ماعليك الا ان تستعرض تجارب الدول الصاعدة اقتصاديا، حتى تكتشف بنفسك دون عناء ، ان للنجاح تضحيات، وللتقدم ضريبة، من كوريا الجنوبية وماليزيا فى شرق اسيا الى المكسيك فى امريكا ، مرورا باندونيسا وفيتنام، كل هذه الدول قدمت كثيرا من التضحيات من اجل ان تخرج من عباءة الفقر لتلحق بقطار التقدم والازدهار الاقتصادى وتقفز بمتوسط الدخول للمواطنين، وتوفر خدمات متطورة فى التعليم والصحة والخدمات الاساسية الاخرى. خلاصة تجارب الدول التى نجت فى مسيرة الاصلاح الاقتصادى وحققت تقدما ملحوظا خلال العقود الماضية، حيث اعتمدت بالاساس على الصبر والمثابرة لدى مواطنيها وثقتهم فى الحكومات لديهم ، وتكاتف الجهود مع تقديم التضحيات، من اجل الخروج من النفق المظلم الى افاق رحبة،وفى مقدمة ذلك المضى قدما فى مسيرة الاصلاح دون تردد ،وعدم التوقف واستحسان النتائج الأولية الناتجة عن الاصلاح النقدى والمالى دون تنفيذ الجزء الاهم من الاصلاح الهيكلى الذى يبنى على ما تحقق من اصلاح نقدى ومالى لفتح شرايين الاقتصاد وتحقيق تعميق الصناعة بما يضاعف القيمة المضاعفة ويعزز التنافسية ، ويعمل على تعظيم قدرات الموارد البشرية من خلال تطوير التعليم والاهتمام بالتدريب، بما ينعكس على مضاعفة الصادرات الصناعية عالية القيمة المضافة .
ثمة خارطة طريق انتهجتها تلك الدول التى نجحت فى الاصلاح الاقتصادى، معالجة التشوهات التى تعوق انطلاق الاقتصاد والعمل فى بيئة تنافسية، وفى مقدمتها الغاء الدعم تدريجيا لاسيما على الوقود والطاقة من أجل أن تستغل تلك الأموال فى مشروعات التنمية، التلكؤ او التأخر فى مواصلة تنفيذ إصلاحات دعم الطاقة يؤدى مرة أخرى إلى الدخول فى دائرة مفرغة، ودخول الاقتصاد فى موجات متتالية لانهاية منها فى ازمات، نتيجتها ارتفاع التضخم بسبب ارتفاع عجز الموازنة العامة، واتساع فجوة العجز فى الميزان التجارة لارتفاع فاتورة الواردات، ودفع اعباء الاصلاح كثيرا دون نتيجة ملموسة، ارتفاع اسعار النفط حاليا ليلامس 80 دولارا للبرميل، ليست فى صالح الاقتصاد المصرى، ولابد من التعامل معها ، من اجل المضى قدما فى جنى ثمار ما تحقق من اصلاح اقتصادى تحمل المصريين اعبائه وفقا للمؤشرات فان نتائجه الايجابية بدأت تظهر بوضوح، وفى مقدمتها ارتفاع معدل النمو ليصل الى 5.4% فى الربع الثالث من العام المالى الحالى مقابل 4.3 % فى العام المالى الماضى، ما انعكس ايجابيا على تراجع معدل البطالة الى 10.6%، تعريض الموازنة لمخاطر ارتفاع أسعار النفط العالمية امر خطير، تخفيض الدعم يؤدى الى زيادة الكفاءة فى تخصيص الموارد على مستوى الاقتصاد، لصالح القطاعات المهمة لاسيما التعليم والرعاية الصحية وتحسين مستوى الخدمات العامة ، وهو ما يشكل عنصراً مهماً فى إطلاق الإمكانات الاقتصادية لمصر الاصلاح النقدى والمالى اسفر عن تحقيق الاستقرار المالى وزيادة الموارد ومعالجة الخلل الكبير فى عجز الموازنة، لكن الدين العام لا يزال مرتفعا، ما يتطلب مواصلة الجهود لضبط الأوضاع المالية من اجل الإنفاق فى المجالات الأساسية مثل الصحة والتعليم، وثالثا ان اهمية استكمال الاصلاح تكمن فى خلق فرص العمل، لمواجهة مشكلة البطالة واستيعاب الداخلين الجدد لسوق العمل، ولعل ما اشار اليه نائب المدير العام لصندوق النقد الدولى ديفيد ليبتون خلال زيارته مؤخرا للقاهرة ، مهم فى هذا الصدد بان مصر لا يسعها التأخر فى جهود خلق فرص العمل، متوقعا انه بحلول عام 2028 سيرتفع عدد السكان فى مصر ، مع ارتفاع فى الشريحة التى فى سن العمل بنسبة 20%. لقد تأخرت مصر كثيرا فى انتهاج السياسات الاقتصادية الرشيدة التى تطلق العنان للحاق بركب الدول الصاعدة صناعيا ، كثير من تلك الدول كانت مصر تسبقها فى مؤشرات التنمية الاقتصادية والبشرية ،حتى ستينيات القرن الماضى كانت مصر تسبق او على نفس المستوى مع دول مثل الهندوكوريا الجنوبية ، واذكر ان وفدا اقتصاديا مصريا زار نيوديلهى فى نهاية تسعينات القرن الماضى للتعرف على تجربتها فى التنمية الاقتصادية ، ففؤجئ باجابات من المسئولين هناك بانهم استفادوا كثيرا من تجربة مصر فى بداية ستينيات القرن الماضى خاصة تنمية المشروعات الصناعية الصغيرة والمتوسطة والتدريب ، وربط تلك المشروعات بالصناعات الكبيرة ، الهند حاليا تحقق اعلى معدل نمو فى العالم يفوق الصين ، كما تتجه بقوة لتتبوأ مكانة مناسبة بين الاقتصادات الكبرى عالميا .