أكتب هذه المقالة عن كتاب زميلنا العزيز الأستاذ صلاح منتصر الصادر عن دار أخبار اليوم بعنوان «شهادتى على عصر عبد الناصر سنوات الانتصار والانكسار» وهناك عدة أسباب تدفعنى لكتابة هذه المقالة. أولها بالطبع موضوع الكتاب. فعصر عبد الناصر موضوع خطير ومثير، خاصة حين ينظر له الكاتب هذه النظرة الشاملة التى لا تقف عند حدث أو قضية بالذات وإنما تجتهد فى الاحاطة بالعصر كله وبما جرى فيه. وصلاح منتصر كاتب صحفى متمكن من أدواته. وهو يتميز بالدقة والصراحة والشعور بالمسئولية إزاء القارئ، هذا الشعور الذى ألح عليه فى أن يدلى بشهادته وقد تجاوز الثمانين من عمره الذى عاش معظمه فى هذه المهنة وفى مؤسسة من أهم مؤسساتها يتلقى الأخبار ويصوغها. ونحن نعرف من كتابه أنه كان مكلفا من الأستاذ هيكل رئيس التحرير بتقديم خطب عبد الناصر تقديما يلخصها ويتضمن أهم ما فيها ويشجع القارئ على قراءة نصها الكامل. وهو عمل أتاح له أن يعرف الكثير وأن يحدثنا عنه، وأن يعيد النظر فيما كتب وفيما لم يكتب، ويعتبر هذا كله، خاصة وقد بلغ هذا العمر، أمانة فى عنقه لابد أن يوصلها للأجيال الجديدة. وأنا حالى شبيهة بحال الأستاذ صلاح. فقد تجاوزت الثمانين مثله، واشتغلت بالصحافة مثله منذ كنت فى الحادية والعشرين. هو سبقنى إليها بعام واحد. لكن الدار التى التحقت بالعمل فيها كانت «روزاليوسف». وهى تختلف بالطبع عن «الأهرام». لأن الصحافة الاسبوعية تختلف عن الصحافة اليومية، ولأن تقاليد «روزاليوسف» تختلف عن تقاليد أى دار أو مؤسسة أخري، لأن المادة الصحفية فى اصداراتها، سواء كانت كتابة أو رسما، ليست مجرد خبر أو تقرير كما هى الحال فى الصحافة اليومية، وإنما هى قبل كل شىء تعبير. ومن هنا اتسعت «روزاليوسف» للكتاب والشعراء والرسامين الذين عملوا فيها. غير أن اشتغالى بالأدب لم يحل بينى وبين الاهتمام بالسياسة وخاصة فى تلك السنوات التى كانت حافلة بالأحداث الكبرى التى كانت هى مادة الكتابة بالنسبة لصلاح منتصر يتعامل معها ككاتب صحفي، وأتعامل معها كشاعر. ومع هذا فأنا أجد رؤيته لعبد الناصر وعصره قريبة من رؤيتي. عبد الناصر زعيم وطنى أعطته الجماهير المصرية والعربية ما لم تعطه زعيما آخر من حبها والتفافها حوله وثقتها فيه. وقد أعطاها هو من ناحيته الكثير، وخاصة فى السنوات التالية لانفراده بالسلطة. جلاء القوات البريطانية المحتلة، وتأميم القناة، والانتصار السياسى الذى انتهى به العدوان الثلاثي، والسد العالي، وغيرها من الإنجازات التى تمت تحت شعار «الكفاية والعدل». الكفاية بالعمل على زيادة الإنتاج، والعدل بالعمل على رفع مستوى الدخل، وانحياز الدولة للطبقات الفقيرة الذى تمثل فى توزيع الأراضى التى استولت عليها الدولة من كبار الملاك على الفلاحين المعدمين، وتأميم المصارف والمصانع والشركات، وتخفيض إيجارات المساكن، وتوفير السلع الضرورية بأسعار منخفضة. هذه العلاقة الحميمة التى قامت بين الجماهير المصرية والعربية وبين عبد الناصر كانت هى نقطة الضعف التى نفذت منها الهزائم والانكسارات التى منى بها عبد الناصر ومنى بها نظامه ومنينا بها جميعا. فعبد الناصر الذى وصل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكرى اختار دائما أن ينفرد بالسلطة وأن تكون له فى كل شأن وفى كل قضية الكلمة الأولى والأخيرة التى لا يراعى فيها إلا رد الفعل الجماهيري. القرار الذى يتخذه، كما حدث فى الوحدة المصرية السورية، وفى حرب اليمن، وفى حرب يونيو، كان نوعا من المغامرة لا ينبنى على موازنة بين الاحتمالات المختلفة أو دراسة دقيقة لإمكاناتنا نحن وامكانات الأطراف الأخري، وللظروف المحيطة وتأثيرها الايجابى والسلبى هذا لم يكن يعطيه حقه من الاهتمام والتفكير، وإنما كان رد الفعل الجماهيرى هو أهم شىء بالنسبة له، وهو وضع وجده مريحا له من ناحية، ومريحا للجماهير من ناحية أخرى. له لأن الجماهير تصفق له وتهتف باسمه، وللجماهير، لأن الجماهير وخاصة فى نظام يصادر الحريات ولا يسمح بقيام أحزاب سياسية الجماهير فى مثل هذا النظام مطالبها محدودة تفرح بالشعارات الرنانة، وتكتفى بالقليل، على عكس النخب السياسية المثقفة التى تناقش وتتفلسف، وتطلب كشف الحساب، وترفض حكم الفرد، وتقاوم النظم الشمولية. وهؤلاء هم الخصوم الذين عاملهم عبد الناصر ونظامه بكل قسوة. والنتيجة هى الفراغ السياسى الذى تحرك فيه عبد الناصر وحده دون أن يحسب حسابا إلا للجماهير التى كانت تصفق له وهو منتصر وتصفق له وهو مهزوم. حين عرض عليه السوريون الوحدة لم يدرس ما كانت عليه أوضاع السوريين السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهى أوضاع تختلف كثيرا عما كانت عليه أوضاع المصريين. وإذا كان السوريون متحمسين للوحدة العربية ومستعدين للتخلى عن استقلالهم وحل أحزابهم السياسية ليندمجوا مع مصر فى دولة واحدة فلهم فى المقابل مطالبهم وشروطهم التى يمكن أن يسكتوا عنها بعض الوقت لكن ليس على الدوام. وهكذا بدأوا بالهتاف والتلبية: من الخليج الثائر، إلى المحيط الهادر/ لبيك عبد الناصر! ثم أخذت حماستهم تفتر يوما بعد يوم حتى استطاع عدد من الضباط المتآمرين أن يقوموا بانقلابهم الذى انفصلت به سوريا عن مصر! وليس غريبا أن تتكرر الأخطاء وتتضاعف الخسائر، لأن العقلية هى العقلية وردود الأفعال هى ردود الأفعال. بعد سنة من وقوع الانفصال فى سوريا وقع انقلاب فى اليمن فسارعت مصر لمساندته لأنها اعتبرته امتدادا لما حدث فيها وتعويضا عما خسرناه فى سوريا. وبدأت المساندة بعدد قليل من الضباط والجنود ظلوا يتزايدون لأن الحرب اتسعت بين الذين وقفوا مع الانقلاب والذين وقفوا ضده وشاركت فيها السعودية إلى جانب هؤلاء الأخيرين، وبلغ عدد القوات المصرية المحاربة فى اليمن خمسين ألفا من الضباط والجنود، وبلغ ما ننفقه يوميا فى هذه الحملة مليون جنيه نصفها بالعملات الأجنبية. وكانت حرب استنزاف استمرت خمس سنوات وخسرنا فيها الكثير. من طاقاتنا البشرية والمادية. والذى قلناه عما حدث لنا فى سوريا وفى اليمن هو ما يمكن أن نقوله عما حدث فى حرب الخامس من يونيو. وقد آن لنا أن نراجع أنفسنا وأن نتعلم من أخطائنا! لمزيد من مقالات ◀ بقلم أحمد عبد المعطى حجازى