أصابته السنوات الثلاث التى قضاها فى جامعة لندن بصدمتين ثقافيتين كشف عنهما زكى نجيب محمود فى كتابه الأدبى الباكر «جنة العبيط»: الأولى صدمة الحرية. والثانية صدمة العلم. ومن ثم راح يمعن النظر فى الاتجاهات الفلسفية الغربية، القادرة على عقلنة وتحرير الشخصية العربية، ليجدها أربعة أساسية جذرها المشترك هو اتخاذ «الإنسان» فى حياته الدنيوية محورا للاهتمام: أولها يتمثل فى فلسفة التحليل اللغوى (الوضعية المنطقية)، السائدة فى بريطانيا، فما دامت تصب اهتمامها على التفكير العلمى فهى بالتالى تقصر هذا الاهتمام على ما هو ذو صلة بحياة الإنسان على هذه الأرض. وثانيها هو الفلسفة البرجماتية السائدة فى أمريكا وأساسها هو أن الفكرة تعد صحيحة إذا كانت نتائجها نافعة للإنسان ، فليس المهم هو «أصل الفكرة» من أين جاءت وكيف جاءت؟ بل المهم هو ما تثمره للإنسان من نتائج تنفعه فى حياته. وثالثها هو الفلسفة الوجودية فى غرب أوروبا، ومدارها حرية الإنسان فيما يتخذه لنفسه من قرارات ليكون مسئولا عنها أخلاقيا. ورابعها هو الفلسفة المادية الجدلية السائدة فى شرق أوروبا ومحورها هو أن الحياة الثقافية، بما فيها القيم الأخلاقية والجمالية إنما تولدت عن الحياة الاقتصادية، فإذا تغيرت أسس الحياة الاقتصادية المادية ، تغيرت بالتالى دنيا الثقافة، وإذن ففى مقدورنا أن نشكل الحياة العلاقات الاقتصادية تشكيلا ينتهى بنا إلى إقامة حياة إنسانية تصون للإنسان حقوقه. وقد اختار الرجل من بينها جميعا «الوضعية المنطقية»، وهى فلسفة تسعى إلى إقامة مطابقة بين بنية اللغة والعالم، باعتبار أن اللغة هى نفسها الفكر وليست مجرد وعاء له، وأن العقلانية تفترض الاستخدام الجيد للغة بحيث يكون لكل ما تنطوى عليه مفردات اللغة من جمل وعبارات شواهد وأعيان فى الواقع الخارجي، فإذا لم توجد تلك الشواهد والأعيان كانت المفردات هذه محض لغو لا معنى له، ومن ثم يصبح استخدامها غير صحيح أو مشروع. تلك الصيغة، الأكثر راديكالية للعقلانية، كانت قد تبلورت فى سياق حلقة فيينا خلال الربع الأول من القرن العشرين، على يدى رواد من أمثال كارناب وشليك، وفتجنشتين، أولئك الذين حاولوا أن يضعوا الكون فى إطار لغوي، تتضافر فى صنعه الرياضيات والمنطق، إذ يستجيب للنزعة الحتمية الموروثة عن فيزياء نيوتن، ويؤكد الثقة المفرطة فى العلم الطبيعي/ التجريبي، وفى قدرته على تفسير شتى جوانب الظاهرة الإنسانية. ومنذ عودته 1947 وحتى مطلع الستينيات عاش زكى نجيب محمود كداعية للوضعية، التى رآها طريقا وحيدا لتخليص الثقافة العربية من هيمنة الميتافيزيقيا. ففى كتاب «شروق من الغرب» الصادر عام1951 بدأ تلك الدعوة. وفى كتاب «المنطق الوضعي» بجزئيه: «المنطق الصوري»، و«فلسفة العلم» 1952، صاغ مانيفستو دعوته المنطقية على هذا النحو: «أنا مؤمن بالعلم»، كافر بهذا اللغو الذى لا يجدى على أصحابه، ولا على الناس شيئا، وعندى أن الأمة تأخذ بنصيب من المدنية، يكثر أو يقل، بمقدار ما تأخذ بنصيب من العلم ومنهجه». ثم توالت أعماله طيلة الخمسينيات معبرة عن هذا الاتجاه نفسه مثل «خرافة الميتافيزيقيا» عام 1953م، و«نحو فلسفة علمية» عام 1960، فضلا عن كتابين صدرا له عامى 1956، 1958 الأول عن فلسفة «برتراند رسل» الذى كان قد أمد الوضعية المنطقية بكثير من أدواتها التحليلية وإن لم يعلن انتماءه إليها رسميا. والثانى عن «ديفيد هيوم» الأب الأول للتيار الوضعى العام منذ القرن الثامن عشر. وقريبا منها يأتى كتاب «حياة الفكر فى العالم الجديد» مؤرخا للفلسفة الأمريكية فى تيارها الأساسى «البراجماتي» والذى يبدو فرعا للأصل الوضعي، وخاصة لدى تشارلز بيرس، ووليم جيمس، وجون ديوي. وقد أفضت حماسته الوضعية إلى الهجوم عليه تحت وطأة هاجسين: أولهما هو الإلحاد ظنا من مهاجميه بأنه مادام ينفى المعرفة الميتافيزيقية، ووجود الله من القضايا الميتافيزيقية، فهو إذن ينفى وجود الله. ولم يكن ذلك صحيحا، فهو لم يتصور الوضعية المنطقية «مذهبا فلسفيا» موجبا يطرح تصورات «كلية» عن القضايا الفلسفية الكبرى من قبيل: الله، والحرية والخلود مثلا، بل تصورها «منهجا» للتفكير العلمى يتوقف عند حدود العالم الطبيعى والواقع الاجتماعي، حيث يستحيل إقامة البرهان التجريبى على ما فوق أو بعد الطبيعة، خصوصا وجود الله. ورغم أنه نفسه يؤمن بوجوده، فإن هذا الإيمان لا يأتيه من خلال التجربة بل عبر الوجدان، أى الحدس المباشر كطريق للمعرفة أوسع وأشمل من طريق العقل الخالص، وإن لم يكن بالضرورة مناقضا له. وبمعنى أبسط أراد القول: مات أرسطو.. عاش بيكون. غير أن هذا القول قد أفضى إلى منع كتابه «خرافة الميتافيزيقيا»، والذى عاد ليصدره هو نفسه، بعد أكثر من العقد، ولكن بمقدمة شارحة، وعنوان أكثر مهادنة «موقف من الميتافيزيقيا». ولذا فقد اعتز الرجل كثيرًا بوصف العقاد له (أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء)، إذ اعتبره شهادة تمكين له فى الحقل الثقافي. أما الثاني: فهو «التغريب الثقافي»، وهنا تبدو دعاوى مهاجميه أكثر جدية؛ ذلك أن قصر دور الفلسفة على التحليل اللغوى لقضايا العلم التجريبي، استخلاصا لمبادئه وقوانينه العامة، ومن ثم نفى فاعلية الفكر الفلسفى فى بلورة المبادئ التأسيسية والمفاهيم الكبري، إنما تعنى الخضوع لتصور أحادى عن «العقلانية» ينهض على الحتمية العلمية، ويستعيد مقولات التنوير المادي، وهو الفهم الذى كان قد أخذ يتراجع فى الغرب نفسه آنذاك (ستينيات القرن العشرين) بفعل نجاح فلاسفة علم من أمثال كارل بوبر، وتوماس كون، فى الكشف عن منطق للكشف والتطور العلمى يكرس لمفهوم الاحتمال على حساب الحتمية، وصعود تيارات فلسفية تؤسس لنفسها على نسبية فيزياء أينشتين بدلا من استاتيكية فيزياء نيوتن، على نحو ينفى عن الوضعية المتطرفة حق الحديث وحدها باسم العلم التجريبي، وعن العلم التجريبى حق الحديث وحده باسم الفكر الإنساني، وعن الغرب المتمركز حول ذاته حق الحديث باسم الإنسانية، وعن الإنسان نفسه إمكانية اختزاله فى بعد واحد مادي، كما كان يؤكد هربرت ماركوزا باسم مدرسة فرانكفورت التى كانت تستعيد حضورها النقدي، ما سوف يدفع زكى نجيب محمود إلى التحرك من الموقف الوضعى نحو الموقف التوفيقي.. ولهذا حديث قادم. [email protected] لمزيد من مقالات ◀ صلاح سالم