رئيس جامعة الأزهر يدعو إلى إحياء المنهج التراثي الكامل في بناء العلماء    الذهب يرتفع فى الصاغة، عيار 21 يصل لهذا المستوى    وزير الكهرباء: استراتيجية متكاملة لتحويل الشبكة القومية إلى «ذكية» وتعظيم عوائد الأصول    شُعبة المستلزمات الطبية تبحث سُبل الحفاظ على استقرار السوق    حرب إيران تشعل أزمة الأسمدة فى العالم.. إنذار مبكر لموجة غلاء عالمية    حزب الله يعلن تنفيذ 28 عملية ضد إسرائيل واستهداف مستوطنات    نائب الرئيس الأمريكى: لن نهاجم مواقع الطاقة والبنية التحتية الإيرانية حتى انتهاء مهلة ترامب    وزير الخارجية يناقش مع الممثل الأوروبي لعملية السلام مستجدات الأوضاع بالأراضي الفلسطينية والشرق الأوسط    قبل مباراة الأهلي وسيراميكا، ترتيب مجموعة التتويج في الدوري الممتاز    وزير الشباب يتابع مستجدات الموقف التنفيذي لاستعدادات استضافة مصر لدورة الألعاب الأفريقية 2027    إعدام الشقيق والمؤبد للابن، جنايات المنصورة تسدل الستار على مأساة ميراث المنزلة    طرح البوستر الرسمى لفيلم إذما بطولة أحمد داود    الهيئة العامة للرعاية الصحية تعلن إنجازاتها في تطوير الكوادر الطبية وتعزيز منظومة التعليم الطبي المستمر    محافظ الغربية يتابع أسواق اليوم الواحد بتخفيضات تصل إلى 30%    كونتي يفتح الباب أمام تدريب منتخب إيطاليا    يفتح آفاقا جديدة لاكتشافات مماثلة.. معلومات عن كشف الغاز دينيس غرب1    الداخلية تضبط مصنعا غير مرخص للمواد الغذائية والعطور بالمرج    الأمن يضبط ميكروباص "الرعونة" بالفيوم والسبب "اختصار طريق"    مدبولي يتابع مع وزير النقل جهود تحويل مصر إلى مركز لتجارة الترانزيت    تطورات مقلقة في الحالة الصحية للفنان عبد الرحمن أبو زهرة    إنشاء قاعة عرض تفاعلي في المتحف القومي للحضارة المصرية    وفاة والد المؤلف محمود حمدان.. وهذا هو موعد ومكان العزاء    خالد الجندى: الكمال لله وحده ولا أحد معصوم من الخطأ    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال مارس الماضي.. أولوية قصوى للتعامل العاجل والفعال مع شكاوى واستغاثات وطلبات المواطنين المرتبطة بقطاع الصحة    مصرع معلمة تحت عجلات القطار بقنا وتوجيهات بسرعة صرف مستحقاتها لأسرتها    وزير الخارجية يستعرض مع نظرائه من أستراليا واليابان والبرتغال جهود خفض التصعيد    أول تعليق من «تعليم القاهرة» حول سقوط سقف إحدى المدارس    تكريم الطلاب المتفوقين والأمهات المثاليات في احتفالية يوم اليتيم بالشرقية    انطلاق مبادرة تمكين لدعم الخدمات الطبية والشمول المالي في قنا    درجات الحرارة في القاهرة وأخبار الطقس غدًا الأربعاء 8 أبريل 2026    ربطه من قدميه ب «حبل».. ضبط عامل عذب طفله في سوهاج ونشر الفيديو    أسباب انخفاض ضغط الدم، احذريها    متى تشرب الماء؟ معهد التغذية يوضح التوقيت والكميات المناسبة    درة تكشف أسرار بداياتها ودور يوسف شاهين في مسيرتها الفنية    قنصوة: التوسع في إنشاء الجامعات يسهم في تقليل اغتراب الطلاب    الحرس الثورى الإيرانى: الرد على التهديدات الأمريكية سيتجاوز حدود المنطقة    أمين البحوث الإسلامية: صلاح الباطن واستقامة السلوك هما المعيار الحقيقي للعلم النافع    ضبط 600 كيلو دقيق مدعم قبل تهريبه بالسوق السوداء فى الأقصر.. صور    انهيار جزئى لمنزل بالطوب اللبن فى قرية زرنيخ بمدينة إسنا دون إصابات.. صور    رائدة الفن والأمومة، لمحات من مسيرة الفنانة التشكيلية القديرة زينب السجيني    رسميا.. المصري يعلن رحيل الكوكي    وكيل تعليم بني سويف: المدرسة الدولية الجديدة تستهدف تقديم نموذج تعليمي دولي متميز بأسعار مناسبة    رئيس شركة مياه البحر الأحمر يؤكد الالتزام بمعايير جودة المياه    المصري يواصل التدريبات بمركز بورفؤاد استعدادًا لمواجهة بيراميدز    المصري يعلن إقالة الكوكي    أنشطة متنوعة بثقافة العريش والمساعيد لتعزيز القيم ودعم المواهب الفنية    عاجل- وزير الدفاع الأمريكي يكشف تفاصيل عملية إنقاذ طيار إف-15 أسقطته إيران    القنصلية الفرنسية بالإسكندرية تحتفي بتولي المحافظ مهام منصبه وتبحث آفاق التعاون    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    دمياط تحتضن التصفيات الأولية للنسخة ال33 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    هدوء فى سوق الدواجن بالإسماعيلية وسط وفرة المعروض    «الري» توضح كيفية التعامل مع مياه الأمطار واستغلالها بشكل مفيد    الأكاديمية العربية تحصد المركز الأول على مستوى الجامعات المصرية في تصنيف سيماجو 2026    إجراء أول جراحة مخ وأعصاب لرضيعة عمرها 4 أيام بمستشفى شربين بالدقهلية    قائمة منتخب كرة اليد 2008 استعدادًا للبحر المتوسط..والبعثة تغادر 12أبريل    نقيب الإعلاميين ينعى والد محمد إبراهيم رئيس التلفزيون    نائب وزير الصحة تعقد الاجتماع التنسيقي الأول لتطوير الرعاية الصحية الأولية    إبراهيم حسن: زيزو لاعب «مصنوع» وانتقاله إلى الأهلى لم يكن متوقعا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أسود قصر النيل...والمعالم الحضارية للقاهرة
نشر في الأهرام اليومي يوم 31 - 07 - 2016

سعدت بأن محافظة القاهرة قد أدركت أخيرا قيمة بعض المعالم الأثرية لعاصمتنا الجميلة - أو التى كانت جميلة - وقررت أن توليها الاهتمام الذى يفرضه علينا تاريخنا الحضارى القديم والحديث معا.
فقد قرأت أن المحافظة طلبت من وزارة الآثار إدراج تماثيل أسود كوبرى قصر النيل ضمن الآثار الحديثة المسجلة، وبعيدا عن بعض ما تردد من أن محافظة القاهرة ستغطى التماثيل بمادة تحول دون الكتابة عليها، وهو كلام لا أساس علميا له، فإن الحقيقة أن هذه الأسود أصبحت على مدى السنين أحد المعالم الأساسية لمدينة القاهرة، وقد شهدت أهم الأحداث التى صنعت تاريخنا الحديث، وعلينا أن نحافظ عليها كما تحافظ باريس على برج إيفل أو تحافظ لندن على ساعة بيج بن.
لقد مرت تلك الأسود الأربعة الرابضة فى شموخ على مدخلى الكوبرى بقدر لا يستهان به من الامتهان خلال سلسلة المظاهرات المليونية التى تلت ثورة 25 يناير والتى انطلقت من ميدان التحرير وعمت كل المناطق المحيطة بالميدان، وما تلا تلك الأحداث من اضطرابات متتالية تمركز الكثير منها حول ميدان التحرير وكوبرى قصر النيل، ثم جاء حكم الأخوان البغيض فأصبحت حياة هذه الأسود وغيرها من التماثيل القديمة والحديثة فى خطر بعد ان أعلن أن كل التماثيل أصنام ينبغى تحطيمها، وخرج علينا البعض يطالب بالفعل بتحطيم البعض منها وتغطية البعض الآخر حتى لا يعبدها الناس.
ويعود تاريخ تماثيل أسود قصر النيل الى أواخر القرن التاسع عشر وقد أبدعها المثال الفرنسى الشهير هنرى جاكمار Henri Jacquemart (1824-1896) بطلب خاص من الخديو إسماعيل، وجاكمار هو المثال الذى صنع تمثال الكولونيل جوزيف سيف Joseph Sève الذى عهد إليه محمد على ببناء الجيش المصرى الحديث فاستوطن مصر التى أحبها واعتنق الإسلام فصار يعرف باسم سليمان باشا الفرنساوى وأطلق اسمه على أحد أهم شوارع قلب القاهرة وعلى الميدان، وقد تغير اسمهما بعد ذلك ليصبحا شارع وميدان طلعت حرب، بينما انتقل تمثال سليمان باشا من موقعه فى الميدان الى المتحف الحربي.
على أن ارتباط سليمان باشا بتاريخ مصر الحديث يتخطى كونه مؤسس الجيش، فقد تزوجت ابنته من محمد شريف باشا، أبو الدستور المصرى ورئيس الوزراء، وأثمر هذا الزواج ابنة سماها والدها توفيقة على اسم الخديو توفيق الذى كان قد تولى حكم مصر خلفا لوالده الخديو إسماعيل، وقد تزوجت توفيقة من عبد الرحيم باشا صبرى وزير الزراعة فيما بعد وأنجبت منه الملكة نازلى أم آخر ملوك مصر الملك فاروق.
كما صنع جاكمار أيضا تمثال لاظوغلى الموجود حاليا بالميدان الذى يحمل اسمه. ولهذا التمثال قصة طريفة، فمحمود بك لاظوغلو الذى تحور اسمه التركى ليصبح لاظوغلي، هو قائد عسكرى فى الجيش المصري، وقد كان كتخدا مصر أى رئيس الدواوين الإدارية، وهو ما يوازى الآن رئيس الوزراء، وحين عهد الخديو إسماعيل للمثال الفرنسى بعمل تماثيل لمحمد على باشا، ولسليمان باشا، وللاظوغلى بك، كان الأخير قد توفى ولم يكن له صورة زيتية فلم يعرف جاكمار كيف يصنع له التمثال المطلوب، إلى أن عثر بالصدفة بعض من كانوا يعرفون لاظوغلى معرفة شخصية، على سقا عجوز فى حى خان الخليلى يكاد شكله يطابق شكل لاظوغلي، فألبسوه لباس المرحوم وأتوا به الى جاكمار فصنع تمثاله اعتمادا على شكل وهيئة هذا السقا البسيط الذى لم يكن يحلم بأن يصنع له أحد أكبر مثالى فرنسا تمثالا.
والحقيقة ان تلك ليست المفارقة الوحيدة بالنسبة لهذا التمثال، فإلى جانب كونه تمثالا لسقا وليس لكتخدا مصر، فهو يخلد لاظوغلى الذى كان قائدا عسكريا لكن قدر له أن يرتبط اسمه بالداخلية وليس بالجيش، ففى هذا الميدان يقع المقر الرئيسى لوزارة الداخلية، حتى أصبح اسم لاظوغلى يغنى عن الداخلية فصار الناس يقولون سأذهب إلى لاظوغلى بدلا من القول سأذهب إلى الداخلية.
ورغم أن الرجل لم يكن اسمه لاظوغلي، ولا كان التمثال تمثاله، ولا كانت له علاقة بالداخلية التى ارتبط اسمه بها، فإن تمثاله هو الوحيد بين التماثيل الثلاثة الذى بقى فى مكانه وبَقى اسم ميدانه كما هو على مر السنين.
أما تماثيل أسود قصر النيل فقد لا يعرف البعض انها صنعت أصلا لكى توضع على بوابتى حديقة حيوان الجيزة، لكن حين وصلت التماثيل الأربعة الى القاهرة من فرنسا، كان الخديو اسماعيل قد خلع وتولى ابنه الخديو توفيق، وكانت تجرى فى ذلك الوقت عملية تجميل كوبرى الخديو اسماعيل كما كان يسمى الكوبرى آن ذاك، ورأى الخديو توفيق أن الكوبرى يحتاج لمظهر يليق بهيبة اسم والده، فتم وضع أسدين على كل مدخل، واستعيض عن التماثيل عند افتتاح حديقة الحيوان عام 1891، بلوحات مجسمة على المدخل تصور مختلف حيوانات الغاب.
وقد ظلت أسود قصر النيل محتفظة بجلالها وبهيبتها منذ وضعا فى مكانهم فى أواخر القرن ال19، لكن مع الثورة التى انفجرت فى ميدان التحرير فى 25 يناير 2011 تجرأ بعض الصبية على الأسود وقفزوا فوقها يضعون الأعلام والملصقات ويكتبون الشعارات، فلم يختلف مصيرها عما تلاقيه الأسود الحية فى حديقة الحيوان من اعتداءات من الجمهور واهمال من الإدارة المعنية، ولولا أن أسود قصر النيل مصنوعة من البرونز لنفقت مثلما تنفق بعض حيوانات الحديقة.
اننى أتمنى على محافظة القاهرة أن تسارع بتسليم التماثيل للوزارة المعنية بالحفاظ على تراثنا، وأن يتم وضع حارس بزى رسمى على كل منها فيزيد ذلك من بهاء المشهد وجلاله، حتى يدرك المارة أنهم أمام معلم مهم من معالم عاصمتنا الجميلة ينبغى الحفاظ عليه واحترامه، كما أرجو أن يتم إصلاح أعمدة الإنارة على امتداد الكوبرى دون استبدالها بأعمدة حديثة. لقد أقيمت هذه الأعمدة على طراز ال »آر ديكو« المماثل لقاعدة التماثيل فيا حبذا لو لم يتم العبث بها.
وبعد ذلك فإنى على ثقة أن المواطنين جميعا سيسعدون بهذا المشهد، وسيسهمون مع بقية الشعب المصرى الذى يعتز بالمعالم الحضارية لعاصمته، فى الحفاظ على كوبرى قصر النيل، وعلى تلك الأسود التى ظلت رابضة على مداخله تحرسه فى شموخ طوال أكثر من قرن من الزمان.
لمزيد من مقالات محمد سلماوي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.