فى البرنامج المطبوع الذى أعدته بعناية إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة لبرنامج الندوة التثقيفية 29 تحت عنوان: أكتوبر تواصل الأجيال. وهو الاحتفال الذى أقيم الخميس الماضى. فى البرنامج لم يكن مدرجاً أن الرئيس عبد الفتاح السيسى سيلقى كلمة. على الرغم من أن الاحتفال يتم بحضوره وتحت رعايته. لكنه استأذن الحاضرين أولاً. والمسئولين ثانياً. لأنه يريد أن يتكلم كإنسان، وليس كرئيس للدولة المصرية الآن. ولا قائدا أعلى لجيشها. جاشت فى خاطره بعض الأمور التى أحب أن يشركنا معه فى تناولها والكلام عنها، وتأمل ما يمكن أن تشير إليه. لم يتكلم من المقعد الذى كان يجلس عليه. لكنه صعد للمسرح وتكلم. ولأنها كلمة ارتجالية، لم تكن مُعدة من قبل. ولم تكن أمامه أى أوراق ينظر فيها أو يقرأ منها. فقد ارتجل بشكل مباشر من القلب مباشرة ما كان يحب أن يقوله فى مناسبة الاحتفال بمرور 45 عاماً على حرب السادس من أكتوبر 1973، ما قاله الرئيس مهم. لكنى توقفت طويلاً أمام عبارة جاءت خلال كلامه: - الفارق بين عشماوى والمنسى إيه؟! ده إنسان وده إنسان. وده ضابط وده ضابط. والإثنان كانا فى وحدة واحدة. الفرق بينهما أن أحدهما اتلخبط وخان. وحد تانى استمر على العهد والفهم الحقيقى لمقتضيات الحفاظ على الدولة. الأول عاوزينه علشان نحاسبه. والثانى بنصفق له. لحظة روائية. فيها مكونات الدراما. يمكن أن تشكل بذرة تتحول لنص روائى، أو فيلم سينمائى، أو مسلسل تليفزيونى أو عمل إذاعى. لأنها تقدم تلامس حكايات الناس فى لحظات فارقة. أيضاً تدون قصة اختيار الإنسان لقدره ومصيره. وموقفه من نفسه وأهله وما يمكن أن يفعله إزاء مصر. الوطن الذى قدم له الأمن والأمان. فكيف كان رد فعله؟ هنا تختلف الحكايات بين إنسان وإنسان. حتى لو جمعهما زمان واحد ومكان وحيد. لقائى الأول بحكاية أحمد المنسى، كان فى الندوة التثقيفية ال 26، التى أقامتها الشئون المعنوية بمناسبة الذكرى 44 لانتصار أكتوبر. وحضرها كما تعودنا الرئيس عبد الفتاح السيسى. وفى ذلك اليوم فوجئنا بزوجة الشهيد تُحدثنا من حبة قلبها عن زوجها الشهيد. اسمها منار محمد سليم، زوجة البطل العقيد أركان حرب أحمد صابر منسى، وبتلقائية ومفردات لغة إنسانية قالت: أنا جاية النهاردة أتكلم عن أحمد منسى الإنسان مش البطل، وأن المؤسسة العسكرية التى ينتمى ليها أحمد أولى بالحديث عن بطولاته. قالت: أحمد كان بيقدم المساعدة لأى إنسان محتاج. لما كان بيلاقى سيدة معاها أطفال صغيرين، كان بيوصلها لحد بيتها. ولما كانت بتدعيله، كان بيرد عليها بأنه معملش حاجة. كان دايماً بيقول أنا ما عملتش غير إنى طلعت حق ربنا فى العربية، كل حاجة فى الدنيا ربنا مديهالى ليه فيها حق، اليوم اللى كان بياخد فيه مرتبه، كان بيروح يطلع حق ربنا فيه. واللى يتبقى بنعيش بيه. وأضافت: ابنى بعد استشهاد والده بثلاثة أيام قالى أنا نفسى لما أكبر أدخل الكلية الحربية علشان أستشهد زى بابا. وتابعت: فكرة إهانة مصر ولو بإلقاء منديل فى الشارع كانت مؤلمة بالنسبة له، كان بيحب مصر، وكان بيغير على مصر. ولأن المرأة المصرية حكاءة بطبعها، تتفوق على أكبر الحكائين المحترفين، حكت:- أحمد كان بيكتب شعر، وروت بعض الأبيات الشعرية له: شجرة إنتى يا مصر من عمر التاريخ، أعلم أنكِ فانية، فلا شىء باقياٍ، ولكنك باقية حتى يفنى التاريخ. أحمد ما كانش بيغرز فى ابنه غير علاقته بربنا وحبه لجيش بلده، ومن كتر ما كان ابنه فخور بمصر وبجيش مصر عمله له أفارول، وكان وعده إنه فى أقرب مناسبة هياخده بالأفارول للشغل لوحدته العسكرية. والحكاية تسلمنا لحكاية أخرى، تقول زوجة البطل انه قال لها: إنتى خايفة ليه أنا هبقى شهيد؟ أنا واثق إن ربنا هيخلى باله منكم بعدى، وواثق إن سايب بطلة هتربى الولاد أحسن ما كنت حربيهم لو كتب لى إنى أعيش. أحمد كان مجهز الأفارول اللى هيدفن بيه قبل ما يستشهد بشهر. وأوصى ألا يُغسل وألا يُكفن وأن يدفن بالملابس التى استشهد بها. ولأنه كان يشعر بدبيب الشهادة فى أعماق روحه، ترك خطاباً للعدو قال فيه:- جزيل الشكر لعدوى اللى أتاح ليا الفرصة بعد سنين من التدريبات إنى أواجهه، دخلت أرض الفيروز بأفارولى، وخلانى أصلى فى كل شبر فيها. ويتابع بادئاً بالقسم: - أقسم بالله العظيم مالكش عيش فيها طول ما إحنا فيها. تقول مدونات قواتنا المسلحة أن الشهيد أحمد المنسى استشهد فى مواجهة هجوم انتحارى على أحد المقار الأمنية فى شمال سيناء. وما زالت عقول وأفئدة من كانوا معه تؤكد أنه أظهر بطولات فائقة ولافتة خلال مواجهة تلك العناصر الإرهابية القاتلة. جرى الاستشهاد وأرجوك لا تحسده على يوم الاستشهاد فى يوم الجمعة السابع من شهر يوليو 2017، وكان وقت استشهاده قائداً للكتيبة 103 صاعقة بالقوات المسلحة. أرجوك لا تتصور أن وصف شاعر الذى أطلقته منار محمد سليم عليه نوع من مبالغات زوجة فى سياق الحديث عن بطولات زوجها الشهيد. فقد ثبت بالدليل القاطع أن الرجل كان يقول الشعر. وقد انفردت مجلة الهلال التى يرأس تحريرها خالد ناجح، فى عدد 1498 الذى صدر فى أول ديسمبر 2017 بنشر قصائده كما كتبها بخط يده. وهى وثيقة أدبية مهمة. يجب ألا نتعامل معها كما يفعل نقاد الأدب من أهل الاحتراف عند التعامل مع النص الشعرى. من حق النقاد التعامل مع النص انطلاقا من البحور والأوزان والقوافى والإضافة والخيال. فذلك عملهم. ولكننا أمام تجربة إنسانية من نوع فريد. تم التعبير عنها ببساطة تفوح من كل بيت شعر رائحة التجربة الإنسانية. وفى تجارب الإنسان. فإن تجربتين لا يمكن الكتابة عنهما إلا عبر التجريب الإنسانى. وهما السجن والحرب. لأن التفاصيل الإنسانية الكامنة فيهما من الصعب تخيلها أو ابتداعها أو استدعاؤها من أرض الخيال. لمزيد من مقالات يوسف القعيد