حبس 9 متهمين باستغلال الأطفال في أعمال التسول بشوارع القاهرة    حملة مكبرة لضبط الأسعار وإعادة الانضباط بسوق جملة بنها    رسميا، محافظ الجيزة يقرر العمل عن بُعد يوم الأحد طوال أبريل (مستند)    وزير الشباب والرياضة يتابع حالة إسلام عيسى بعد إصابته بقطع في الرباط الصليبي    مارك فيش يشيد بمواهب الزمالك: القلعة البيضاء من كبار أفريقيا    محافظ القليوبية يتابع احتواء بقعة زيت بترعة الإسماعيلية ويقود تحركًا عاجلًا لوقف مصدر التلوث    وزيرة خارجية بريطانيا: إيران تختطف هرمز لابتزاز الاقتصاد العالمي    ترامب يتوعد بمزيد من الضربات بعد إعلان انهيار أكبر جسر في إيران    مجلس الجامعة العربية يدعو إلى فتح تحقيق جنائي دولي حول إقرار الاحتلال قانون إعدام الأسرى    الأرجنتين تطرد القائم بالأعمال الإيراني: شخص غير مرغوب فيه    ترامب: أكبر جسر في إيران ينهار.. وحان الوقت لإبرام اتفاق    محافظ الغربية يستقبل أعضاء مجلسي النواب والشيوخ لبحث مشكلات الدوائر    حمزة العيلي وخالد كمال يدعمان الأطفال مرضى السرطان في الأقصر    رسميا، منتخب الناشئين يتأهل إلى كأس أمم أفريقيا    انتظام الدوليين في تدريبات الزمالك استعدادا لمواجهة المصري    بوفون يعلن استقاله من منتخب إيطاليا بعد فشل التأهل للمونديال    رئيس هيئة قناة السويس: قاطرات الإنقاذ البحري تتمكن من تعويم سفينة صب بعد جنوحها إثر عطل فني    ضبط طرفي مشاجرة بسبب خلافات الجيرة في البحيرة    وزيرة الثقافة تعتمد تشكيل اللجان الدائمة للأعلى للثقافة بدورته ال 76    بدء الورش التدريبية لمسرح الجنوب لدورته العاشرة في قنا    مايا مرسي: «اللون الأزرق» نموذج لقوة الدراما في دعم قضايا التوحد    نائب وزير الصحة تبحث مع يونيسف والصحة العالمية دعم الرعاية الأولية وتشهد تدريبا لتعزيز خدمات الطوارئ    الأزهر يكشف عن علاقة بني الأصفر والحرب الحالية بمعركة آخر الزمان    رئيس الوزراء يلتقي السفير علاء يوسف بعد تعيينه رئيسًا للهيئة العامة للاستعلامات    الإعدام شنقًا لمتهم باغتصاب سيدة وتهديدها داخل منزلها بكفر الشيخ    قرار قضائي بحق المتهم بالتعدي على فرد أمن كمبوند شهير في التجمع    وزارة الري: استقرار حالة المناسيب والتصرفات والجسور بشبكة الترع والمصارف    وزيرة الإسكان تلتقي محافظ بورسعيد لبحث الموقف التنفيذي للمشروعات وتعزيز التعاون المشترك    شراكة بين البنك الأهلي المصري وجهاز تنمية المشروعات    محافظ كفر الشيخ يكرم الأمهات المثاليات للعام 2026 تقديرًا لعطائهن    استمرار تلقي أعمال الدورة السابعة من جائزة خيري شلبي للعمل الروائي    "أرواح في المدينة" تستعيد مشوار زكريا الحجاوي وفاطمة سرحان بالأوبرا    تفاصيل اجتماع وزير الرياضة مع رئيس اتحاد الرماية    وزيرالتعليم: نركز على ترسيخ القيم الأخلاقية في المناهج المطورة    زين العابدين: جامعتا القاهرة وعين شمس ركيزة أساسية لدفع تطوير القطاع الطبي    تقلبات جوية وأجواء صفراء تضرب البلاد.. وتحذيرات عاجلة من المرور والصحة    نائب وزير الصحة يتفقد وحدة كفر داود بالسادات.. صور    اليوم السابع يكرم قيادات راديو النيل بعد نجاحهم فى موسم رمضان 2026    رئيس مجلس النواب الأردني: تواصل مستمر مع العراق لوقف اعتداءات الفصائل المسلحة    الثلاثاء.. "الوطنية للإعلام" ينظّم حفل تأبين شيخ الإذاعيين فهمي عمر    السعودية تسقط صواريخ باليستية استهدفت النفط والغاز    كلية التربية النوعية جامعة طنطا تستضيف نقيب الممثلين لبحث سبل رعاية الطلاب ودعم مواهبهم    خالد الجندي: الحياة مزرعة ابتلاء.. والراحة الحقيقية تبدأ عند أول قدم فى الجنة    جامعة بنها: تنفيذ 904 نشاطا ودعم 1021 طالب من المتعثرين في سداد المصروفات الدراسية    ضبط 200 كيلو لحوم ودواجن غير صالحة للاستهلاك بسوهاج    ضربة أمنية قوية.. الداخلية تُحبط غسل عناصر إجرامية أموال بقيمة 100 مليون جنيه    أسعار الفراخ في البورصة اليوم الخميس 2 أبريل    صيدلة القناة تحصل على اعتماد AHPGS الألمانية    رئيس خارجية الشيوخ: نساند تحركات السيسي لاحتواء التصعيد الإقليمي    مسيرة دبلوماسية طويلة.. من هو السفير علاء يوسف رئيس هيئة الاستعلامات الجديد؟    المصري يواصل تدريباته لليوم الثاني استعدادًا لمواجهة الزمالك في الدوري    محافظ الإسكندرية ورئيس الوطنية للصحافة يوقعان بروتوكول بشأن مشروع الهوية البصرية    دعاء الرياح.. اللهم إنى أسألك خيرها وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها    كيف يرسل الطفل لأسرته إشارات مبكرة لإصابته بالتوحد؟    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : "الوقت" !?    دعاء للمسافرين وقت العواصف الترابية وانعدام الرؤية.. الشيخ أحمد خليل يحذر ويُوجه المسلمين للحذر والدعاء    مصرع 8 أشخاص في حادث مروع على طريق «كفر داود – السادات» بالمنوفية    غرف العمليات تراقب حركة السيارات بالكاميرات لرصد أى حوادث أثناء الأمطار    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلمانية‏..‏ في ثوب التنوير‏(1‏ 2)‏

لا تكاد رياح الدعوة إلي العلمانية تخبو حتي تنبعث من مرقدها من جديد‏,‏ متدثرة بأردية مستحدثة‏,‏ وأزياء متجددة‏,‏ قد تختلف في مرآها ومظهرها‏,‏ لكن الجوهر المستكن وراء تلك المرائي والمظاهر يظل ثابت الملامح متصلب القسمات‏.‏ بيد أنه ينبغي لنا أن نعترف منذ البدء بأن العلمانية حين ارتدت ثوب التنوير لدي بعض سدنته بدت أكثر حنكة‏,‏ وأمهر أسلوبا‏,‏ ومن ثم أعمق احتياجا إلي مزيد من التأمل والتحليل‏!!‏
لقد كان دعاة العلمانية من قبل‏:‏ يسفرون عن وجوههم علانية ودون مواربة‏,‏ فالعلمانية لديهم تعني ببساطة فصل الدين عن مناحي الحياة‏,‏ وعزله عن واقع البشر‏,‏ فحسب الدين فيما يشتهون أن يقبع في ركن قصي من أركان الحياة البشرية‏,‏ الفردية منها والاجتماعية‏,‏ وأن يغلق علي نفسه دور العبادة ويستغرق في طقوسها‏,‏ ولا بأس عند أكثر العلمانيين سماحة‏!!‏ أن تهتز له المشاعر‏,‏ أو تهفو إليه العواطف‏,‏ أو تخفق له القلوب‏!!‏
بل‏...‏ لا بأس عند أكثر العلمانيين حذقا ومهارة أن تنبعث في دائرة الدين اتجاهات متحجرة تدعي الانتساب إلي السلف الصالح‏,‏ ثم تستخدم هذا الانتساب المدعي في صرف اهتمام جماهير الأمة‏:‏ تارة صوب قضايا كلامية عقدية ما كان ينبغي لها أن تغادر قاعات الدرس ومجالس العلماء‏,‏ وتارة صوب توجيه اهتمام هذه الجماهير إلي فرعيات فقهية لا تكاد تنفذ من المظهر إلي الجوهر في جمود فكري منغلق‏,‏ وشكلية حرفية متزمتة ضيقة‏.‏
لا بأس من ذلك كله‏...‏ متي توقفت خطا دور الدين عند هذه الحدود‏,‏ أما أن يضطلع الدين بدوره في تنظيم حياة البشر‏,‏ أو ضبط واقعهم أو توجيه مناشط سلوكهم‏,‏ فذلك كله عند العلمانيين جميعا هو المحذور المنكور‏!!‏
لكن سدنة التنوير وإن كانوا علي ذلك من المجمعين يتخذون في الدعوة إلي العلمانية والترويج لمبادئها منحي أكثر ابتداعا‏,‏ فبعد أن كانت العلمانية عند الأقدمين تسعي ببساطة وعلانية إلي عزل الدين عن المجتمع والحياة‏,‏ إذا بأحد أولئك السدنة يجهر قائلا‏:‏ من ذا الذي يملك قوة فصم الدين عن المجتمع والحياة ؟ إن العلمانية كما يضيف بالنص الحرفي هي الحماية الحقيقية لحرمة الدين والعقيدة والإبداع‏,‏ بل إن الإسلام كما يقول في جرأة بالغة هو‏'‏ الدين العلماني بامتياز‏,‏ لأنه لا يعرف سلطة الكهنوت‏!!‏
في سبيل التمهيد لهذه الأطروحة المبتدعة يقيم ذلك القائل تفرقة مصطنعة بين‏'‏ الدين‏'‏ من جهة و‏'‏الفكر الديني‏'‏ من جهة أخري‏,‏ فجميع ما سطره علماء المسلمين ومحققوهم‏,‏ فهما من القرآن الكريم والسنة المطهرة‏,‏ واستخراجا لدلالاتهما‏,‏ واستنباطا لأحكامهما‏:‏ يندرج تحت مسمي‏(‏ الفكر الديني‏)‏ الذي لا يمثل في هذا الزعم :‏ الدين نفسه وإنما هو عبدء عليه‏,‏ وقيد علي طلاقته‏,‏ بل إن هذا الفكر الديني‏:‏ يحمل إدعاء ضمنيا بالقدرة علي الوصول إلي‏'‏ القصد الإلهي‏',‏ دون إدراك أنه بذلك يدخل في منطقة شائكة‏,‏ هي منطقة الحديث عن الله‏!!‏
والذي تهدف إليه العلمانية حسب هذا الفهم الكليل إنما هو إزاحة هذا‏'‏ الفكر الديني‏'‏ وليس الدين نفسه‏!!‏
لكن هذه الأطروحة التنويرية تتضمن في خبيئتها الخادعة‏:‏ دعوة جهيرة إلي تجريد الدين نفسه ممثلا في القرآن الكريم من كل دور في واقع المسلمين‏,‏ وذلك بإهدار جميع‏'‏ دلالاته‏'‏ التي حملها إلي البشرية من الأوامر والنواهي والتشريعات الاجتماعية والحياتية‏,‏ والتي ضبطت معاقدها‏:‏ جحافل من أفذاذ العلماء والمحققين علي مدي التاريخ الإسلامي‏,‏ بزعم أن ذلك كله يندرج تحت مسمي‏(‏ الفكر الديني‏),‏ لكي يصير هذا الدين بعد تلك‏'‏ التعرية‏'‏ :‏ مجردا من مضامينه الدلالية‏,‏ خاوي الوفاض من توجيه المجتمع‏,‏ وضبط حركته‏,‏ قابلا لكل‏'‏ قراءة‏'‏ شاردة‏,‏ أو هوي منفلت‏,‏ ثم تصحو الأمة بعدئذ علي‏'‏ دين‏'‏ قد أفرغ من محتواه إفراغا‏,‏ ولم يبق منه سوي‏'‏ إطارات‏'‏ عامة مفتحة الأبواب‏,‏ لا تستعصم في وجه فكر جانح أو رأي زائغ‏,‏ ثم تكتمل حلقات تلك الهجمة التنويرية المستحدثة بما يلوح به صاحبها ترهيبا وتخويفا بأن هذا‏'‏ الفكر الديني‏'‏ حين يضبط دلالات النصوص الشرعية‏,‏ أو يرسخ في وعي الأمة‏:‏ الأصول المستنبطة من الكتاب والسنة فكأنه ينفذ إلي‏'‏ القصد الإلهي‏'‏ ويتحدث باسم الله‏!!‏
ولا يمكن للمرء في هذا المقام إلا أن تعتريه الدهشة من هذه القدرة الفائقة علي خلط المفاهيم في جرأة بالغة واقتحام جسور‏,‏ فهل يمكن لامرئ تمرس بشيء من المعرفة بالإسلام أن يغفل عن تلك البدهية العظمي من بدهيات الإسلام وهي أن القرآن الكريم ما أنزله الله تعالي إلي البشرية إلا رسالة خاتمة ناطقة‏'‏ بمرادات‏'‏ الله تعالي من البشر‏,‏ أمرا أو نهيا‏,‏ قضاء وتشريعا‏,‏ سلوكا وتطبيقا‏,‏ لكي تحاسب تلك البشرية عليها بعدئذ طاعة أو معصية‏,‏ ثوابا وعقابا؟
وهل يمكن لذي عقل مستقيم إلا أن يفهم أنه لابد لتلك الرسالة الجليلة ذات الخطر العظيم‏:‏ أن تكون كاشفة عن تلك المرادات كشفا لا إبهام فيه ولا إيهام‏,‏ وإلا فكيف يتم إلتزام تلك الطاعة أو اجتناب تلك المعصية إن لم يكونا من الوضوح والبيان علي أتم درجاتهما وأكمل مراتبهما؟
ثم أي فهم إذن هذا الذي يدعي أن هذا الوضوح والبيان الذي نطقت به آيات هذا الكتاب المعجز‏,‏ الذي اضطلعت بتفصيله جهود علماء الأمة إنما هو‏'‏ولوج‏'‏ إلي المنطقة الشائكة وهي الحديث‏'‏ باسم الله‏'‏ ؟
كيف يصح في الأذهان أن ينقلب‏'‏ فهم‏'‏ دلالات القرآن الكريم الذي يسره الله تعالي للذكر‏,‏ وجعله‏'‏ قرآنا عربيا غير ذي عوج‏':‏ إلي حديث‏'‏ باسم الله‏'‏ ؟
أليس القرآن الكريم هو‏'‏ كلام الله‏'‏ سبحانه‏,‏ وأليس هو الله تعالي الذي نزل‏:'‏ أحسن الحديث‏',‏ ألسنا حين نسمع القرآن الكريم فإنما‏'‏ نسمع كلام الله‏',‏ فأين إذن الحديث‏'‏ باسم الله‏'‏ ؟
أما كان الأجدر لو كانت افهام المسلمين للأوامر والنواهي الإلهية في القرآن الكريم‏:'‏ حديثا عن الله‏',‏ ودخولا في تلك المنطقة الشائكة المحرمة كما يقول صاحب هذا الزعم أن يتضمن القرآن الكريم أمرا للناس بالصمت والسكون‏,‏ وتوجيها لهم أن يمسكوا عن كل فهم في الدين حذرا من أن يكون ذلك نفاذا إلي القصد الإلهي‏,‏ أو حديثا عن الله سبحانه؟
ولئن كان الأمر كذلك‏,‏ فما الحاجة إلي تضمين تلك الأوامر والنواهي في القرآن الكريم‏,‏ أصلا وابتداء ؟ أو ما كان الاولي حينئذ أن يكون القرآن الكريم وحاشاه مجرد نصائح عامة فضفاضة لا تحمل أمرا ولا نهيا ولا تشريعا ولا تنظيما ؟‏!‏
ثم أقول أخيرا إن مأساة رهط من التنويريين والعلمانيين تتجسد في بعض جوانبها أنهم مولعون باستعادة تاريخ الكنيسة في العصور الوسطي الأوروبية‏,‏ ثم نسج خيوطه المهترئة ذاتها علي وقائع التاريخ الإسلامي في تبسيط هازل لا يملون من تكراره‏,‏ فهل خطر ببال أحد من علماء الأمة متقدميها ومتأخريها ذات يوم أن يكون رأيه حديثا عن‏'‏ الله‏'‏ وهو يتلو قوله تعالي تعليما لرسوله الكريم‏:(..‏ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون‏).‏

المزيد من مقالات د.محمد عبدالفضيل القوصى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.