استقرار سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه ببداية تعاملات 29 يناير 2026    "صفقة مليارية في رويال أزيور".. 2.7 مليار جنيه تداولات سوق خارج المقصورة    محافظ البنك المركزى: إجهاض عمليات احتيال مالى بقيمة 4 مليارات جنيه فى 2025    تنفيذ 24 قرار إزالة في 5 مراكز وحي فى أسيوط    حماس: جاهزون لتسليم الحكم إلى لجنة التكنوقراط    رئيس الوزراء البريطاني: تحسين العلاقات مع الصين أمر «حيوي»    بعثة الأهلي تغادر إلى تنزانيا لخوض مباراة يانج أفريكانز    بث مباشر الآن دون تقطيع.. الهلال ضد القادسية في مواجهات الحسم بالدوري السعودي شاهد مجانًا    تعرف على موعد نتيجة الشهادة الإعدادية بالأقصر لعام 2026    حالة الطقس اليوم الخميس 29يناير 2026 فى المنيا.... اعرف درجات الحرارة اليوم    براءة زوج بعد اتهامه بإلقاء زوجته من شرفة منزلهما ببورسعيد    التضامن: 598 سيدة تقدمت لمسابقة الأم المثالية لعام 2026    مروة عبد المنعم تكشف تفاصيل تعرصها لسرقة مالية    وزير الصحة يتابع مع وفد تركى تنفيذ «مدينة العاصمة الطبية»    الاتحاد الأوروبي يدرس تصنّف الحرس الثوري الإيراني «منظمة إرهابية»    وزير التعليم العالي يشهد احتفالية تكريم أوائل الثانوية العامة والأزهرية    سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه اليوم الخميس 29 يناير 2026    بشير التابعي: خبرة الأهلي تقوده للقب الدوري وعلامات استفهام على الزمالك    النفط يصعد لليوم الثالث على التوالي مع مخاوف قصف إيران    محافظ قنا يوجه بإنهاء شكوى أهالى "الترامسة" من تراكمات المدفن الصحى    تجديد حبس 3 عاطلين بتهمة الشروع في قتل شاب بالشرابية    عين لا تنام.. كاميرات المراقبة سلاح الداخلية فى كشف الجرائم    مصرع شابين إثر تصادم سيارة نقل بدراجة نارية في كرداسة    ضبط المتهمين بصفع طفل أثناء سيره مع أسرته في إحدي شوارع قنا    وزير الخارجية يلتقي الدفعة 58 من الملحقين الدبلوماسيين المعينين حديثًا    سعر الليرة أمام الدولار في مصرف سوريا المركزي    وزير الخارجية ونظيره الفرنسي يبحثان مستجدات الأوضاع الإقليمية    صحة الوادى الجديد: اعتماد مخازن التطعيمات بقطاع الصحة بالمحافظة    كم ساعة من النوم يحتاجها جسمك لتعافي العضلات فعليًا؟ العلم يجيب    مصرع شابين وإصابة 2 آخرين إثر تصادم درجتين بسيارة نقل فى الشرقية    رحل وهو معتمر.. وفاة معلم من قنا بالأراضي المقدسة    الحرب قادمة| الرئيس الأمريكي يحذر إيران: أصابعنا علي الزناد    متوسط العمر المتوقع في أمريكا يصل لأعلى مستوى على الإطلاق في عام 2024    بعثة الأهلى تصل مطار القاهرة استعدادا للسفر إلى تنزانيا    قرارات نارية| رسميًا.. «كاف» يعلن عقوبات السنغال والمغرب في نهائي «كأس أفريقيا»    عيد الشرطة بطولات ماسية.. 74 عاما في خدمة الوطن    الشرطة الداعم لسيدات مصر في حملة ال 16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة    مصطفى عسل يتأهل إلى نهائى بطولة الأبطال للاسكواش بأمريكا    طريقة عمل يخنة العدس الأحمر بالخضار، وجبة دافئة مغذية    حركة النجباء تعلن فتح باب التطوع في جميع محافظات العراق    لقطات إنسانية من قلب معرض القاهرة للكتاب| أم تقرأ.. وطفل يغني وذاكرة تُصنع    تروبين حارس بنفيكا عن هدفه ضد ريال مدريد: طلبوا منى التقدم ولا أعرف السبب    صناعة القارئ عبر بوابة معرض الكتاب    ذكرى (جمعة الغضب).. الشارع ومعه الإخوان في مواجهة مبارك وداخليته    فضل دعاء صلاة الفجر وأهميته في حياة المسلم    دعاء الرزق.. باب الفرج وتوسعة الأرزاق باليقين والعمل    سداسية ليفربول ورباعية برشلونة.. تعرف على أهم نتائج الجولة الختامية من مرحلة الدوري بأبطال أوروربا    60 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات بمحافظات الصعيد.. الخميس 29 يناير    إصابة شخصين إثر اندلع حريق داخل عقار بإحدى قرى المنيا    الدكتور مصطفى حجازي يوقع كتابه الجديد «قبض الريح» في معرض الكتاب    الباحثة شيماء سعيد بعد إطلاق كتابها «المهمشون في سينما إبراهيم أصلان»: أتمنى تحويل رواية «وردية ليل» إلى فيلم سينمائي    د.حماد عبدالله يكتب: سمات المدن الجميلة (الحب ) !!    تشيلسي لثمن النهائي.. ونابولي يودع دوري الأبطال    ندوة مناقشة رواية «ثمرة طه إلياس».. حمدي النورج: التنوّع سمة أصيلة لدى كبار المبدعين    مجلس القضاء الأعلى يحتوي أزمة التعيينات.. إجراءات تعيين دفعات جديدة من أعضاء النيابة العامة وزيادة أعداد المقبولين الأبرز    الأكاديمية الوطنية للتدريب تختتم برنامج تأهيل أعضاء مجلس النواب الجدد    وزارة الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان تضحيات لا تنسى    موعد صلاة العصر اليوم الأربعاء 28يناير 2026 بتوقيت المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شيخ الوقت
نشر في الأهرام اليومي يوم 13 - 08 - 2010

لا يذكر متي ترامت النصيحة إلي سمعه‏.‏ ربما في نصف الدائرة حول إمام جامع علي تمراز وهو يلقي عظة ما بعد صلاة المغرب وربما عند انفراط حلقة الذكر من فوق رصيف البوصيري‏,‏ وربما كان سماعه لها وهو ينزل درجات السلم في طريقه إلي داخل السيالة‏.‏
التقط الكلمات‏,‏ تأملها‏,‏ تدبر معانيها‏,‏ أزمع أن تكون خطواته التالية في اتجاهه‏.‏ في باله الزمن القديم للطرق الصوفية‏,‏ يرتدون الجلابيب‏,‏ فوقها الأوشحة الخضراء‏,‏ يمضون من ميدان أبو العباس قبل أن يعاد انشاء الجامع إلي سراي رأس التين‏.‏ يطل الملك من أعلي السور ذي المقرنصات في نهاية الحديقة الهائلة‏,‏ تعلو أصواتهم بالأدعية والدعوات‏,‏ يلوح لهم بيده يأمر للجميع بمنح وعطايا‏,‏ وإن ميز مشايخ الطرق بما يؤكد مكانتهم‏.‏
عرف أن المريد الحقيقي لابد أن يكون له في زمنه شيخ يأخذ العهد علي يديه‏,‏ يبصره بحقائق الدنيا‏,‏ وما ينبغي أن يعد العبد به نفسه للحياة الآخرة‏,‏ صورة ما يطلبه متناثرة في الجوامع والمساجد والزوايا والموالد وحلقات الذكر والجلوات‏.‏ الصورة الحقيقية‏,‏ شيخ الوقت الذي يسعي اليه يختلف عن كل هؤلاء‏,‏ يعني بترتيب المقامات والأحوال‏,‏ بما يبصر أتباع الطريقة بخطواتهم التالية‏,‏ تؤهله قدرات الزهد والتقشف والطاعة وتربية النفس والحرمان والتقرب إلي الله‏,‏ يمتلك من قوة الفراسة ونفاذ البصيرة‏,‏ ما يتيح التعرف إلي دخائل النفوس‏,.‏
‏(2)‏
أحزنه أن غالبية مريدي الصوفية لا يعرفون الطريقة التي ينتسبون اليها‏.‏ غابت عهود الأولياء الأربعة ابن حنبل والشافعي وأبي حنيفة ومالك اختلطت الاجتهادات والآراء‏,‏ وتشابكت فنسي الناس إلا أنهم سنة‏,‏ فرق الصوفية في الجوامع والموالد والجلوات‏,‏ الشاذلية والأحمدية والنقشبندية والرفاعية والقادرية والخلوتية والبرهامية والقادرية والشعرانية والبسطامية والطيلسان والرداء وغيرها‏,‏ لكل فرقة خليفتها وعلمها وبيارقها وشعائرها وطقوسها‏.‏ كيف يعيشها الناس دون أن يتبينوا الفوارق بينها‏.‏
مايهمه ويسعي إليه‏,‏ أن يحصل علي اعتراف بانتسابه إلي طريقة لها شيخها ونقباؤها ومريدوها وموالدها وطقوسها‏.‏
‏(3)‏
لو أن وليا اختار مجلسا في جامع الشيخ إبراهيم‏,‏ القريب من بيته في السكة الجديدة‏,‏ المطل علي زحام السوق‏,‏ ربما كان شيخه اخترق زحام شارع الميدان إلي الموازيني‏.‏ طالعه ميدان الأئمة بسرادقاته وخيامه وأعلامه وبيارقه وإنشاده وأذكاره‏.‏
مال إلي الدحديرة خلف الجامع‏.‏ أبطأت خطواته أمام زاوية الست مدورة‏.‏ مضي يغالب ارتباكه إلي داخل الزاوية‏.‏
تردد في الذهاب إلي خلوة الشيخ‏.‏ يعرف أنها مكان عكوفة علي نفسه‏,‏ يأخذ منها ويعطي‏,‏ يقرأ ويتأمل ويتهدج بالأدعية‏,‏ استغرقته الرياضات والمجاهدات‏,‏ اجتذبته المشاهدات والمكاشفات‏.‏
أول مايذكره منه‏,‏ جولاته في شوارع بحري ودكاكينه ومقاهيه ومساجده وزواياه‏,‏ يأخذ من الناس ويعطي‏,‏ يسألهم ويجيب عن أسئلتهم‏,‏ ييسر أمور الدنيا‏,‏ ويشرح ما غمض من شأن الآخرة‏.‏
اختار زاوية الست مدورة‏,‏ زاوية تخصه‏,‏ ينفرد فيها بأوراده وقراءاته وتأملاته‏,‏ لايدخل أحد إلا بإذنه‏,‏ وللمثول في مجلسه‏.‏
زهد فيما يقبل عليه الناس من لذة ومال وجاه‏,‏ انفرد عن الخلق في الخلوة والعبادة‏.‏
وروي أنه كان يبيت طاويا‏,‏ لايأكل‏,‏ ولايشرب‏,‏ أياما متوالية قد تجاوز الأسابيع والأشهر‏.‏ وجد في قرب الزاوية من زحام الناس‏,‏ وانشغالهم بالبيع والشراء‏,‏ مايصرفهم عن خلوته بسط السجادة‏,‏ يؤدي الصلاة في أوقاتها‏,‏ يكثر من الأدعية والابتهالات‏.‏
روي أن موضع الزاوية لم يكن علي حاله حين اختارها ولي الله لاعتكافه‏.‏ كانت الأرض حولها خلاء‏.‏ بني الناس البيوت‏,‏ وكثر المتصوفة وأرباب الأشاير‏,‏ عمر المكان بالبيوت والناس‏,‏ سكنوا بالقرب من مقام ولي الله‏,‏ ليعيشوا بالبركات الربانية‏.‏ صار شيخ مشايخ زمانه‏.‏
لم يغلق الشيخ خلوته في وجه أحد‏.‏ بابها مفتوح أمام الخلق‏,‏ من يطلب اللقاء فإنه يظل في الصمت حتي يفرغ الشيخ من قراءاته‏,‏ أو تأملاته‏.‏ تشجعه ابتسامة عينيه علي أن يعرض ما يعانيه‏.‏
عرف عنه القدرة علي الشفاعة للراحلين‏,‏ وتحقيق الرغائب‏,‏ واستحضار ملوك الجان‏,‏ وتزويج العانس‏,‏ وإعادة الغائب‏,‏ وشفاء المريض‏,‏ والإصلاح بين الزوجين‏,‏ ورفع الحسد والعمل والسحر والمس بالجن والعفاريت‏.‏ روي أن الأسماك كانت تطلب غوثه‏,‏ لايلقي الصيادون شباكهم ذات الثقوب الضيقة‏,‏ فتصعد بالأسماك من كل الأحجام‏.‏ جعل الله صيد البحر حلالا‏,‏ لكن المعني يغيب في صيد الأسماك الصغيرة‏,‏ نصح صيادي الجرافة والطراحة أن تقتصر شباكهم علي الثقوب الضيقة‏,‏ فلاتجرف الأسماك الصغيرة قبل الأوان‏.‏
أفاض عليه الناس مالاحصر له من الهدايا والنذور‏.‏
لاحظ المريدون أنه يتبسط في أمور الطريقة‏,‏ يأخذ من أموالها ما قد لايحتاجه ولا يستحقه‏,‏ وينفق في مخالفة للقواعد المشروعة‏.‏
حاولوا الفهم‏,‏ ملأوا حياتهم بالأسئلة‏,‏ عرفوا أنه يدعي العمل علي تصفية نفسه‏,‏ وتجريدها من علائق الجسد‏,‏ والزهد في الدنيا‏,‏ والاستهانة بملاذها‏,‏ لكنه في الحقيقة يرغب في الدنيا‏,‏ يتمني نعيمها‏.‏
‏(4)‏
اندس في نصف الدائرة حول دكة المبلغ‏,‏ اجتذبته كلمات الإمام عن جسر الحياة إلي الآخرة‏,‏ وقصص الرسل‏,‏ ومناقب الصحابة والتابعين‏.‏
لاحظ وجود عدد من أكابر العصر في مجلس وعظه‏,‏ فاطمأن إلي صدق دعوته‏.‏
بعد صيته بالتقوي والصلاح‏.‏ تحركت القلوب إلي الله بتأثير كلماته‏.‏ نسب إليه العديد من الكرامات والأحوال المشهورة‏.‏
يقضي معظم وقته في صحن الجامع‏,‏ بالقرب من مقام السلطان‏,‏ اقتصرت حياته علي الصلاة والذكر والاعتكاف‏,‏ يتجه بعينيه إلي الباب الرئيسي‏,‏ فلا تقع النظرات علي النسوة القادمات بالمقام‏.‏
لم يكن يختار مريديه بالمصادفة‏,‏ إنما يدقق في الاختيار‏,‏ يسأل عن الأصل والبيئة والسن والتعليم والمهنة‏,‏ وما إذا كان أعزبا أو متزوجا‏,‏ يحفظ القرآن كله‏,‏ أم يكتفي بأجزاء‏,‏ أو سور قصيرة‏,‏ يصطفي من يشاء‏,‏ يقربه‏,‏ ويخلص في تعليمه‏.‏
عزف عن السير في الأسواق‏,‏ ومخالطة الناس‏.‏ لايأذن لأتباعه‏,‏ ولا لأي مريد‏,‏ أن يمثل بين يديه‏.‏ جلساء القطب من أكابر أهل الحضرة‏.‏ منع دخول حضرته إلا لمن كانوا خاصة مريديه‏,‏ لايرفض الاتصال بسائر الناس‏,‏ وإن خص بقطبيته وجهاء القوم وأعيانهم‏.‏
اعتزت الطريقة بمن كانت تضمه من فقهاء ومحدثين ومفسرين وقراء وزهاد ونساك‏.‏ أيقنوا من اتصاله بالله‏,‏ تزلفوا إليه‏,‏ يطلبون الرضا والشفاعة‏.‏
لاحظ في الناس انشغالهم بالدنيا أخذ عليهم تهافتهم عليها‏,‏ وإهمالهم القيام بفروض الدين وضع لمريديه قواعد السلوك الصوفي الصحيح‏,‏ قال ان سبب كل المشكلات التي تحيق بنا وتستغرقنا‏,‏ هو البعد عن الله‏,‏ وقال ان الحل لايأتي إلا بالعودة الي الله‏,‏ الي منهج الذات الإلهية‏,‏ وقال ان الحياة الأخري هي الباقية‏.‏
ذكر الشيخ اتباعه بقول الجنيد ان اللحظة التي يعرضون فيها عن الله‏,‏ لايمكن تعويضها بألف سنة من الطاعة والحضور‏.‏
واتته جرأة فسأل الشيخ بما أثاره‏.‏
شوح البشيخ بيد غاضبة فغادر المسجد‏.‏
‏(5)‏
لم يكد يستقر به الحال في جامع سيدي خضر‏,‏ حتي أخذه انصراف المريدين عن الصلاة خلف الشيخ وحضور مجالسه‏,‏ تناقصوا فلم يزيدوا عن آحاد‏,‏ عاب المريدون علي الشيخ أنه يحرم ويحلل علي هواه‏,‏ قدر ماتريده مصلحته‏,‏ اشترط علي مريديه ألا يزوروا وليا أو صالحا من أهل الزمان الا بإذنه‏,‏ ولا يحضرون مجلسا غير مجلسه‏,‏ ولا يستمعون الي سواه‏..‏ وضع أبوابا‏,‏ ألزم بها كل من سلك علي يديه‏,‏ لا يأذن لأحد ممن يسلكون علي يديه أن يقرأ ورد غيره‏:‏ من سلك علي أيدينا لايجوز له أن يهجر أورادنا‏,‏ ويقرأ أوراد غيرنا‏,‏ يعاقب المريد الذي يتغيب عن تلاوة الورد الذي رتبه شيخه‏,‏ يشتد في محاسبة من يتغيب عن مجالس الذكر‏,‏ يعنفه بكلمات قاسية‏,‏ وربما منعه رضاه‏,‏ وقد يطرده من حضرته ويرفض عودته إلا بإظهار التأسف والمسكنة‏.‏
إذا تغيرت نفسه‏,‏ وانقلب مزاجه‏,‏ فإن الكدر يتملكه‏,‏ ويركن الي الاحتجاب‏,‏ وعدم المخالطه‏,‏ من يقتحم عليه خلوته يواجه ما لايقوي علي صده من الغضب‏.‏
حين تأخر عن موعد الدرس‏,‏ قال الشيخ في لهجة تمزج بين الإشفاق والحسم‏,‏ إنه قد اشترط في مريديه الا يتغيبوا عن حضور دروسه‏,‏ طرده من جامع سيدي خضر‏,‏ حيث كان يلقي دروسه‏.‏
تمرد أتباعه علي أوامره‏,‏ وثاروا علي أحكامه‏,‏ توزعوا في فرق وطرق أخري‏,‏ وفضلت أعداد ان تنسي التصوف بالكلية‏.‏
‏(6)‏
سعي اليه الآلاف من الاتباع والمريدين‏,‏ ملكهم‏,‏ برع في اجتذابهم الي دنياه‏,‏ يعرف ما يجذب الأسماع الي حكاياته‏,‏ أقبلوا علي مجلسه في زاوية خطاب‏,‏ تكدسوا في الزاوية‏,‏ تزايدت أعدادهم حتي امتلأ بهم الميدان الصغير أمام الزاوية‏.‏
قال انه أخذ العهد علي سيدي أحمد الشاذلي جاءه في المنام‏,‏ اطمأن الي علو همته قبل ان يوافق علي تلقي عهده‏.‏
من يقصد قطبيته‏,‏ فإن عليه في البداية أن يتوضأ‏,‏ ويصلي ركعتين بنية التوبة‏,‏ والإنابة‏,‏ ثم يزحف علي مقعدته الي حيث نصف الدائرة أن زادت اللمة فهي دائرة كاملة يجد لنفسه موضعا‏,‏ ويصيخ سمعة للكلمات المحلقة في النورانية‏.‏
تكاثر الناس علي مجلسه‏,‏ ينصتون الي أحاديثه وعظاته‏,‏ يتأثرون بها يقرأون دلائل الخيرات في حلقات الحضرة‏.‏
كان له وقار وهيبة في أعين مريديه‏,‏ لم يقدم المريدون علي أي فعل‏,‏ مالم يفيدوا من رأيه ومشورته‏,‏ وتنفيذ مايقضي به‏.‏ أشد ما هم الشيخ تلاوة
القرآن وحلقات الذكر والانشاد الديني‏,‏ قال‏:‏ لن أقبل في طريقتي أحد‏,‏ مالم يكن حفظ القرآن كله‏,‏ وقرأ من الأحاديث الشريفة‏,‏ وسيرة النبي‏,‏ وقصص الصحابة والتابعين‏,‏ مايصح به انتسابه الي الصوفية‏.‏
لاحظ في تلاوة العديد من المريدين للقرآن انها لاتجاوز حناجرهم‏,‏ عاب مظهرية الأداء يثيره التطوح بلا معني‏,‏ عني بدقة حركات الذكر‏,‏ طريقة الاهتزاز‏,‏ وتناغم أصوات الذاكرين‏,‏ والناحية التي يميل ناحيتها في نطق كل كلمة‏,‏ عامل المتهاونين والخارجين علي أوامره بالحساب العسير‏.‏
أخذ عليه المريدون تشبثه برسوم الدين وطقوسه‏,‏ وإهماله قواعد الدين وأسبابه‏,‏ هو عاجز عن فهم نظرتهم الي الأمور‏,‏ ومعني الطقوس التي يمارسونها‏.‏
أعادوا النظر في ماجري‏,‏ قلبوه‏,‏ ناقشوه‏,‏ تقصوا أسبابه ونتائجه أدركوا مابدا غامضا‏,‏ أو غاب عن تصوراتهم رفض المريدون كل أفكاره إنهم استغنوا عن القطبية‏,‏ فلا إمام لهم ولا ولي‏.‏
‏(7)‏
قال لنفسه‏:‏ هذا شيخي‏:‏علق به قلبه‏,‏ أزمع أن يأخذ عنه الطريقة‏,‏ عرف صحة طريقته من وقائع‏,‏ قيل إنها ظهرت علي لسانه ويديه‏.‏
أخلص العبادة لله دون أن تكون له زاوية يستقبل فيها مريديه‏,‏ أخذ الطريق‏,‏ سار فيه شوطا‏,‏ ثم صار صاحب زاوية‏,‏ فيها العشرات من المريدين‏,‏ يذكر مريديه بالإمام النوري‏,‏ عندما يجلس اليهم في بقعة مظلمة‏,‏ كان النور ينبعث من فمه وهو يتكلم‏,‏ فيضئ المكان‏.‏
فشت الطريقة في بحري‏,‏ وافتتن بها الناس‏,‏ اجتذبت الآلاف من المريدين‏,‏ حتي هؤلاء الذين لايدرون بالصوفية‏,‏ ولا بأحكامها‏,‏ أو طقوسها‏,‏ خضعوا له‏,‏ ساروا تحت رعايته‏.‏
أسرار الحقيقة لايفهمها غير العلماء الواصلين‏,‏ هو قطع المنازل‏,‏ ترقي في المقامات‏.‏
تعلم علوم الظاهر والباطن‏,‏ جمع بين الفقه ورواية الحديث‏,‏ حفظ سائر مايوصف به الله تعالي من معاني الرحمة والعدل والعلم والقدرة والمحبة والعشق والحكمة والعظمة والجمال والجلال‏.‏
أعرض عن زخرف الحياة وزينتها زهد فيما أقبل عليه الناس من المال وعلائق الجسد‏,‏ قطع المعاملة مع الخلق‏,‏ وفتح المعاملة مع الله سبحانه‏,‏ صان قلبه من الاتساع لغير حب الذات الإلهية‏,‏ روي مريدوه ان قربه من الحق سبحانه بلغ حد التدلل‏,‏ والأنس‏,‏ ورفع الكلفة‏.‏
عرف عنه كثرة تصدقه علي فقراء الطريقة‏,‏ يرفض أن يكون بينهم معوز أو محتاج‏.‏
وكان يجري الأرزاق علي طلبة معهد المسافر خانة الديني‏,‏ حتي الدراويش الذين بلا عمل‏,‏ كان يقربهم إليه‏,‏ ويحاول إلحاقهم باشغال يتكسبون منها‏,‏ لاتقتصر حياتهم علي مايصل الي أيديهم وأفواههم‏,‏ ومن الصدقات والزكوات‏,‏ وفي موالد الأولياء‏.‏
ذات يوم‏,‏ لم يره الناس يصلي‏,‏ قيل انه رفع التكليف‏,‏ وقيل انه يحرص علي الصلاة في خفاء عن الناس‏,‏ أو يؤدي أوقاتها في البقاع المقدسة‏,‏ استغرقته أحوال الجذب والمحو والسكر والفناء‏.‏
أخذ عليه الناس أنه يسقط عنه كل مايأمر به‏,‏ ويفعل كل ماينهي عن فعله‏.‏
قال ان الولاية تعفيه من تكاليف الدين‏,‏ ترفعه عن سائر البشر‏,‏ تجعله فوق قواعد الدين‏,‏ وأوضاع العرف‏,‏ ومقتضيات التقاليد‏.‏
أضاف وعيناه تفحصان المريدين الذين امتلأت بهم القاعة‏:‏ ان من آداب المريد نحو شيخه ان يؤثر طاعته‏,‏ ولو كان فيها ما لايتفق مع قواعد الدين‏.‏
قنع المريدون بلبس الزي‏,‏ دون ان تكون لهم صلة بفروض الدين من وضوء وصلاةوصوم وتقيد بالكتاب والسنة‏,‏ يطيعون أوامر الشيخ دون مناقشة‏,‏ ولا مراجعة‏.‏
أخذ الناس الذهول حين منع أداء الشعائر في المسجد‏,‏ فلا أذان ولا إقامة ولا صلاة‏.‏
حذر الشيخ مريديه من الغلو في طلب الآخرة ينسون دنياهم‏,‏ وينسون أنفسهم دعاهم الي زينة النفس‏,‏ ونعيم الدنيا‏,‏ أذن لهم بالانسلاخ من التكاليف التي فرضها الدين‏,‏ أن يقولوا كل مايخطر لهم‏,‏ يفعلوا كل مايتشهوا منه‏.‏
أهمل أصوات المريدين التي علت دون تدبر تتهمه بأنه أساء استخدام علمه
‏(8)‏
المولد‏..‏
الناس علي الغاية في الزحام‏.‏
استولت كل طريقة علي جانب من الميدان‏,‏ أو شارع جانبي‏,‏ أو قطعة خلاء قريبة‏,‏ أو خرابة تقيم سرادقا يضم اتباعها‏,‏ من تضيق به سعة السرادق يجد الملاذ في خيام الميدان وأكشاكه‏,‏ حتي الدحديرة الصاعدة والنازلة مابين ميدان أبوالعباس وأول الموازيني‏,‏ شغلتها فرق صوفية‏,‏ ميزت كل واحدة نفسها بعلمها الخاص‏,‏ وان اختلط المداحون وأرباب الأشاير والمنشدون والمغنون والسبح الكبيرة والملاحف والألعاب والملاهي والحواة والنذور والشموع والخراف والعجول‏,‏ تعالت دقات الطبول والدربكات والدفوف‏,‏ ونقرات الأصابع‏,‏ وأصوات العود والناي والربابة والمزمار والنقارة‏,‏ تداخلها ابتهالات القراء والذاكرين وأورادهم وانشادهم وتهليلهم وصيحات الوجد والصلاة علي النبي‏,‏ ومزيج البخور من الصندل والمسك والعنبر والزعفران‏.‏
أخذته الحيرة‏,‏ لايدري الي أين يسير بدا الناس علي الغاية في الزحام‏,‏ السرادقات والخيام والأكشاك في جوانب الميدان‏,‏ رفعت كل طريقة ما يعلن سطوتها من السيوف الخشبية والاعلام والأشاير ومزاريق الجريد والرايات والخرق الملونة‏.‏
لم يحاول اختراق الزحام الي موضع طريقة ما‏,‏ أزمع التعرف الي الشيخ الذي يرجو أخذ العهد علي يديه‏,‏ الطريقة التي يزمع الانتساب اليها‏,‏ من يريده هو شيخ الوقت‏,‏ يخضع له الدراويش بصرف النظر عن المهن التي ينتسبون اليها‏,‏ هو ماض يجد الحاضر في إيمان كل الدراويش به‏.‏
طال تردده‏,‏ ثم مال الي الموازيني
تهيأ لزحام شارع الميدان


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.