هل يعود الاتحاد السوفيتى من جديد بعد تفككه فى القرن الماضى ؟ ماهى الأهداف الكامنة وراء توجه الدب الروسى لإقامة تكتل اقتصادى يضم دول الاتحاد السوفيتى السابق؟ هل هناك حرب اقتصادية يشنها الغرب والولاياتالمتحدة ضد روسيا؟ وماهى دوافعها؟ أثيرت كل هذه التساؤلات وغيرها منذ الإعلان عن تشكيل الاتحاد الأوروآسيوى بين روسيا الاتحادية وبيلاروسيا وكازاخستان في مايو من العام الماضي ولا يزال الجدل محتدما حولها رغم دخول الاتحاد حيز التنفيذ في مطلع العام الجاري. وكان الاتحاد الاوروآسيوى قد بدأ فى صورة اتحاد جمركى بين الدول الثلاث في العام الماضى ليتحول في مطلع الشهر الجاري الي الاتحاد الاوروآسيوى والذى من المنتظر ان تنضم اليه أرمنيا وقيرغستان في وقت لاحق كبداية لتحقيق حلم التكامل الأوروآسيوى الذي تكمن اهدافه فى تشكيل سوق موحدة واتاحة المزيد من الفرص للتحرك الحر للسلع والخدمات والاستثمارات والقوى العاملة. ويتوقع ان يسهم الاتحاد الاوروآسيوى فى خلق تكتل اقتصادى موحد تبلغ مساحته الاجمالية 20.2 مليون كيلو متر مربع اي اكبر بخمسة مرات من مساحة الاتحاد الاوروبى بالكامل وبنحو ضعفى مساحة الصينوالولاياتالمتحدة. ويبلغ عدد سكان الأعضاء الخمسة مجتمعة نحو 180 مليون نسمة اما الناتج القومى الإجمالي لدول الاتحاد فيصل الى 3 تريليونات دولار وذلك وفق التوقعات الاقتصادية العالمية لصندوق النقد الدول. والحقيقة ان حلم الوحدة بين الدول الثلاث لم يكن سهلا فقد سبق ذلك العديد من الخطوات التى انطلقت فى منتصف عام 2000 وكانت الخطوة الاولى نحو التكامل الاقتصادى هو انشاء منطقة للتجارة الحرة تلا ذلك انشاء الاتحاد الجمركى في يوليو 2010 والذى مهد لتعاون اوثق علاوة على انه رفع حجم التبادل التجارى وساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية الشاملة بالدول الاعضاء في الاتحاد فعلى سبيل المثال وفى عام 2013 ورغم الاضطرابات المستمرة التي اصابت الاقتصاد العالمي ارتفع حجم التبادل التجارى بين الدول الثلاث الى 64.1 مليار دولار كما شهد هيكل التجارة الثنائية تغيرا ملحوظا بتراجع حصة المواد الخام المصدرة والمستوردة وافساح الطريق امام المنتجات التكنولوجية ذات القيمة المضافة العالية . كما تحسنت ظروف العمل بشكل ملحوظ وشهدت الدول الاعضاء في الاتحاد الجمركي تحسنا ملحوظا في قائمة مؤشر سهولة انشطة الاعمال التابع للبنك الدولى. واعقب ذلك الخطوة الثالثة من التكامل الفضاء الاقتصادى الموحد GES« والذي يرتكز على 17 اتفاقية دولية تم وضعها واعتمادها من قبل الدول الاعضاء في عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ فى 1 يناير 2012 وقد ساهم القضاء الاقتصادي الموحد فى تعزيز اقتصادات الدول الاعضاء كما مهد بقوة للتحول الى الاتحاد والذي من المتوقع ان يصبح احدى القرى الاقتصادية الكبرى فى العالم علاوة على دوره كحلقة وصل بين اوروبا ودول منطقة اسيا والمحيط الهادي. التوقعات والآمال المعلقة علي الاتحاد الاوروآسيوى في ان يصبح قوة دافعة للنمو بتلك الدول ويثمر استثمارات مشتركة توفر المزيد من فرص العمل وتسهم في تحسين نوعية وجودة منتجاتها بحيث تصبح قادرة على المنافسة داخل الأسواق العالمية وفي نفس الوقت يكفل لمواطنيها حرية الانتقال والعمل والدراسة وتلقى الخدمات العلاجية بسهولة في كل البلدان المنضوية تحت الاتحاد كأنهم فى بلدهم الأصلي وهناك أيضا مزايا جيوسياسية للاتحاد حيث سيسهم التعاون الاقتصادى في ترسيخ الاستقرار الاقليمي بدول المنطقة. ولكن هناك بعض الشكوك ازاء قدرة الاتحاد على الصمود بسبب عوامل الضعف التي تعتريه والتى تكمن في ان روسيا تشكل غالبية سكان دول الاتحاد فحتى مع انضمام قيرغيزستان وارمينيا الى الاتحاد في وقت لاحق من العام الجاري سوف يكون عدد سكان روسيا اكبر باربع مرات من عدد سكان الدول الأخري مجتمعة وبالتالى سيشكل الروس الغالبية العظمى من الناتج المحلي الاجمالي للاتحاد. ويضاف الى ذلك المشاكل الاقتصادية التى تواجه روسيا ولاسيما مع انخفاض قيمة الروبل الي مستويات قياسية في الاشهر الاخيرة متأثرا بتراجع اسعار النفط ومع الاخذ في الاعتبار العقوبات الغربية ضد موسكو بسبب الازمة الاوكرانية فإن الصورة العامة للاتحاد ستكون ضبابية، ولا سيما في ظل توقعات بانخفاض الناتج المحلي الاجمالي الي روسيا بنسبة 4٪ خلال العام الجاري، وهوما يمهد للدخول فى مرحلة من الركود الكامل ونظرا لارتباط العملات المحلية فى دول الاتحاد بالعملة الروسية فسوف تصاب اقتصاداتها بصدمات عنيفة، وسيمتد صداها الى كل دول الاتحاد السوفيتى السابق. ويشير عدد من المحللين الى ان الاتحاد برمته يفتقد الى الأسس الاقتصادية التى تكفل له الحياة وانه مجرد قرار سياسى من جانب الرئيس الروسى فلاديمير بوتن ردا على التوجه الأوكرانى للانضمام الى الاتحاد الأوروبى. وفى هذا الصدد يشير قسطنطين سونين الخبير الاقتصادى بكلية موسكو العليا للاقتصاد ، إلى أن دول الاتحاد ستجنى فوائد اقتصادية من الاتحاد وذلك بحصولها على أسعار مخفضة للطاقة من الشركات الروسية مثل جازبرومورسنفت ، مشيرا الى أنه بدون هذه » الجزرة « فإن دولا مثل بيلا روسيا ستفضل التحول الى الاتحاد الأوروبى تماما مثلما تفعل أوكرانيا الآن . ويفسر بعض المحللين رغبة بوتين فى تحقيق التكامل الأوراسى على الرغم من افتقاره للفوائد الاقتصادية لروسيا فى أن روسيا تسعى لكى يكون لها موطن قدم فى دول مثل اوكرانيا وأرمينيا ليس لإحكام السيطرة عليها ، ولكن للحد منالنفوذ الغربى بها . والحقيقة فإن التوجه الغربى بحسب وجهة النظر الروسية - لمد نفوذه الى دول الاتحاد السوفيتى السابق بدأ مبكرا بعد انتهاء الحرب الباردة وبعدما حنث قادته بالوعود التى قطعوها للرئيس ميخائيل جورباتشوف - آخر رئيس للاتحاد السوفيتى - بعد توحيد المانيا - والتى كان أبرزها عدم توسيع حلف الناتو شرقا ، ولكن ضم 12 عضوا جديدا الى الناتو ، بما فى ذلك اجزاء من الاتحاد السوفيتى السابق ، كما يسعى الغرب لإقناع روسيا بأن القوات الأجنبية المتمركزة قرب حدودها ، فى استونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا ، لن تهدد أمنها . وبنفس النهج سعى الاتحاد الأوروبى خلال نفس الفترة الى ضم 16 عضوا جديدا واليوم يواصل الغرب مساعيه لتمزيق الدول المجاورة لروسيا ، وقد أدى ذلك بالفعل الي حدوث انقسامات اقليمية فى مولدوفا وجورجيا ، وأوكرانيا التى بانت علي وشك التقسيم فى ظل غياب أى أفق سياسى للحل فى ظل الهوة السحيقة التى تفصل بين الرؤى الغربية والروسية لإيجاد مخرج للأزمة وانقسام البلاد الى فريقين متعارضين الأول يدعو لتوقيع اتفاقية شراكة مع الاتحاد الاوروبى والثانى يفضل الانضمام الي الاتحاد الاوروأسيوى. وحقيقة الأمر فإن قادة الغرب ينظرون بارتياب الي الجهود الروسية لتحقيق التكامل الاقليمى مع الدول المجاورة لها علي أنها تحركات معادية تهدف الي احياء الاتحاد السوفيتى وخلق بديل للنظام الغربى ، بل ويعتقد معظم المسئولين فى الولاياتالمتحدة وأوروبا الي أن اجتذاب أوكرانيا الي صف الاتحاد الاوروبي من شأنه توجيه ضربة قاصمة لتلك الخطط ، و هو مايفسر الرؤية الغربية لقرار الرئيس الاوكرانى المعزول فيكتور يانوكوفيتش تأجيل التوقيع علي اتفاق الاتحاد الاوروبي علي أنه انتصار روسى يستدعى هجوما مضادا من جانبهم . ومن الناحية العملية لايمكن استعادة الاتحاد السوفيتى ولا حتى الامبراطورية الروسية فى عالم اليوم، ولكن المخاوف الغربية تكمن بحسب عدد من الخبراء الروس فى أن تحقيق التكامل مع الدول الواقعة حول روسيا، من شأنه أن يضع حدا لهيمنة الانجلوسكسونية فالاتحاد الذى سيقوى من التعاون الصناعى والتكنولوجى بين هذه الدول، جنبا الي جنب مع الصين، سيتحول الي منافس قوى للغرب ، وهو ما يفسر الحرب الاقتصادية الضروس التى تشنها الولاياتالمتحدة وأوروبا ضد روسيا من اجل وأد فكرة الاتحاد برمته، فنجاح التجربة الاقتصادية لدول الاتحاد سوف يهدد المصالح الامريكية اذ من شأنه فى حالة توسعه أن يحد من الهيمنة الامريكية المفرطة علي دول منطقة آسيا الوسطى، كما سيؤدى الي بزوغ قوى جديدة علي الساحة الدولية وهو الأمر الذى من شأنه أن يطيح بأساطير الهيمنة الامريكية والقطبية الاحادية ويفسح الطريق أمام عالم متعدد الاقطاب. المفاجأة أن رياح الحرب الاقتصادية ضد روسيا آتت بما لايشتهيه الغرب، اذ دفعت بموسكو الي احضان بكين، ووقع البلدان 03 اتفاقية ثنائية فى كل مجالات التعاون، واصبح الطريق مفتوحا أمام مزيد من التعاون بين التنين الصينى والدب الروسى استعدادا لمواجهة الكابوى الأمريكى.