كما عاشها، أى يعيد إنتاج الحقيقة مثلما عاشها، والعالم وفق رؤيته. إنّه يصنع من حياته حَكْيًا، بمعنى أنّه يُكيّفها مع الإكراهات المرتبطة بالشكل السردى، فيعيد تشييدها حتى يكتبها(ص 39). بناء على ذلك، يعتقد الكاتب أنه لا يمكن تصور السيرة الذاتية بمعزل عن التخييل، فهى تنبنى فى إحالتها إلى الواقع المرجعى، كما تنبنى فى إحالتها إلى عالم التخييل والكتابة، ما دام أن المؤلف يُخضِعُ ماضيَه لعملية سردية معينة تتحكم فيها نظرة انتقائية، تُلزمه باستحضار أحداثٍ دون أخرى، والتستر على الأحداث الأكثر حميمية وارتباطاً بما لا ينقال. إلا أن ذلك لا يجعل من السيرة الذاتية حكياً كاذباً (ص81)، فمؤلفها شخص حقيقى يتقاسم مع السارد والشخصية التطابق الاسمى نفسه. ويتسم هذا التطابق بواقعيته، إذ يدل على أن الشخص قد وُجد وعاش بالفعل، ويستدعى الواقعى هنا الحقيقى. وترتبط السيرة الذاتية، رغم كونها تستنهض الماضى، بحاضر الذات، إذ تسترجع الماضى بناء على الوعى الحاضر، مع ما يقتضيه ذلك من إحداث مجموعة من التغييرات فى صلب الأحداث، فالمؤلف ليس مجبراً قط على إعادة تذكر الوقائع الماضية، لأنه بوسعه، عبر إدماج أفكار معاصرة فى الكتابة، أن يبرز التوتر بين الماضى والحاضر الذى سيظل غير مُدرك حدسياً. (ص 39) وهذا التوتر عائد بالأساس إلى كون السيرة الذاتية لا تكتب إلا بعد مُضى زمن طويل على الأحداث، وغالباً ما يكون ذلك فى فتراتٍ زمنية متأخرة من حياة المؤلف، بعد أن يتشرب معين الحياة، ويفهم مغزى ما وقع له، ويدرك كنهه. وقد سعى الكاتب بتحليله لمجموعة من السير الذاتية إلى أن يثبت أنها نصوص أدبية، تزاوج بين المرجعية والتخييل، فى سبيل إعادة تشييد حياة المؤلف وابتكارها، ومن بينها: «فى الطفولة» لعبد المجيد بن جلون الذى يلجأ فى عملية استحضار طفولته إلى الاعتماد على الخيال، ويتذرع به فى مغامرة تذويت أسلوب الكتابة واكتشاف هويته النصية على مناطه الخاص، فى مقابل ذلك، لا يستعين بمصادر خارجية إلا فيما ندر (محادثة الوالدين- وثائق- شهادات- مذكرات...). وينتهى الناقد إلى أن الخطاب السيرذاتى الذى ميز «فى الطفولة» كان يبنى مرجعيته الداخلية كنوع أدبى تمليه مقتضيات بنائه الفنى الخاص. (ص 141) السيرة الذاتية والهوية: من الاستحضار إلى إعادة الكتابة ترتبط السيرة الذاتية ارتباطاً وثيقاً بالهوية، بحكم أن صاحبها يسعى إلى تعريف القارئ بحياته وأحداثه الخاصة، غير أنها لا تقتصر، فى نظر الكاتب، على استعادة الهوية وما عاشته الذات فى ماضيها ونقله نقلاً حرفياً، وإنما تعيد الذات بواسطتها اكتشاف حياتها، وابتكار هويتها، وتأمل وقائعها، وتفسيرها تفسيراً جديداً، يتلائم مع الوضعية الحياتية والفكرية والوجدانية الجديدة التى أصبحت تعيشها، وهو ما يعنى أن السيرة الذاتية بحث عن الهوية، ومحاولة لإعادة بنائها على أسسٍ جديدة مغايرة لتلك التى كانت عليها فى ماضى الذات. وقد وضح الناقد هذا الأمر من خلال تحليله لسيرة «متاهة الإسكافي»، التى رغم الإحالات، والتواريخ، والأحداث، والوقائع المسرودة التى تشدها إلى مرجعها الحقيقى، إلا أنها تضيق لحساب سارد مفتون بتخيلاته، واستيهاماته، وهلاوسه، ومجازاته، بشكل يسمح بالقول إننا لسنا بصدد حياة مكرورة يتم استعادة مباذلها كما وقعت، بل نحن أمام تأليف جديد لحياة أخرى، يُعاد تأويلها ثانية (ص 150). فالأنا السيرذاتى لم يعبر عن نفسه إلا باعتباره بناء نصياً لا علاقة له مع مؤلف النص. وبالتالى فكتابة الذات فى العمل هى تخييل أكثر من كونه سيرة. يثبت ذلك أن السيرة الذاتية لا تنهض على استعادة الهوية التاريخية استعادة حرفية تتقيد فيها بما وقع، وتخضع لحتمية الحقيقة، وإنما تعمل على إعادة بنائها وابتكارها، من منطلق ذاتى محض، فالحقيقة فى السيرة الذاتية بناء ذاتى، والمؤلف ينقل ما يعتقد أنه حقيقى وصادق، وهذا ما يلغى حتمية التطابق، ليشرع السيرة الذاتية على النسبية والاحتمال، وهو ما يتضح أكثر فى السيرة الذاتية الشعرية التى تستعيد حياة الأنا وتكشف عن ماضيها الشخصى وفق ميثاق سيرذاتى تخييلى مغاير، نتعرف بناء عليه على سيرة ذات الشاعر وفق ما يمليه عليها الخطاب الشعرى المتوتر بين الواقعى والتخييلى على نحو يبلبل أى ميثاق ثابت، من ذات إلى ذات (ص 190)، إذ تختط السيرة الذاتية فى الشعر هوية سردية نابعة من بنيته، ومن لغته المجازية بما تحتمله من انزياح وقلب وتحويل. لقد سعى كتاب «السيرة الذاتية: النوع وأسئلة الكتابة» إذن إلى إعادة تقدير السيرة الذاتية، والنظر إليها بما هى فن أدبى يتوتر بين المرجعى والتخييلى، الواقعى والسردى، فيستعين بمختلف الآليات السردية التخييلية فى سبيل إعادة بناء الحقيقة وتشييد هوية الذات. وقد فتح الكاتب بهذا التصور الموسع المجال فى كتابه لدراسة مجموعة من الأعمال الإبداعية التى تنتمى إلى صنف الأعمال الروائية، بل إنه لجأ أيضاً إلى ربط السيرة الذاتية بالشعر. ونعتقد أن هذا التصور يساهم فى تمييع الحدود بين الأجناس الأدبية، وتقريب السيرة الذاتية من الرواية والشعر فى ظل غياب معيار دقيق للتمييز بين المرجعى والتخييلى، وأن إشارة الكاتب إلى استعانة السيرة الذاتية بالتخييل لملء الفراغات والفجوات فى مجرى السرد يطرح إشكالية كبرى تتعلق بمصداقيتها، بوصفها نوعاً أدبياً، يعقد مع القارئ ميثاقاً سردياً، يتعهد فيه بقول الحقيقة ولا شيء غيرها، الأمر الذى ينزاح بها من الواقعى والمرجعى والحقيقى إلى دائرة المصطنع والشبيه بالحقيقى، ويثير جملة من الإشكاليات التى تتعلق بالحدود بين الأجناس الأدبية، وطبيعة الكتابة فيها، وصلتها بالذات وبمفاهيم الواقع والمرجع والصدق، فهل يمكن مثلاً اعتبار الرواية العرفانية، التى درسها الكاتب فى الفصل الثالث من الباب الثانى، سيرة ذاتية بناء على أن الذات الساردة تماهى فيها بين صوتها وصوت الشخصية العرفانية؟ وهل يمكن إدراج المنجز الشعرى لكل من امرئ القيس وعنترة بن شداد وقيس بن الملوح والمتنبى وأبى القاسم الشابى وبدر شاكر السياب ومحمود درويش ونزار قباني، وهى منجزات تنطلق فى كثير من الأحيان من الذات، ضمن السيرة الذاتية؟ وهل يمكن فعلاً للإنسان أن يكتب سيرته الذاتية شعراً، وينجح فى ذلك؟ أم إن ما يكتبه يمكن إدراجه ضمن صنف التخييل الذاتى الشعرى، لا ضمن السيرة الذاتية الشعرية، فنكون حينها قد راعينا الحدود بين جنس وآخر؟