بسام راضي ينقل تهنئة الرئيس السيسي للجالية القبطية في إيطاليا بمناسبة عيد الميلاد    محافظ القليوبية ومدير الأمن يقدمان التهنئة بعيد الميلاد المجيد بالكنيسة الإنجيلية ببنها    محافظ أسوان يشارك الأقباط احتفالات الميلاد    الرعاية الصحية تعلن خطتها للتأمين الطبي لاحتفالات عيد الميلاد المجيد    الإمام الطيب رمز العلم والسلام والوسطية    قطع المياه عن عدد من المناطق بالجيزة لمدة 8 ساعات الجمعة المقبل    المعهد القومي للاتصالات.. برامج تدريبية وتأهيلية بمجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي    7 يناير 2026.. الذهب يرتفع 15 جنيها وعيار 21 يسجل 6000 جنيه    الاحتلال يمهل 37 مؤسسة دولية تعمل في المجال الإنساني بفلسطين 60 يومًا لإغلاق مقراتها    انفجارات وإطلاق نار مستمر.. تفاصيل المشهد الميداني والإنساني في قطاع غزة    عضو الحزب الاشتراكي الموحد بفنزويلا: واشنطن تطمع في ثروات كاراكاس من النفط والذهب    نتنياهو يحث على الهدوء بعد أن دهس سائق حافلة صبيا وقتله    لاعب وست هام: ركلة جزاء نوتنجهام هزلية.. ما حدث أشبه بكرة السلة    أمم أفريقيا 2025| ثلاثي منتخب مصر في التشكيل المثالي لدور ال 16    انطلاق «مارثون الخير» بفنادق شرم الشيخ    المصري يستأنف تدريباته لمواجهة كهرباء الإسماعيلية في كأس عاصمة مصر    "لعب العيال يتحول لكارثة في الوراق".. الداخلية تكشف تفاصيل الواقعة    محاضر في حملة رقابية موسعة للمخابز تحت شعار "حقك في الميزان" بالوادي الجديد    وصول أرقام جلوس طلاب الشهادة الإعدادية للمدارس استعدادًا لامتحانات الفصل الدراسي الأول    تموين المنوفية: ضبط 8000 لتر سولار مدعم محظور تداوله بالسادات    ضبط 54 سائقًا لتعاطي المخدرات أثناء القيادة وتحرير 92 ألف مخالفة    البابا تواضروس: وحدتنا أساس الحفاظ على الوطن وقواتنا المسلحة فخر لكل مصرى    خالد محمود يكتب l الملحد ..أسئلة جريئة فى قبضة الخطاب المباشر    كيف علقت لقاء الخميسي على أزمتها الأخيرة؟    لقاء الخميسى: لا يوجد ما يستدعى القتال.. السلام يعم المنزل    الصحة: تطوير منظومة صرف الألبان الصناعية وتوفير 6.7 مليون علبة شبيهة لبن الأم    مشروبات طبيعية تعزز طاقة النساء في الشتاء    انطلاق أول كورس لجراحات المناظير المتقدمة التابع لكلية الجراحين الملكية بلندن داخل قصر العيني    وكيل صحة أسيوط يتابع ميدانياً خطة التأمين الطبي بمحيط كاتدرائية رئيس الملائكة    رسميًا.. الزمالك يعلن تعيين معتمد جمال قائمًا بأعمال المدير الفني وإبراهيم صلاح مساعدًا    مبابي: أثق بنسبة 1000% في تتويج ريال مدريد بالسوبر الإسباني    رومانو: فنربخشة يتوصل لاتفاق مع لاتسيو لضم جيندوزي    إصابة 22 عاملًا بحادث انقلاب ميكروباص عمال في البحيرة    التضامن: إغلاق 80 دار رعاية ومسنين وتأهيل مخالفة وغير مرخصة    الطماطم ب6 جنيهات واللحوم ب300 والسمك ب25 جنيها.. منافذ مخفضة بالوادي الجديد    اقتصاديات الصحة تدرج 59 دواء جديدا وتضيف 29 خدمة خلال 2025    باريس.. تحالف الراغبين يعلن عن ضمانات أمنية لأوكرانيا    حماية الأمن المائي المصري، بيان عاجل لوزارتي الخارجية والموارد المائية والري    وزيرة التخطيط تهنئ البابا تواضروس الثاني وجموع المصريين بعيد الميلاد المجيد    نجم كوت ديفوار يكشف سر قوة المنتخب قبل مواجهة مصر بأمم إفريقيا    حريق يلتهم سيارة نقل ثقيل دون إصابات على الطريق الصحراوى بالإسكندرية    وزيرا الزراعة والتعليم العالي يبحثان تفاصيل مشروع إنشاء جامعة الغذاء في مصر    وزارة المالية: مديونية أجهزة الموازنة للناتج المحلي تستمر في التراجع    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    أسعار الخضراوات والفواكه بأسواق كفر الشيخ.. الطماطم ب15 جنيها    تحرك عاجل من الصحة ضد 32 مركزا لعلاج الإدمان في 4 محافظات    زلزال بقوة 6.4 درجات يضرب سواحل جنوب الفلبين    هل يسيطر «الروبوت» فى 2026 ؟!    سحر الفراعنة    على هامش أحاديث مارالاجو    نانسي عجرم ترد على شائعات طلاقها: الناس مش متعودة تشوف زوجين متفاهمين    تشييع جنازة المطرب ناصر صقر من مسجد السيدة نفيسة ظهر اليوم    30 دقيقة تأخرًا في حركة قطارات «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 7 يناير    فلسطين.. 7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المرأة في فگر الجماعات الإسلامية المعاصرة
نشر في الأهالي يوم 24 - 03 - 2010

تحتل مشكلة المرأة مكانة بالغة الأهمية في تفكير الجماعات الإسلامية المعاصرة وممارساتها، ولا تتضح هذه المكانة المهمة في كتاباتهم المباشرة فحسب، بل إنها
تظهر أيضا، وبصورة لا تقل وضوحا، في عدد هائل من الأفكار غير المباشرة، وفي كثير من الأمثلة التي تعبر بها هذه الجماعات عن مواقفها النظرية والعملية. ولكن هذه المكانة المهمة لا تعبر، في الواقع، عن إعلاء لشأن المرأة، أو انشغال بمشاكلها الحقيقية، في فكر هذه الجماعات، بل إن هدفها الفعلي يسير في طريق مضاد تماما لما يوحي به للوهلة الأولي طابعها الظاهري، فهذا الاهتمام الكبير والتأكيد المستمر للموضوعات المتعلقة بالمرأة، ووضعها في الأسرة وعلاقتها بالرجل، يهدف في حقيقة الأمر إلي شيئين أساسيين: أولهما صرف الأنظار عن المشكلات الحقيقية للمجتمع، والتغطية علي الرؤية السطحية لتلك المشكلات في فكر هذه الجماعات، وثانيهما تشويه مشكلات المرأة ذاتها والعودة بها إلي وضع شديد التخلف، كان يفترض أننا تجاوزناه منذ أمد بعيد.
ولنبدأ بكلمة عن الهدف الأول: ففي ندوة عقدت أخيرا في مبني نقابة الأطباء حول «الإسلام والعلمانية»، وشارك فيها كاتب هذه السطور، أراد الشيخ يوسف القرضاوي، وهو أحد كبار مفكري الحركة الإسلامية المعاصرة، أن يضرب مثلا لابتعاد التشريعات الوضعية عن قيمنا وعاداتنا وأخلاقنا الأصلية، فلم يجد إلا المثل الخاص بعقوبة الزنا، وهكذا تصور حالات افتراضية ارتكبت فيها الزنا دون أن يقضي القانون الوضعي فيها إلا بعقوبات طفيفة، وربما استطاع المحامي البارع أن يحصل لموكله فيها علي البراءة، ووجد أن هذا التساهل الذي يتسم به موقف القوانين الوضعية إزاء هذه الجريمة يتعارض بشدة مع القيم والأعراف السائدة في مجتمعاتنا، والتي تعبر عنها الشريعة الإسلامية تعبيرا أصدق حين تضع للزنا حدودا رادعة.
هذا المثل القريب العهد يحمل دلالات واضحة علي موقف التيارات الإسلامية المعاصرة من مشكلة المرأة:
الجنس هو المركز
فهو أولا يعبر عن اهتمام مبالغ فيه بهذه المشكلة، لأنه اختار موضوعا يتصل بالعلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، لكي يثبت وجهة نظره القائلة إن القوانين الوضعية ليست مستمدة من قيمنا وأخلاقنا وموروثنا الأصيل، ولقد كان في استطاعته أن يختار أي موضوع آخر أوثق صلة بمشكلات الحياة الفعلية، وبالخبرات والتجارب التي يعيشها الناس في كل يوم، ولكنه انتقي هذا المثل، وافترض لكي يشرح وجهة نظره حالات خيالية يمكن أن يقع فيها الزنا دون أن ينال مرتكبه العقاب، وكأن الناس المطحونين بمشكلات الحياة اليومية والغلاء والأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لا يفكرون إلا فيما يمكن أن يحدث لو صادفتهم واقعة الزنا، وهو ثانيا يستثير مشاعر الغيرة والاستنكار، لدي الرجل الشرقي بوجه خاص، عن طريق ضرب مثال تهدر فيه قيمة «الشرف» - بمعناها المألوف، الذي يفتقر كثيرا إلي الدقة - ويعجز القانون الوضعي عن فرض القصاص الرادع علي من يرتكب ذلك الفعل الذي هو في نظر الرجل الشرقي أفدح الآثام، وحين يتنبه المستمعون - ومعظمهم من الرجال - إلي أن الشريعة الإسلامية هي التي تفرض العقاب الرادع علي هذا الفعل الآثم، بينما القانون الوضعي يتهاون فيه، يصبحون مهيأين ذهنيا للاقتناع الكامل بالرأي الذي يدافع عنه المحاضر، وهو أن قواعد الشريعة ذات المصدر الإلهي هي الأقدر علي تنظيم حياتنا من أي قانون يضعه الإنسان.
هنا تُعطي إحدي المشكلات المتعلقة بالمرأة، في جانبها الجنسي علي وجه التحديد، أهمية هائلة، ويتكرر هذا النوع من الأمثلة بصورة ملحوظة في كتابات الإسلاميين المعاصرين وأحاديثهم، ولكن هذا الاهتمام المفرط يعكس في الواقع رغبة في التغطية علي المشكلات الحقيقية التي يعاني منها الإنسان، أيا كان جنسه، في المجتمع، ففي أي معالجة عقلانية لمشكلة كهذه، ينبغي علي الباحث، حتي لو كان يعتقد أن لمشكلة الزنا مثل هذه الأهمية، أن يعود إلي الجذور الاجتماعية للمشكلة، وبدلا من أن يسخر من القانون الوضعي لأنه يتهاون في عقوبة الزاني والزانية، أو أن ينظر إلي الجريمة وعقوبتها كما لو كانا شيئين مجردين لا علاقة لهما بالأوضاع التي يعيش فيها الإنسان، يتعين عليه أن يناقش مشكلة نقص المساكن والأسعار الخيالية التي تجعل أي مسكن بسيط بعيدا عن متناول أيدي معظم الشبان والشابات، واستحالة تكوين أسرة لدي النسبة الكبيرة ممن بلغوا سن الزواج، فضلا عن الغلاء العام للأسعار وصعوبة تربية الأطفال، وغير ذلك من العوامل التي يعاني منها الناس حقيقة، والتي تؤدي علي نحو متزايد إلي جعل الزواج المتكامل في مسكن مستقل «وهو أمر كان متاحا لمعظم الشباب والشابات فيما مضي» يتجه إلي أن يصبح وضعا طبقيا لا تقدر عليه، في بلد كمصر، إلا فئات محدودة في المجتمع، في ضوء هذه العوامل كان ينبغي النظر، أو علي الأصح إعادة النظر، في مشكلة الزنا لو كان الباحث يقيم وزنا للاعتبارات الإنسانية ويحرص علي التصدي الصريح للأسباب الحقيقية التي تكمن في جذور المشكلة، غير أن شيخنا الذي استقينا من كلماته هذا المثل اكتفي بالنظرة المجردة، المعزولة عن أي سياق اجتماعي، لظاهرة اختارها لأنها تؤدي إلي استفزاز مشاعر مستمعين لم يعتادوا استخدام عقولهم، وتعبر ظاهريا عن اهتمام بالغ لدي أقطاب الحركات الدينية المعاصرة بمشكلات المرأة، ولكنه في حقيقته اهتمام يؤدي إلي صرف أنظار الناس عن المشكلات التي يعانون منها بالفعل، ويعبر عن رؤية سطحية تجريدية للعلاقة بين المرأة والرجل، وما هذا إلا نموذج واحد لطريقة في المعالجة يسهل علينا أن نجد لها عددا هائلا من الأمثلة في الكتابات والخطب الناطقة بلسان التيارات الإسلامية المعاصرة.
تشويه الطبيعة
ولكن النقطة التي نود أن نركز جهدنا عليها هي أن ذلك الاهتمام الكبير الذي تبديه التيارات الإسلامية المعاصرة بموضوع المرأة، يخفي وراءه حركة تشويه واسعة النطاق لمشكلات المرأة، ورؤية شديدة التخلف لما يطلق عليه، بطريقة فضفاضة، اسم «طبيعة المرأة»، ويتمثل هذا التشويه في سلسلة من الازدواجيات التي يجمع كل منها بين متناقضين، أحدهما هو الذي يعلن علي الملأ، والآخر هو المقصد الحقيقي الباطن، الذي لا يصرح به في العلن.
1- ازدواجية التحرر والعبودية
من أبرز سمات الحكم الدكتاتوري أن الحاكم فيه يتملق شعبه، علي المستوي اللفظي، أي علي مستوي الخطب والبيانات ويكيل المديح له في جميع المناسبات، ولكنه في قرارة نفسه يحتقر شعبه أشد الاحتقار، ولا يقيم له وزنا في قراراته، وكلما أمعن في التنكيل به، ازداد تملقا له، متوهما أنه يداري بذلك إذلاله لشعبه واضطهاده له، وكلنا نعلم أن أشد الحكام ترفعا عن شعوبهم لا يكفون عن وصف هذه الشعوب بأنها ذكية وحكيمة وأصيلة وطيبة إلخ.
ويمكن القول إن شيئا مماثلا لهذا يحدث في موقف الحركات الإسلامية المعاصرة من المرأة، فكل دعوة تحاول من خلالها هذه الجماعات أن تحصر المرأة في إطار ضيق لا تخرج عليه، وتضمن استمرار خضوعها للرجل، ومكانتها الثانوية أو الهامشية بالنسبة إليه، تقدم في إطار من التمجيد والتكريم، وتعرض كما لو كانت هي التي تحقق أكبر قدر من التحرر للمرأة.
فحياة المرأة وفقا لهذا النوع من التفكير، ينبغي أن يكون محورها الأساسي بعدا واحدا، هو البعد العائلي، علي حين أن للرجل، إلي جانب البعد العائلي، أبعادا اجتماعية وسياسية.. إلخ.. ولكن هذا الانكماش في دور المرأة، والتضييق الشديد للإطار الذي يفرش عليها أن تتحرك فيه، يغلف عادة بعبارات الإطراء والإغراء الشديد، التي تمتدح الدور العظيم للأم والزوجة والأخت، وتؤكد أهمية دور المرأة داخل الأسرة بوصفها نواة لتوحيد جميع أفرادها ومصدرا يستمد منه الجميع الدفء والحنان.. إلخ.. وفي جميع الأحوال تقريبا ولا يعرض إلا هذا الجانب الأخير من القضية، ذلك الجانب الذي يمتدح الدور العائلي للمرأة ويتملق مشاعرها، ولا ترد أي إشارة إلي النتائج المترتبة علي هذا الوضع، وأعني بها استمرار اعتماد المرأة، اقتصاديا واجتماعيا وعقليا، علي الرجل، مما يتيح له إحكام سيرته عليها ويضمن حل جميع المواقف المعقدة في علاقتهما لصالحه.
وعلي حين أن النتيجة العملية لهذه الدعوة إلي ارتباط المرأة بالعائلة وحدها وانتماء الرجل إلي جميع الميادين الأخري لنشاط المجتمع، هي تأكيد لتفوق الرجل ووصايته علي المرأة فإن هذه الوصاية تغلّف عادة بالمبالغة في امتداح الدور التقليدي للمرأة، ووصفه بعبارات ظاهرها الإطراء وباطنها النفاق، ولعل أكثر هذه الأوصاف شيوعا، في كتابات الإسلاميين المعاصرين عن المرأة، هو وصف «الجوهرة المصونة»، كناية عن ضرورة المحافظة علي المرأة في إطارها العائلي الخاص، بعيدا عن تعقيدات الحياة وصعوبات المجتمع، فالمرأة هي «ربة الصون والعفاف»، وهما، حتي لو أخذا بمعناهما الظاهري، صفتان سلبيتان تتعلقان بحماية المرأة لنفسها، أو حماية النظام الاجتماعي لها، من رذائل معينة، ولكنهما لا تدلان مطلقا علي قيام المرأة بأي دور إيجابي أو اقتحامها لأي ميدان من ميادين الحياة الاجتماعية، إن المرأة لا تكون مصونة، أو «ربة الصون» إلا لأنها معزولة عن المجتمع، وبالفعل فإن الدعوة تتجه إلينا، نحن الرجال، لكي «نصونها»، أي نحافظ عليها في حالة ابتعاد عن خصم الحياة ومعترك المشاكل الاجتماعية، بما تستلزمه من اختلاط واندماج وضياع «للصون» وربما خدش للعفاف.
الملكية المصونة
إن «الجوهرة المصونة» هي في المحل الأول شيء قيم يمتلك ويحرص مالكه علي أن يحافظ عليه، ومن هنا فإن النظرة الكامنة من وراء هذا المديح تنطوي علي «تشيؤ» المرأة، أي إحالتها إلي شيء ينبغي أن يحفظ ويصان، حتي يظل، في نظر مالكه، محتفظا بقيمته، ومهما بدت العبارة براقة، ومهما كانت تنطوي في ظاهرها علي امتداح للمرأة ورغبة في المحافظة عليها، فإن المحافظة التي تدعو إليها العبارة هي من ذلك النوع الذي نتعامل به مع «الأشياء»، أي ما نمتلك من نفائس، وأبسط دليل علي ذلك هو أن أحدا لا يفكر في امتداح الرجل لأنه «مصون».. ذلك لأن الرجل هو الذي يتولي اقتحام ميادين الحياة وخوض معاركها، ومن ثم يتعين عليه أن يخرج من إطار «الصون» لكي يسلك في حياته سلوكا إيجابيا فعالا.
إنه مثال واحد لموقف يتكرر مرارا في كتابات أقطاب الحركة الإسلامية المعاصرة وأحاديثهم عن المرأة، ذلك الموقف الذي يتسم بازدواجية، ظاهرها التمجيد وباطنها القهر والإذلال، فالدعوة في حقيقتها استمرار للوضع المتدني أو الهامشي للمرأة، ولكنها لا تصاغ أبدا بصورتها الصريحة، بل تعرض دائما كما لو كانت تمثل قمة التحرر وأقصي مظاهر التكريم.
وفي الحالات التي يوجه فيها انتقاد شديد، بلغة عصرية، إلي هذا الربط بين كيان المرأة وفكرة الصون، ويكشف المضمون المتخلف لهذه الدعوة، فإن المدافعين عن هذا الموقف يتخذون لأنفسهم موقعا غير متوقع، يتصورون أنه كاف لإقناع العقول بأن آراءهم تمثل ذروة التحرر بالنسبة إلي المرأة: إذ يتجهون علي الفور إلي المقارنة بين وضع المرأة في الإسلام ووضعها في الجاهلية، لكي يثبتوا أنها قد أحرزت مكاسب هائلة، ولا أجد نفسي في حاجة إلي أن أقتبس إشارات في كتابات هؤلاء الإسلاميين، إلي تلك المقارنة المتكررة بين الجاهلية والإسلام، كلما نوقشت مشكلة المرأة، لأن أي قارئ لديه أبسط إلمام بما يقوله الإسلاميون المعاصرون عن المرأة في كتبهم وأحاديثهم وندواتهم وخطبهم، لابد أنه صادف مثل هذه المقارنة مئات المرات، ومع ذلك فإن أحدا من هؤلاء الدعاة لا يكلف نفسه عناء التساؤل: ما لنا نحن والجاهلية؟ وهل يمكن أن نحصر مشكلة المرأة العصرية، التي تعيش حياة معقدة تكتنفها الصعوبات والمشاكل من كل جانب، في إطار المقارنة مع وضعها في عصر شبه بدائي مضت عليه عشرات القرون؟ وهل وجود المرأة في وضع أفضل مما كانت عليه في عصر الجاهلية، يكفي لكي نقتنع في عصرنا الحالي بأنها قد تحررت بالفعل؟.
هذا، علي أي حال، نموذج لطريقة الإسلاميين المعاصرين في التفكير، وهو كما قلنا مثل صارخ للازدواجية بين ادعاء تحرير المرأة، علي المستوي الكلامي واللفظي، ووضعها المقهور علي مستوي الواقع الفعلي.
2- ازدواجية العاطفة والعقل:
تؤكد كتابات الإسلاميين السمات العاطفية للمرأة، ويتخذ هذا التأكيد بدوره طابعا مزدوجا: فمن جهة تعد عاطفية المرأة عنصرا إيجابيا جديرا بالإشادة والتمجيد، ذلك أن عنصر العاطفة هو الذي يبعث في الأسرة مشاعر الحنان والدفء والرعاية والحب، أي أنه هو القوة الجاذبة التي تعمل علي تحقيق التماسك والمودة والتراحم في الأسرة، غير أن عاطفية المرأة توضع في مقابل عقلانية الرجل: إذ تُنسب إلي الرجل القدرة علي اتخاذ القرار والبت في الأمور الحاسمة والتوجيه العام لدفة الحياة العائلية، علي حين أن المرأة «تكمل» الرجل بأن تضيف إلي عقلانيته عنصر الرقة والحساسية، فتكتمل - من خلال هذا التقسيم للقدرات والملكات بين الجنسين - مقومات الحياة العائلية، وربما تغزل البعض في هذه العاطفية المفرطة، بوصفها ضعفا ظاهريا يخفي وراءه قوة، وربما تحدثوا عن انقلاب الأدوار بين الرجل والمرأة، حيث تستطيع المرأة أن تتحكم في الرجل من خلال «دموعها» أي أن تمارس عليه القوة باتخاذ مظهر العنف، ولكن المهم أن سمة «العاطفية» تعد في هذه الحالة صفة إيجابية يمتدحها الرجل في المرأة.
علي أن التقابل بين عاطفية المرأة وعقلانية الرجل لابد أن يؤدي إلي ظهور الوجه الآخر للصورة المزدوجة، وأعني به ذلك الوجه الذي يربط بين سيطرة العاطفة عند المرأة، وسيادة النزعة اللاعقلانية في تفكيرها، وسيطرة الاندفاع والهوي والعاطفة «بالمعني السلبي هذا المرة» علي نظرتها إلي الأمور، والعجز عن إصدار حكم موضوعي منزه عن الأهواء والأغراض، ويجد هذا الوجه الآخر دعما من التراث الديني عندما يحكم علي النساء بأنهن «ناقصات عقل ودين»، ويحظر علي المرأة تولي شئون القضاء، ولا تقبل شهادتها أمام المحاكم إلا باعتبارها مساوية لشهادة «نصف رجل».
وربما استطاع أصحاب هذا الرأي أن يضيفوا إليه صفة تزعم أنها علمية، إذ يشيرون إلي بحوث تؤكد بطريقة إحصائية، مثلا، أن الأحكام الانفعالية أكثر شيوعا لدي المرأة، ويقفزون من هذه المقدمات إلي تعميم متسرع، هو أن المرأة «بطبيعتها» عاطفية، ولكن مثل هذا التعميم يفقد تماما شروط الحكم العلمي لأنه من المستحيل الكلام عن «طبيعة» لأحد الجنسين بعد هذا التاريخ الطويل من سيطرة الرجل وتركه الأعمال الهامشية للمرأة، وبعد أن تراكمت عوامل التنشئة الاجتماعية، عبر ألوف السنين لكي تفرض علي المرأة هذه الاتجاهات العاطفية فرضا، وبطبيعة الحال فإنه من السهل الخلط بين ما يرجع إلي عوامل اجتماعية وما يرجع إلي عوامل «طبيعية» ثابتة عندما يكون الأمر متعلقا بأوضاع دامت ألوف السنين، ومن هنا فإن المنطق السليم لا يرفض القول إن ما يسمي ب «عاطفية المرأة» إنما هو ظاهرة اجتماعية، وليس علي الإطلاق جزءا من طبيعة ثابتة للمرأة.
ولابد لنا أن نعترف بأن هذه النظرة الازدواجية إلي سمة «العاطفية» في المرأة، لا تقتصر علي الاتجاهات الإسلامية المعاصرة وحدها، بل إنها ترجع إلي تاريخ طويل، وتشيع في العصر الحاضر بين اتجاهات فكرية متعددة، تشترك كلها في الخلط بين العوامل الناتجة عن تأثير أوضاع اجتماعية واقتصادية للمرأة، كانعدام الاستقلال والمركز الأدني في التشريع والشعور الدائم بالعجز وعدم الأمان، وبين العناصر التي تنتمي إلي «طبيعة ثابتة»، ومع ذلك فإن الاتجاهات الإسلامية تستثمر هذا الخلط وتستخلص منه نتائج مهمة، تظهر فيها ازدواجيتها التقليدية بوضوح: إذ تمتدح المرأة بوصفها القلب النابض بالحنان والعاطفة في الأسرة، وتطالبها في الوقت ذاته بأن تلتزم هذه الحدود وتترك للرجل زمام القيادة والقوامة وسلطة اتخاذ القرار.
البقية العدد القادم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.