نادراً ما نجد شخصا يتقن عمله بكل الإخلاص والجهد دون أن ينتظر مدحا من أحد، بل يفعل ذلك لأنه مؤمن بأن الله يراه دائماً، ولن يضيع أجره ابداً، ويضع الإنسانية فى المقدمة، ولا يتظاهر بتقواه أو ما يقدمه للآخرين.. وأتحدث هنا عن الطبيب الإيطالى (جوسيبى موسكاتى) الذى كان مثالاً واضحاً للتضحية والبذل من أجل الإنسانية، وقد ولد عام 1880 وتوفى عام 1927 أى عاش 47 عاما، ودرس الطب بجامعة نابولى بإيطاليا، وكان يؤمن جيداً بأن الطب مهنة إنسانية ليس الغرض منها تشخيص المرض وإعطاء الدواء فقط أو الكسب المادى، بل كانت حياته مُقسَّمة بين رعاية المرضى ومتابعتهم باهتمام شديد يُراعى فيها آلامهم ومعاناتهم حتى وإن كانت آمال الشفاء ضعيفة من جهة، ومواصلة البحث العلمى فى أوقات انتهاء وردية الإشراف على المرضى من جهة أخرى، وكان يؤدى مهام الرعاية والتمريض بنفسه لتنمية الناحية الإنسانية فى رسالة الطبّ، وتعليم الفريق الطبى أن الطب ليس فقط دواء للجسد بل أيضا اهتمام بنفسية المريض، وقد ذهب إلى الأماكن النائية، واختلط بالفقراء عند انتشار مرض الكوليرا وسعى لعلاج مرضاهم، ونظر إلى الطب كرسالة سماوية لتخفيف معاناة البشر، لا كوسيلة لتحقيق الربح بتوفيره للقادرين فقط، ولذلك رفض تحميل الفقراء تكاليف العلاج، واستقبل الفقراء بمنزله وكان يفحصهم دون مقابل، بل إنه كثيراً ما كان يُعطى مبلغ 50 ليرة ملفوفة فى روشتة الدواء لأى فقير يُعالج لديه، لدرجة أنه باع أجزاء من أثاث منزله ليقدم الدواء لكل من يسأله من الفقراء، وكانت ابتسامته الدائمة أكبر دواء لكل مريض.. توفى موسكاتى عام 1927 عن عمر يناهز 47 عاما فقط.. لقد كان مثالا للطبيب الذى أدرك جيداً أن الله أعطاه هذه الموهبة والرسالة لخدمة الإنسانية، وكم أتمنى أن يحذو أطباؤنا حذوه من أجل الإنسانية. ميلاد صديق غالى