عاجل- إصابات بالاختناق خلال اقتحامات الاحتلال لبلدات متفرقة في الضفة الغربية    بعد انخفاضات متتالية.. الذهب يحقق مكاسب أسبوعية تتجاوز 60 دولار للأوقية    أسعار الخضروات واللحوم والدواجن في الأسواق اليوم السبت 21 فبراير 2026    جرائم الإخوان في رمضان.. تجنيد المراهقين والشباب عبر التطبيقات الحديثة    أكسيوس: من التخصيب «الرمزي» إلى اغتيال خامنئي.. خيارات ترامب بشأن إيران    حياة كريمة بجنوب سيناء.. قوافل طبية لتوقيع الكشف الطبي على المواطنين مجانا    ضبط كميات ضخمة من الدواجن واللحوم الفاسدة    المرور في رمضان.. سيولة وخدمات ومراقبة    النيابة العامة تحيل محتكري الدواجن للمحاكمة الجنائية    وفاء حامد: الأسبوع الأول في رمضان مواجهة صادقة مع النفس| حوار    اتفاق نهائي، موعد تولي زين الدين زيدان قيادة منتخب فرنسا    أخطرها أول دقائق من الأذان، 8 سلوكيات خاطئة يجب تجنبها على الإفطار فى رمضان    سمية درويش: أغنية «قلب وراح» فتحت قلوب الناس لي    «ترامب» يفرض رسومًا جمركية 10% على جميع دول العالم.. والقرار يدخل حيز التنفيذ فورًا    مبادرات عظيمة يعرف قيمتها من استفاد منها    الداخلية تعلن تفاصيل ضبط المتهمين في واقعة باسوس: الطفل ووالده مصابان.. والجناة أقارب الأم    انقلاب تريلا محملة بالطوب الأبيض في سوهاج    دماء بين "النسايب" فى باسوس.. كواليس هجوم "خال الزوجة" على صاحب مصنع وطفله بالرصاص.. المتهم وأبناؤه يمزقون جسد نسيبهم بخرطوش الغدر بالقليوبية..المتهمون يعترفون بارتكاب الجريمة بسبب خلافات أسرية    إدارة دونالد ترامب تخطر الكونجرس بخطة لإعادة فتح السفارة الأمريكية في دمشق    «إفراج» الحلقة 2.. عمرو سعد يقترب من الوصول لشقيقه الهارب    سمية درويش تتحدث عن تأثير سعاد حسني على مسيرتها    وزير الأوقاف يتفقد معرض الكتاب بساحة مسجد سيدنا الحسين    6 ميداليات لفراعنة السلاح في خامس أيام بطولة أفريقيا    تحالف مفاجئ وزواج بالإجبار.. مفاجآت في الحلقه 3 من مسلسل «الكينج»    الجماعة الإسلامية في المعارضة.. طارق رحمن يقود حكومة بنجالية واسعة تميل لرافضي "حسينة"    راتكليف يتفادى العقوبة من الاتحاد الإنجليزي بعد تصريحاته ضد المهاجرين    سيميوني: لست داخل رأس ألفاريز لمعرفة مستقبله    نوران ماجد في مواجهة يوسف إبراهيم في الحلقة الثالثة من مسلسل "أولاد الراعي"    لليوم الثالث على التوالي.. مصطفى شعبان حديث السوشيال ميديا بمسلسل "درش"    جوارديولا: ما زال رودري ليس في أفضل حالاته بسبب عودته المبكرة من الإصابة    بريستياني لاعب بنفيكا يقر بإهانة فينيسيوس بعبارات للمثليين أمام "يويفا"    الداخلية تكشف تفاصيل فيديو إطلاق الرصاص علي صاحب مصنع ونجله في القناطر    الدبابة في الطريق ل«الليجا».. ديانج يجتاز الكشف الطبي للانضمام إلى فالنسيا    مكاسب في وول ستريت بعد قرار المحكمة العليا رفض رسوم ترامب الجمركية    الدولار يواصل الصعود.. طلب متزايد وشح معروض يعيدان الضغوط إلى سوق الصرف    لضخ دماء جديدة، محافظ الوادي الجديد تصدر قرارا بنقل وتصعيد رؤساء المراكز ونوابهم    هاني قسيس    أشرف محمود: الخاسر الحقيقي في رمضان من قدم الدراما على القيام    دعاء الليلة الثالثة من شهر رمضان.. نفحات إيمانية وبداية رحمة ومغفرة    ما حكم مراسلة مقامات آل البيت بالرسائل المكتوبة؟.. المفتي يوضح    المفتي: إخراج الزكاة نقدا أو حبوبا كلاهما صواب وصحيح    للباحثين، صور خيانة الأمانة العلمية في الجامعات وفق دليل النزاهة الأكاديمية    مدرسة شوبير ولا مدرسة إبراهيم فايق في الإعلام الرياضي؟.. سيف زاهر يكشف رأيه    مقتل رجل على يد شقيقة في الأقصر بطلق ناري بسبب الميراث بثاني أيام رمضان    «مستشفى أبوتشت العام» تجري جراحة لاستئصال كيس على المبيض مع الحفاظ على الخصوبة    بوتين يوقع قانونا يلزم شركات الاتصالات بتعليق تقديم خدماتها بطلب من الأمن الروسى    أخبار × 24 ساعة.. الأزهر يقدِّم طالب بكلية الطب كأول طالب جامعى يؤم المصلين فى الجامع الأزهر    أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. إجلاء مئات الجنود الأمريكيين من قطر والبحرين تحسبًا لهجوم إيرانى محتمل.. 10 قتلى فى غارات إسرائيلية على لبنان.. ترامب يتعهد برفع الرسوم الجمركية عالميًا 10%    صيام "الجوارح الرقمية".. تحديات الخصوصية الروحية للمرأة المعاصرة    هند صبرى تخطو أولى خطواتها بعالم المخدرات فى مسلسل منّاعة    يوسف عمر يقود ماجد الكدوانى لبداية جديدة فى كان ياما كان    أشهر بائع زلابية فى كوم أمبو بأسوان.. يعمل فى رمضان فقط.. صور وفيديو    أولمبيك مارسيليا يسقط بثنائية أمام بريست في الدوري الفرنسي    توصيات برلمانية بشأن تحقيق استدامة التغطية الشاملة في منظومة التأمين الصحي    أوقاف الأقصر تفتتح مسجدين في الجمعة الأولى من شهر رمضان المبارك    "الأعلى للجامعات" ينظم فعاليات لدعم البرامج البينية وتعزيز التعاون مع جامعة الأزهر    انطلاق المرصد الإعلامي لرصد الدراما الرمضانية للعام 11 على التوالي بالقومي للمرأة    إنجاز مصري مشرف في المعرض الدولي للاختراعات بالكويت 2026    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفائزة بجائزة الشيخ زايد فى دورتها الأخيرة ل«الأهرام العربي»: العيش تحت الاحتلال مرهق وصعب
نشر في بوابة الأهرام يوم 19 - 05 - 2021


التكنولوجيا الحديثة والقراءة لا تعارض بينهما
الإنسان العربى فى مأزق حضارى بسبب الأمية التى يعيشها
أكدت الكاتبة والشاعرة الفلسطينية الأمريكية، ابتسام بركات أنها فازت بجوائز عديدة للإبداع الأدبى فى اللغة الإنجليزية. لكن الفوز بجائزة عالمية للكتابة بلغتى الأم، لا يعادله أى فوز آخر، خصوصا أننى أعيش فى أمريكا ولا أسمع حتى كلمة عربية واحدة على مدى العام، إن لم ألاحقها لأسمعها وتسمعني.
ابتسام بركات، كاتبة وشاعرة وفنانة تشكيلية فلسطينية أمريكية، ومؤلفة ذاع صيتها بعد كتاب «تلمس السماء: طفولة فلسطينية»، ولدت فى بيت حنينا شرق القدس، ودرست الأدب الإنجليزى فى جامعة بير زيت وتخرجت فيها سنة 1986، وتحمل درجتى ماجستير، وتكتب وتنشر باللغتين، العربية والإنجليزية، وترجمت أعمالها إلى لغات عالمية عديدة منها الفرنسية والإسبانية والكتالانية والهولندية والكورية والفارسية وغيرها، لها العديد من المؤلفات التى ترجمت لعدة لغات، منها: "شرفة على القمر"، "التاء المربوطة تطير"، "هدية للهمزة". وحازت على أكثر من ثلاثين جائزة وتكريماً، منها جائزة "جمعية القراءة الدولية" فى نيويورك، لتكون الكاتبة الأولى والوحيدة من الكتاب العرب التى تفوز بهذه الجائزة منذ تأسيس الجمعية فى سبعينات القرن الماضي.
وقالت فى حوارها مع "الأهرام العربي" إن أهم عناصر الكتابة للطفل بنجاح هى احترام الطفل والطفولة والإصغاء إلى ذلك العالم على أنه أهم ما فى الوجود، وهو كذلك لأن الحضارات الناجحة تبنى على أشخاص تطوروا عبر طفولة لم تحطمها أو تسجنهم فى أفكار خاطئة عن أنفسهم أو العالم.
فزت بجائزة الشيخ زايد للكتاب للإبداع فى فرع "أدب الطفل والناشئة" عن قصة "الفتاة الليلكية" كيف استقبلت هذا الفوز؟
فزت بجوائز عديدة للإبداع الأدبى فى اللغة الإنجليزية. لكن الفوز بجائزة عالمية للكتابة بلغتى الأم، لا يعادله أى فوز آخر، خصوصا أنى أعيش فى أمريكا ولا أسمع حتى كلمة عربية واحدة على مدى العام إن لم ألاحقها لأسمعها وتسمعني. لهذا حين عرفت بخبر الفوز صرت مثل الفتاة الليلكية نفسها فى القصة الفائزة، هى ترسم منزلها بدموعها الملونة، أما أنا فتدحرجت دموعى ملونة على وجنتى بكل ألوان العواطف، الانتصار على الغربة، الدهشة، الفرح، الحب، والأمل بمواصلة طريق الإبداع فى اللغة العربية إلى جانب الإنجليزية. وتخيلت جداتى عبر التاريخ يزغردن من البهجة.
تعيشين خارج فلسطين، ماذا اكتشفت عن علاقة الغربة والأدب؟
الأديب فنان فى اللغة. والفنان مغترب أينما عاش، هو بحاجة للسفر بطريقة ما، بحاجة للاغتراب، وترك المعلوم صوب المجهول كى يحوله إلى معلوم جديد فتتسع الصورة المعرفية المضاءة وتتضح الرؤية. قد يكون هذا الاغتراب السفر فى التاريخ المنسى، الذى صار غريبا بفعل الزمن والتغير بعد أن كان معروفا. الكاتب المبدع من تجربتى إنسان فضولى يعدو نحو فضاءات لا تنتهي. يقض مضجع الأسئلة، مثلما تقض مضجعه الأسئلة، يفض أغلفة الرسائل الفكرية بصحوة ولحظه القوي. إنه إذا كان أمينا هو بوصلة المجتمع نحو التطور الجرئ.
ما الشىء المهم الذى أعطاه المهجر للأديبة "ابتسام بركات"؟
أهم ما حصلت عليه فى المهجر هو حريتى وإدراك معنى مسئوليتى عن نفسى, والذى يعنى أن أتصرف على أنى أمتلك نفسى وكل قراراتي. كم كانت غريبة هذه الفكرة بعد أن تربيت تحت الاحتلال وكل قرارات حياتى المهمة بيد الآخرين. الاحتلال، ليس فقط الاحتلال بمفهومه الدارج، لكن أى نوع من أنواع الاحتلال، فى أبسط تعريفاته، هو خسارة فرصة معرفة النفس وامتلاك النفس والتعبير عن النفس.
العيش تحت الاحتلال كان مرهقا وصعبا. والفنان الذى يظل على علاقة حية ودائمة مع مشاعره قد يكون أكثر حساسية للظلم من الإنسان الذى يحصن نفسه بدفن المشاعر أو إنكارها أو تحجيرها أو إغراقها بالإدمانات الكثيرة، لهذا فالأشياء التى كان يتعايش معها الناس على مضض كانت تؤلمنى بعمق. كنت أحس بجراحى وبجراح الآخرين أيضا، لكن لا أتمكن من التعبير عنها من اجل فهمها. فى المهجر صرت أقوم بهذا فى كل يوم.
ما الذى سرقه المهجر من الأديبة ابتسام بركات؟
لم يسرق المهجر منى شيئاً, إنما طلب الثمن وجها لوجه، وهو ثمن باهظ فيه لم تكن معى لغتى الأولى، وكل ما عرفت على مدى الأعوام العشرين الأولى من حياتي. ولكنى قررت أن لا أرى المهجر على أنه خسارة واستبدال عالم بعالم آخر، وإنما اتساع فى الانتماء أى صرت أنتمى إلى عالمين وليس إلى عالم واحد ولهذا السبب بالضبط واظبت على فلاحة اللغة العربية إلى جانب الإنجليزية، ودافعت بكل ما فى على الإبقاء على حضارتى العربية وثقافتى الفلسطينية كجزء من حياتى الأمريكية ومزجهما معا. المحافظة هنا أقصد بها التطوير وليس المحافظة على حضارة متجمدة، لأن عدم التطور يعنى التأخر والموت.
ماذا عن قصة "الفتاة الليلكية" الفائزة بجائزة الشيخ زايد للإبداع فى أدب الطفل والناشئة؟
إنها أول كتاب للأطفال باللغة العربية أو الإنجليزية يدخل القارئ إلى عالم "النكبة" الفلسطينية، وكيف تؤثر على الطفل الذى خسر وطنه وصار تاريخه جرحا مؤلما. الكتاب يزحزح الحمل العاطفى الثقيل عن الطفل والقارئ، ويحول طاقة الحزن إلى طاقة فنية. هذه قصة لا تتوقف عند نكبة فلسطين، ولكن تعبرها إلى نكبات كثيرة فى العالم يعانى منها الأطفال الذى يخسرون الكثير ولا يعرفون كيف يتعاملون مع عالم لا يتوقف عن سلبهم إحساسهم بالأمن والانتماء. تكتشف الطفلة بطلة القصة أن كل الحلول التى تحتاجها موجودة معها فى داخلها، إذا استخدمت خيالها، وهنالك طرق فنية ورمزية لإنجاز كل شىء إذا استحالت الطرق القديمة.
الكتابة للناشئة ولليافعين أصعب بكثير من الكتابة للبالغين، أين تكمن هذه الصعوبة؟
معظم الناس لا يحترمون الأطفال والطفولة، وحين يرغبون بإهانة شخص يتهمونه بأنه يتصرف كالأطفال، لهذا يتصرف عدد كبير من الكتاب على أن الكتابة للناشئة هى إضاعة وقت وتبذير موهبتهم على قرّاء لا قيمة عالية فى المجتمع لهم، وقد يكون أن الكتّاب بشكل عام قد نسوا تماما ماذا يعنى أن تكون طفلا، لأن الطفولة فى العالم على مدى العصور، إلا أخيرا فى العالم المتقدم فكريا واجتماعيا، تعد من المراحل المأساوية من حياة الإنسان، حروب ومجاعات وعنف فى المنازل والمدارس وخوف، فتصير الطفولة عالما يريد أن يهرب منه الإنسان وليس أن يعود إليه عبر الكتابة.
كيف يمكن للكاتب لفت أنظار الناشئة نحو القراءة وتشجيعهم عليها فى ظل هيمنة وسائل التكنولوجيا الحديثة؟
التكنولوجيا الحديثة والقراءة لا تعارض بينهما.المهم هو محتوى التكنولوجيا والتأثيرات الإيجابية والسلبية وطرق التعامل مع التكنولوجيا. التكنولوجيا هى نتاج القراءة المتطورة والطريق الذى لا يتوقف فى العلم والقراءة بطرق لا متناهية. أرى أن أهم ما فى العلاقة مع أى شىء مثل التكنولوجيا هو التوازن فى استيعاب التطور وإنتاجه.
من أين تشكلين عالمك القصصي؟
تأتى لغتى وكتابتى من رغبتى فى المغامرة والاكتشاف. وأنا شغوفة بعالم اللغة فأريد أن اكتشف ماذا يمكن انجازه من حل مشكلات وعبور آفاق جديدة عبر اللغة. . .الكثير من المعرفة والتجارب الإنسانية ما زالت خارج اللغة ولم يتفق الناس على الاعتراف بها أو إعطاء أسماء لها، لهذا فإن الطبيعة تساعدنى كثيرا، أمشى عدة أميال فى كل يوم لأشحذ لغتي: اللغة ملتقى الموسيقى والمسرح والقصة والتاريخ وكل أنواع المعرفة، وتتغذى بقوانين الطبيعة. إنها تقاطع طرق غير متناهية.
تعددت ألوان إبداعاتك ما بين الرواية والفن التشكيلى والشعر والقصة وكتابة أدب الأطفال والترجمة، فهل يختزل أحدها الآخر؟
الإنسان عالم بنوافذ لا نهاية لها، والحياة رحلة اكتشاف للنفس لا تتوقف، هذه النفس الإنسانية الشاسعة لها مداخل ومخارج كثيرة، هذا مدخل يطل على بحور الشعر، وهذا يطل على جبال النثر، وهذا يطل على رسوم الماضى، وهذا يطل على روايات ستأتى مثل غيم ليروى عطش الإنسان والحضارة، والفنون تعبر عن هذه المداخل والمخارج والاكتشافات والتجارب، مثلا الفنون السمعية لها علاقة بالأذن، والبصرية لها علاقة بالعين وهكذا، وجميعها يقول لنا إن الإنسانية لا يمكن تحجيمها بتعبيرات متفق عليها ومعروفة وانتهى الأمر، التعددية هى سنة الإبداع والوجود والتطور، وكلما فهمنا هذا أسرع تطورنا وتصالحنا مع أنفسنا، أسرع وتوقفنا عن وأد الكثير من أنفسنا، ولا أظن أن النافذة الشرقية لمنزل ما، التى تسمح لنا برؤية الشروق وروعته تختزل النافذة الغربية التى تسمح لنا برؤية الغروب وسحره.. لا شيء يختزل أى شيء، لكن قد يختزنه حتى تحين الفرصة للحرية والحياة.
الإبداع الأدبى فى لغتين، ما الفارق بين العربية والإنجليزية عند الكتابة؟
الإبداع فى أى مجال هو حالة من الاهتمام العارم. وأنا أحب هاتين اللغتين بعمق وبشكل متوازٍ. حين أتيت إلى أمريكا فى بداية رحلتى، رفضت أن أبدأ بتغذية اللغة الإنجليزية بينما تجوع العربية فى عالمي. وقررت أن أخوض تجربة الأدب فى العربية والإنجليزية معا. كان حملا ثقيلا، لكنه كان حلما لا بد منه. لقد خسرت وطنى ولم أرغب بخسارة لغتى أيضا.
الفرق بين اللغتين عند الكتابة هى أن الكتابة بالعربية موجهة لقارئ له قيم وحضارة وتاريخ وصعوبات وأسئلة تنبع من عالمه، والكتابة بالإنجليزية موجهة لقارئ له قيم وحضارة وتاريخ وصعوبات وآمال تنبع من عالم آخر وليست كقيم قارئ العربية. أرانى ككاتبين فى نفس الإنسان، لهذا أحب كلمة إنسان، لأنها صيغة مثنى، أنس وأنس، عندى أنس عربى الحضارة، وأنس غربى الحضارة، وأنا كلاهما: إنسان . . . تؤنسنى حضارتان وأبنى جسورا إنسانية بينهما.
هل الكتابة بالإنجليزية أعطتك حضوراَ وشهرة أكثر من العربية؟
الإنجليزية أعطتنى حضورا عالميا بسبب كونها اللغة الأكثر حضورا فى العالم فى هذا الوقت من تاريخ الإنسانية، وبسبب أننى قدمت أعمالا فتحت أبوابا لقضايا لم تكن قد فتحت من قبل، مثل كتاب "تذوق طعم السماء - طفولة فلسطينية"، الذى حاز على جائزة القراءة الدولية كأفضل كتاب، وهو الوحيد لكاتب عربى حاز على هذه الجائزة منذ تأسس الجائزة قبل أكثر من أربعين عاما، ووصل إلى الطبعة 11 قبل أن يصدر فى طبعة إلكترونية.
لك العديد من الإصدارات التى حققت شهرة واسعة، ماذا عنها؟
كل كتاب كتبته أعاد لى شيئا من نفسى وعالج قضية كانت تؤرقنى بشدة. أيضا رفعنى فوق أنقاض حياتى لأرى بوضوح أكثر وأقوم ببناء إدراك خاص بي. كتاب تذوق طعم السماء: طفولة فلسطينية أعطانى طفولتى التى ضاعت فى الحرب، أعاد صياغتها وصار كتابا عالميا، لأنه أعطى القارئ تجربة لم يعرفها، وقد دخلت فى الكتابة من مدخل الفرح بالعثور على جزء من نفسى كان قد ضاع منى وليس من مدخل الحزن والغضب على أنى أضعته.
كتاب "بلكونة على القمر" يواصل كتاب تذوق طعم السماء ويدخل إلى سنوات المراهقة فى فلسطين. الكتابان حازا على أكثر من 30 جائزة وتكريم. وعبرهما أنا حزت على أجزاء من نفسى كانت ضائعة مني. وكتاب التاء المربوطة تطير، حررت فيه الأنثى المربوطة السجينة عبر تحرير التاء المربوطة وحوار الأبجدية حول أدوار الحروف فى اللغة.
كتاب هدية للهمزة أصحح فيه بطرق إبداعية الخطأ الشائع أن الهمزة ليست حرفا كاملا. وكتاب الجرة التى صارت مجرة يفتح باب تحويل القديم إلى جديد من غير ترك القديم، وإنما تطويره فالمجرة هى جرة، لكن بإضافة حرف الميم. أما كتاب الفتاة الليلكية يعالج أهمية عدم التوقف أمام الحواجز ومواصلة الطريق بأدوات جديدة. والكتاب الذى سيصدر قريبا هو عن العيش فى عالمين، وعنوانه وطنان فى قلب عمر.
هذه الكتب تفتح قضايا تهمنى شخصيا وتهم الإنسانية، لهذا نجحت لأن القراء يجدون فيها متعة العثور على ضوء كانوا يبحثون عنه. الفنان مثل الطبيب الذى يجرب الدواء على نفسه أولا. إذا حررنى النص على الأغلب فإنه سيحرر القارئ أيضا.
فى ظل انحسار جمهور الشعر، وتكاثر الشعراء كماً لا كيفاً، على ماذا تراهن قصيدتك؟
الشعر لم ينحسر ولن ينحسر مطلقا، الشعر هو قمة أمل أى لغة وتعبيرها عن تجربة الناطقين فيها، مادام أن هنالك لغة وإنسان يشعر - هنالك شعر ولكن قد يتغير شكل القصيدة وتصير قصيدة بصرية أو سمعيه مثل الأغانى وهكذا، لكن الشعر كقيمة وكلغة فى أمان على مدى العصور فى رأيى لأنه تعبير عن جذوة الإنسانية، أى المشاعر، لهذا اسمه الشعر. الشعر اللغوى هو فقط مجال واحد من فنية التعبير عن المشاعر. إذا لم نوسع وعينا لرؤية كيف تتحول التعبيرات الإنسانية عبر العصور سنحس بالخسارة للقديم. لكن لو نظرنا من مدار أوسع ستتضح صورة أكبر.
نعيش أوقاتًا صعبة وتاريخية فى بلداننا العربية الآن، وأسألك: ماذا تفيد الكتابة فى أوقات كهذه؟
الإنسان العربى فى مأزق حضارى بسبب الأمية التى يعيشها، حاليا ولمدة قرون، تقريبا الإنسان، العربى لم يخرج من الأمية الفكرية وأميات كثيرة - أمية حل المشكلات وأمية الحفاظ على الصحة وأمية الحوار البّناء وأمية النظر إلى الماضى من أجل بناء المستقبل وأمية مفهوم الحرية الفردية والجماعية. هنالك سببان فى رأيي: الأول هو حال المرأة المتردى فى العالم العربى، والعنف والتحرش والفقر والجهل، وهى تربى الأطفال الذى يحملون نفس القيم التى تعيشها. يعنى حال أى دولة حقا معياره هو حال الأمهات. هن المصفاة التى تعبر منها الحضارة وإن كن فى حال ممزقة، فالحضارة ستسقط فى عالم من التمزق.
السبب الثانى هو غياب الكتابة الأمينة والتوثيق على مدى طويل. الشعوب تتطور عبر كتابة تجربتها الفاشلة وتجربتها الناجحة بأمانة حتى تتمكن الأجيال من معرفة ما جرى فى الماضى من وجهة نظر تخصها، وما يجب أن يحدث فى المستقبل من أجل التطور. الكتابة تعطى البوصلة والبيانات اللازمة لمواصلة التجربة الاجتماعية بنجاح، وليس تكرار نفس المشكلة التى تقوم به المجتمعات التى لا تقرأ.
يعيش العالم حالياً حالة من الخوف والقلق بسبب فيروس كورونا.. كيف يكون دور الأديب والمبدع هنا؟
ليس هنالك تقدم وتطور من غير مأزق، الحياة هى سلسلة من المآزق نستخدم عقولنا وإبداعاتنا فى عبورها، لهذا هى شيقة وممتعة ومؤثرة، وغير مملة مطلقا بإمكان الأديب لفت نظر الناس إلى الإمكانات الإيجابية من استثمار الوقت فى تحقيق أحلام لم يكن بالإمكان تحقيقها فى السابق، بسبب عدم التمكن من البقاء فى المنزل. أيضا هذا وقت مهم للتعرف على النفس. عمل الأديب هو لفت الأنظار إلى الأبواب المفتوحة التى لا يلتفت إليها الناس فى وقت المعمعة. لكن الكاتب يعرفها لأنها فى حال من البحث عن الأبواب على مدار العام.
إذا عدنا معًا إلى مرحلة البدايات، وسألنا عن الأدباء والكتاب الذين تأثرت بهم، فماذا تقولين؟
من العظماء الذين ألهمونى الصحفى المصرى الكبير أحمد بهاء الدين، الذى كان رئيسا لتحرير جريدة الأهرام فى فترة ما. كنت فى الخامسة عشرة حين التقينا عبر مجلة العربى التى كان يحررها فى الكويت، وهو كان فى الخمسينيات من عمره، وتطور وعيى بشكل عظيم من المراسلة معه. هذا المفكر العظيم له تأثير كبير على حياتى الأدبية لأنى تراسلت معه ما يقارب ثمانية أعوام. وقد شجعنى على الكتابة بلا توقف من أجل تطوير قدراتى التعبيرية. أحب أن أبعث لروحه بألف وردة عطرة ونسخا من كتبى المؤلفة بالعربية والإنجليزية، وأقول له: شكرا من كل قلبى وقلمي. أذكر أنى حين التقيت به فى القاهرة جلسنا نتحدث فأخرج قلمه وسألني: هل تحبين أن أهديك قلمى فتكتبى بقلم أحمد بهاء الدين؟ أجبته: لكن عندى قلمي. فقال لي: الآن أعرف أنك سيكون لك مستقبل مضيء.
بعد هذا التراكم اللافت للنظر من النتاج الإبداعي.. كيف وجدت المقاربات النقدية لأعمالك؟
نعم ينصفنى النقاد وأحترم ما يقوله النقاد، وأشكرهم قبل كل شيء على القراءة فالناقد قارئ، مع أنى وجدت بعض النقاد ممن يقومون بالنقد من غير القراءة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.