في الثاني من مايو عام1971 أصدر السادات قراره الأول بإقالة علي صبري من منصبه, قبل أن يصدر بعد أقل من عشرة أيام قراره الثاني بإقالة شعراوي جمعة. وهو ما دفع باقي المجموعة إلي إعلان استقالاتهم الجماعية في الإذاعة الرسمية بغرض إحراج الرئيس, وقد التقط الفريق صادق الرسالة بوضوحقليلة هي المذكرات التي تستحق القراءة, بعدما تحول كثير منها إلي وسيلة للابتزاز وتزوير التاريخ, ومذكرات وزير الحربية الأسبق الفريق أول محمد أحمد صادق, التي تحمل عنوان سنوات في قلب الصراع تستحق القراءة مرتين, لما تحتويه من معلومات مدققة, ووثائق دامغة, تكشف بين سطورها ملامح غاية في الصدق والوطنية, لرجل تولي تلك المسئولية الخطيرة, في سنوات هي الأصعب من تاريخ مصر الحديث. علي مدار عقود من الزمان كتب كثيرون, عن الأحداث التي صاحبت وفاة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر, وكيف نجح السادات في الانفراد بالحكم عقب انقلاب مايو عام1971, وتعددت الروايات حول هذا الحادث الذي لعب دورا كبيرا في تغيير ملامح مصر لعقود, لكن رواية الفريق صادق تظل هي الأكثر صدقا وحيادية, في حقيقة ما جري في تلك الأيام الملتهبة التي كان البلد لا يزال يعاني فيها من آثار عدوان1967, ويسعي بكل قوته لإزالة هذه الآثار, واسترداد الأرض والكرامة العربية. كان صادق يري صراحة وكان يشغل وقتها منصب رئيس الأركان أن يتسلم السادات مسئوليته كاملة كرئيس للجمهورية وفقا لنصوص الدستور, وقد كان ذلك أحد أسباب انفجار الخلاف بينه وبين الفريق محمد فوزي القائد العام للقوات المسلحة حينذاك, وقد كان فوزي يميل إلي إبعاد السادات, وأن تظل البلاد تحت ما يسمي ب القيادة الجماعية, أسوة بما كان يجري عليه الأمر في الاتحاد السوفيتي, لحين التوافق علي رئيس جديد خلفا للزعيم الراحل, وهو الأمر الذي كان ينظر إليه الفريق صادق باعتباره سوف يزيد من عدد المتصارعين علي السلطة, ما قد يفتح بوابات جديدة للجحيم علي مصر. كانت خطيئة مجموعة مايو, حسبما يري الفريق صادق في مذكراته التي نشرتها الأهرام في حلقات مسلسلة في أكتوبر من العام الماضي, تتمثل في تصوراتهم حول الرئيس, فيما كان صادق يثق تمام الثقة بأن السادات لم يكن ذلك الرجل الطيب الساذج الذي تخيلته مجموعة علي صبري, وإنما داهية كبير نجح في ضربة واحدة, في أن ينتزع صلاحياته كاملة, ويقضي في الوقت ذاته علي تلك المجموعة التي كانت تناوئه, وتقف كحجر عثرة في طريق ممارسته مهامه الدستورية كرئيس للجمهورية. ربما يكفي للفريق صادق أنه نجح خلال تلك الفترة الملتهبة, عقب وفاة زعيم بحجم جمال عبد الناصر, في أن يجنب القوات المسلحة نتائج الدخول كطرف في صراع بين أجنحة السلطة, عندما آثر أن يبتعد بجنوده, عن المشاركة فيما اعتبره لعبة خطرة للتآمر علي رئيس شرعي للبلاد, بما قد يعنيه ذلك من مخاطر محتملة قد ينزلق إليها الوطن, في وقت لا يزال يقف فيه العدو, علي بعد نحو مائة كيلو متر من العاصمة. في الثاني من مايو عام1971 أصدر السادات قراره الأول بإقالة علي صبري من منصبه, قبل أن يصدر بعد أقل من عشرة أيام قراره الثاني بإقالة شعراوي جمعة, وهو ما دفع باقي المجموعة إلي إعلان استقالاتهم الجماعية في الإذاعة الرسمية بغرض إحراج الرئيس, وقد التقط الفريق صادق الرسالة بوضوح, فبادر وقتها بالاتصال هاتفيا بالسادات ليبلغه وقد شعر بخطورة ما يجري, بأن القوات المسلحة خارج هذا الصراع, وأن ولاءها المؤكد سوف يظل للسلطة الشرعية في البلاد. في نفس الشهر عين الفريق صادق وزيرا للحربية, بعد اعتذارات طويلة من رجل, كان يطمح في أن يظل قابضا علي سلاحه وسط جنوده وضباطه استعدادا ليوم الثأر, قبل أن يقبل مضطرا تحت إلحاح من السادات, الذي فجر مفاجأته الكبري باعتقال مجموعة علي صبري كاملة, فيما عرف إعلاميا فيما بعد باسم مجموعة مراكز القوي. وتقرأ كثيرا من المذكرات التي صدرت عن تلك الفترة, فتكتشف أن معظمها يسعي للترويج لما حدث في مايو عام1971 باعتباره انقلابا من السادات ليس فحسب علي رجال عبد الناصر, وإنما علي ثورة يوليو, بينما الحقيقة تقول إن ما حدث لم يكن سوي صراع معلن علي السلطة في مصر, وفي مثل هذا النوع من الصراع, ينجح دائما من يأكل غريمه أولا.. قبل أن يأكله. [email protected]