ومن هناك رأي الجمل بالفعل يهجم علي الكيس متصورا أنه الباسل، ضحك الباسل منه: أنا هنا يابن المركوب! لما اكتشف الجمل الخديعة «طق» ومات مقهورا. في إحدي حلقات مسلسل «دهشة»، يحكي الجد «الباسل» لحفيده حكاية من حكاياته: حين أمر جمله أن يبرك، لكن الجمل رفض، ظل الباسل يضربه حتي رضخ، في الليل ذهب لينام إلي جوار الجمل، لكن الناس نصحوه بأن ينام في مكان آخر حتي لا ينتقم منه الجمل، لم يصدق الباسل، فالجمل «صاحبه»! ولكنه احتاط ووضع كيسا مليئا بالحجارة مكان نومه، وصعد إلي الطابق الأعلي، ومن هناك رأي الجمل بالفعل يهجم علي الكيس متصورا أنه الباسل، ضحك الباسل منه: أنا هنا يابن المركوب! لما اكتشف الجمل الخديعة «طق» ومات مقهورا. هذه الحدوتة تلخص «مغامرة» كاتب السيناريو والحوار عبد الرحيم كمال، والمخرج شادي الفخراني؛ فأن تختار واحدة من أشهر المسرحيات العالمية، يعرف الكثيرون أحداثها، عولجت مئات المرات، مسرحيا وسينمائيا، وتقيم عليها دراما تليفزيونية، يجلس حولها الناس كل ليلة، ليترقبوا مايعرفونه، أو سمعوا عنه! فهذه «دهشة» المغامرة، خاصة أن رائعة شكسبير «الملك لير» التي بنيت عليها «دهشة « قد قدمها «الفخراني» نفسه علي المسرح القومي. بإخراج أحمد عبد السلام- منذ بضع سنوات ونالت نجاحا ساحقا. ماالذي يمكن أن يقال بعد ذلك؟! الكثير في الحقيقة؛ «الكنز» الذي خبأه الباسل لابنته، والذي خبأه صناع العمل لنا أيضا. بتبديل «بسيط» (أو هكذا يبدو!)، للأدوار، بين «الملك لير» وقرية نائية من قري الصعيد «دهشة»، تصبح القرية هي البطل الأول، وبعدها يأتي «الباسل حمد الباسل» أو «الملك لير « عند شكسبير. صحيح أن الباسل يظل محور العمل، لكنه ينغمس في هذه القرية كما يغمس «الفايش» في الشاي بالحليب دون أن نشعر بالغرابة! ليس بتمصير الدراما الشيكسبيرية بإضافة بعض الشخصيات، وليس باللهجة الصعيدية وحدها، وإنما بغمسها بكاملها في «إرث» قري الصعيد الذي نعرفه، بتقاليدها، وجمالها التي، حتي إن رضخت أمام القهر، ستصبر حتي الانتقام والثأر، فإذا لم تنلهما ماتت كمدا. الموسيقي الملحمية بآلات النفخ الزاعقة، كهدير الجمال، لعمر خيرت، والإضاءة المظلمة في أغلب المشاهد تخفيها وتظهرها كلوحة منحوتة في الصخور؛ صخور الصراع علي «الإرث»، الذي لم يعد إرث بنات الملك لير، أو بنات الباسل، وإنما امتد ليصبح صراعا علي «البنوة» ؛ بنوة «ابن الغازية» لأبيه، والصبر حتي الانتقام من الأب وابنه الشرعي، حين يصبح الصراع علي المال هو الوجه الآخر للصراع علي السلطة، كي يأخذ «عامر» العمودية، وحيث يتشبع الصراع علي الإرث بفكرة «الثأر» في قري الصعيد، الثأر الذي يجعل من الضابط الشاب وسيلة كي ينال أبوه من الباسل، والذي يجعل «أبوزيد» لا يري في زوجته، ابنة الباسل، إلا صورة من أبيها الذي قتل أباه، الصراع علي الإرث يمتد ليصبح صراعا علي «إرث السلاح» في قرية لا قانون لها سوي «القوة والمال»، وعلي امتداد كل هذا تخُبّ الجمال في صحراء الحماقة والكراهية والانتقام، حلقة وراء حلقة، تجتر حكاية الجمل القديمة الذي مات كمدا حين لم يستطع الانتقام من الباسل، سنري الجمال تخب في خلفية المشاهد حتي يتصاعد الصراع ويقتل تجار السلاح رجال عامر، لتظهر جثث القتلي من بعيد، في الليل، وإلي جوارهم تبرك الجمال، وسنري المشهد نفسه حين يطلع عليها النهار، كأنها تجتر قصة قديمة حدثت بالليل وستحدث مرة أخري بالنهار، حتي المشهد الأخير والباسل يبحث عن ابنته بين القبور، سنري الجمال مرة أخري في القبورالبدائية المصنوعة علي شكل جمال، وقد تناثر حولها القتلي، تجتر في ذروة الحكاية ذلك الصراع الذي لا ينتهي إلا بالموت؛ صبرا، أو قتلا، أو قهرا، في قرانا الصبورة القاسية النائية.