كثيرا ما تبادر إلي ذهني، ودار بيني وبين نفسي تساؤل، تحول في الآونة الأخيرة، إلي نقاش جاد بيني وبين أصدقاء كثر، وهو هل العالم يتجه إلى الحرب؟ أم يتجه إلى المزيد من تعزيز الأمن والسلام؟ تفاوتت وتنوعت الآراء والرؤى بين من رأى أن العالم في آخر أيامه، وأن القيامة قد تقوم في أي لحظة. وبين من رأى أن العالم يحقق المزيد من التطور والرقي، وأنه كلما ارتقى البشر تراجع العنف والحرب وعم الأمن والسلام. فما رأيك أنت عزيزي القارئ. مؤشرات عديدة تتعزز يوميا، علي اتجاه الوضع الدولي نحو مخاطر حقيقية تهدد العالم بحرب شاملة، من هذه المؤشرات ظهور بوادر تكون تحالفات عسكرية، علي غرار تلك التي تكونت في بداية الحرب العالمية الثانية، والتي عرفت بمجموعة الحلفاء (فرنسا، بريطانيا)، ودول المحور (ألمانيا، ايطاليا، اليابان)، ووحدة "الأنشلوس" بين النمساوألمانيا، (وهي عملية عسكرية سلمية تم بموجبها ضم النمسا إلى ألمانيا الكبرى على يد حكومة ألمانيا النازية، وذلك في مارس 1938. لقي هذا الانضمام ترحيبا كبيرا من قبل الكثير من النمساويين حينها، وقد ظلت النمسا جزءا من ألمانيا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية في مايو 1945). كان الحشد العسكري لأطراف الحرب العالمية الأولى، أكثر من 60 مليون جندي، سقط منهم خلال الحرب 10 ملايين قتيل وعشرات الملايين من الجرحى والمعوقين. وفي الحرب العالمية الثانية، حشد المتحاربون 100 مليون جندي، سقط منهم ومن الضحايا المدنيين 50 مليون قتيل وعشرات الملايين من الجرحى والمعوقين. فضلا عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة، التي أدت إلي انتشار الفقر والبطالة، والأزمة المالية الخانقة، بسبب ارتفاع نفقات الحرب الباهظة. وإذا كانت تلك النتائج قد مثلت أهم آثار الحربين الأولي والثانية، وتمكن العالم من تجاوزها بصعوبة. فإن أفضل التوقعات والتكهنات والإحصائيات والدراسات المتعمقة، لا يمكن أن تعطينا أي تصور ولو تقريبي، لما يمكن أن يكون لحرب كونية شاملة اليوم من آثار مهولة، لا يمكن للعقل البشري نفسه تخيلها، وهو من أنتج أحداثها وصنع أدواتها وابتكر أسلحتها المرعبة. اللافت للنظر أيضا، ومن خلال متابعاتي لآراء الخبراء والباحثين والمتخصصين في العلاقات الدولية، توقعاتهم بتصاعد أزمات العالم في العام الجديد 2018، حيث تهيمن على تصوراتهم توقعات شديدة التشاؤم عن "حالة العالم"، إذ كشفت قوائم الكتب الأكثر تأثيرا، وترشيحات كبار النقاد التي نشرتها بعض المؤسسات العالمية، مثل صحف: فايننشيال تايمز، والجارديان، ومجلة الإيكونوميست، والفورين أفيرز، والمراكز البحثية العالمية، عن صورة لعالم مضطرب يموج بالتحولات المتسارعة وغير المتوقعة، والصراعات الداخلية، وتهديدات صراعات القوى الكبرى، والضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مع تصدع الدعائم المؤسسية والقيمية لحالة الاستقرار التي سادت على مدار عقود ممتدة. كانت بداية عام 2017، صادمة بإعلان ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الأمريكية والدبلوماسي الأمريكي السابق، إعلان نهاية النظام العالمي الذي تشكل منذ نهاية الحرب الباردة وبداية "عصر الفوضى"، الذي تسوده التهديدات والتحولات السريعة وغير المتوقعة في كتابه المعنون "عالم تكتنفه الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم". لم يعد النظام العالمي الذي تقوده الولاياتالمتحدة، قابلا للاستمرار بعد انهيار أركانه الأساسية، كانت هذه هي المقولة المركزية التي تأسست عليها أطروحة هاس. ويرصد الكتاب عملية التفكيك التي شهدتها أركان النظام العالمي ودعائمه، مع انتشار القوة بين عدد كبير من الفاعلين في عصر العولمة، وصعود الظواهر والتهديدات العابرة للحدود. مثل، الأوبئة والتهديدات الإرهابية والقرصنة البحرية، بالإضافة لتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وأزمات الثقة بين الحلفاء، وتزايد النزاعات المسلحة، وعدم الاستقرار الداخلي الذي وصلت تجلياته إلى الولاياتالمتحدة. ويدعو هاس، إلى تأسيس "نسخة جديدة من النظام العالمي"، يقوم على إعادة إنتاج المبادئ التقليدية التي حكمت النظام الدولي وكفلت له الاستقرار، مثل، السيادة والشرعية وتوازن القوى، وفي هذا النظام تركز الدول ذات السيادة على أداء واجباتها تجاه النظام الدولي بقدر ما تسعى لتحقيق مصالحها. وعلى الرغم من مرور عام واحد فقط، على رئاسة دونالد ترامب للولايات المتحدة، إلا أن كما ضخما من الكتب قد ركز على تأثيرات ترامب على السياسة الأمريكية. فمثلًا ركز تشارلي لا درمان وبرينان سيمز، على "تشكيل رؤية العالم" لدى ترامب، خاصة القومية والشعبوية والانفرادية والتمرد على القواعد والمؤسسات وعدم الإيمان بالتحالفات والإيمان بالقوة والإعجاب بالقادة الأقوياء والمؤثرين، واعتمد الكتاب، على تحليل اللقاءات الصحفية له وخطاباته قبل توليه الرئاسة. ووصلت حدة الانقسامات والاستقطاب في الولاياتالمتحدة، إلى تطلع بعض الكتاب، إلى مرحلة ما بعد ترامب، وهو ما تجلى في كتاب "أمة واحدة بعد ترامب: دليل للحائرين وخائبي الأمل واليائسين ومن لم يتم ترحيلهم بعد"، الذي يطرح أفكارا حول السياقات المجتمعية التي أدت لفوزه بالرئاسة، للإجابة على سؤال "ما الذي حدث"؟ على حد تعبير كتاب "هيلاري كلينتون"، ثم ينخرط الكتاب في الجدل حول كيفية استعادة الأمريكيين للسيطرة على السياسة والتصدي للتيارات اليمينية المتطرفة. أخيرا، تؤكد الاتجاهات الرئيسية لرؤى المراقبين وباحثي العلاقات الدولية، على أن عالم 2018، سوف تتحكم فيه عدة قوى محركة، في صدارتها، انحسار العولمة ومشروعات الاندماج الإقليمي، واحتدام التنافس بين القوى الكبرى على الصدارة العالمية، وانتشار مظاهر عدم الاستقرار الداخلي، والصراعات الإقليمية، والحروب بالوكالة خاصة في مناطق التماس الحدودية بين نطاقات نفوذ القوى الكبرى مثل أقاليم آسيا الوسطى وشرق أوروبا والبلقان، التي تواجه تهديدات لاستقرارها بالتوازي مع هشاشة الأوضاع الداخلية والانقسامات المجتمعية والعرقية والدينية والعداء للتعددية الثقافية والخبرة والمعرفة. التخوف الأكبر هنا، وما يهمنا كعرب، هو أن ميدان أي حرب قادمة سيكون الوطن العربي والعالم الإسلامي. وليس أوروبا كما كان الحال في الحرب الأولي والثانية. وللأسف الشديد قد تطوع العرب "ولا فخر" بتدشينها مبكرا، ويخوضونها بكل ما يملكون من مال وسلاح. لمزيد من مقالات ابراهيم النجار;