الضربة الحديدية، نتنياهو يقر خطة الهجوم الإسرائيلي على إيران    حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها بالقليوبية    «أون لاين».. كيفية الإستعلام عن فاتورة الكهرباء لشهر يناير 2026    الحصر العددي، حسين غيتة يقترب من حسم مقعد مغاغة بالمنيا    فيديو.. وزير الطيران يكشف تفاصيل إلغاء كارت الجوازات للقادمين والمغادرين نهاية يناير الجاري    رئيسة فنزويلا المؤقتة ل ترامب: شعبنا ومنطقتنا يستحقان السلام لا الحرب    ترامب يحذر إيران.. ويؤكد مقتل عدد كبير من الكوبيين المرتبطين بمادورو    خبير سيبراني: حظر السوشيال ميديا عمن دون ال 16 عاما سهل التنفيذ.. واللوم على الأهالي    الاتحاد الأوروبي يدعو واشنطن إلى احترام القانون الدولي وإرادة الشعب الفنزويلي    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 5 يناير 2026    وفقا للحصر العددي، يونس الجاحر يقترب من حسم مقعد القوصية بأسيوط    بعد إثارتها الجدل بسبب محمد عبد المنصف، من هي إيمان الزيدي؟    فاجعة تهز قليوب.. حريق شقة ينهي حياة أم وطفليها في «أم بيومي»    اللجنة العامة بالوراق وطناش تعلن الحصر العددي للمرشحين    ترامب: كوبا على وشك الانهيار والسقوط    «قفلت السكة في وشه».. عمرو مصطفى يكشف كواليس أول مكالمة مع الهضبة    الصحة: إنشاء مجمع تعليمي طبي متكامل بأرض مستشفى حميات إمبابة لدعم منظومة التمريض    الصحة العالمية تدعو لترشيد استخدام المضادات الحيوية قبل فوات الأوان    بالأرقام.. نتائج الحصر العددي لأصوات الناخبين بالدائرة الثالثة بالفيوم    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مهرجان المسرح العربي يكشف تفاصيل دورته الجديدة في مؤتمر صحفي اليوم    إبراهيم عيسى عن فيلم «الملحد»: المشاهد سيضحك ويبكي ويناقش    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 5 يناير 2026 في القاهرة والمحافظات    ياسر ريان: مشاركة الزمالك بالناشئين أمام الاتحاد السكندرى قرار خاطئ    اتحاد الغرف التجارية: وفرة السلع تسمح بوقف الاستيراد من مناطق النزاع دون رفع الأسعار    نتيجة الحصر العددي لانتخابات مجلس النواب بالدائرة التاسعة كوم حمادة وبدر بالبحيرة    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    محمد رمضان يفاجئ جمهوره بمسابقة نارية قبل حفل استاد القاهرة    هنا الزاهد تحتفل بعيد ميلادها.. ومهاراتها الفنية تثبت أنها نجمة متعددة المواهب    الاختلاف فى الرأى يفسد للود قضية    أيمن منصور يكشف كواليس تسجيله أسرع هدف في تاريخ أمم إفريقيا    العثور على جثة مسنه داخل منزلها بطنطا    دمياط.. الانتهاء من 548 مشروعا ضمن المرحلة الأولى من حياة كريمة    ميراث الدم| يقتل شقيقه ونجله بقنا.. والمحكمة تُحيل أوراقه إلى فضيلة المفتي    بيع سجائر بأغلى من التسعيرة.. حملة تفتيش على المحلات بأسواق العريش    أخبار × 24 ساعة.. إضافة مادة البرمجة والذكاء الاصطناعى لطلاب التعليم الفنى    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    للمرة الأولى منذ 47 عاما.. سان جيرمان يفوز على نادي باريس بهدفين    سيف زاهر: منافسة كبيرة بين الأهلى وبيراميدز على ضم موهبة بتروجت    115 عامًا من المجد والتاريخ، الزمالك يحتفل بذكرى تأسيسه    أمم إفريقيا - بروس: إذا لم نهدر فرصنا لم نكن لنخسر أمام الكاميرون    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    ديلسي رودريغيز: الهجوم الأمريكي واعتقال مادورو يندرجان ضمن مخطط ذي «دلالات صهيونية»    خالد الدرندلي: البنية الرياضية المتطورة تجعل مصر جاهزة لكأس العالم    مسلحون يقتحمون سوقًا في وسط نيجيريا ويقتلون 30 شخصًا ويختطفون آخرين    آخر تطورات سعر الريال القطري أمام الجنيه مساء اليوم الأحد    الوزير يتفقد الخط الرابع للمترو واستعدادات الحفر للفسطاط    أسباب زيادة الوزن في الشتاء    احتياطي السلع الأساسية يغطي احتياجات رمضان.. الغرف التجارية تكشف تفاصيل المخزون الاستراتيجي    تدهور الحالة الصحية للفنان إيمان البحر درويش.. اعرف التفاصيل    الصحة تطلق حملة «365 يوم سلامة» لتعزيز ثقافة سلامة المرضى    محافظ الغربية يجري جولة مفاجئة داخل عيادة أحمد عرابي الشاملة بكفر الزيات    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    القمة الإنجليزية.. ليفربول يواجه فولهام في مواجهة حاسمة بالبريميرليج 2025-2026    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التنظيم السري
واحتراف سرقة الثورات
نشر في الأهرام اليومي يوم 14 - 04 - 2012

مايحدث علي أرض أم الدنيا من محاولات فاضحة ومفضوحة للسطو علي الثورة وسرقتها عيانا جهارا في وضح النهار بغير حياء وبدون خجل لا يشكل سابقة غريبة في عالم الثورات العالمية الكبري المعاصرة. بل يشكل الركيزة الرئيسية والأساس في مواجهة الثورات العاصفة العاتية التي اندلعت نيرانها بكل القوة والعنف علي امتداد دول المعسكر الاشتراكي بدءا من معقل القيادة والقوة متمثلا في الاتحاد السوفيتي القوة العالمية الثانية العظمي حتي ذلك الوقت والزمان وماحدث للثورات العالمية الكبري في التسعينيات من القرن الماضي والاغتيال المادي والمعنوي لغالبية طموحاتها وأهدافها المشروعة الانسانية والوطنية لابد وأن يستحث جموع المصريين الشرفاء لليقظة والانتباه ويدفعهم الي الحشد والتعبئة العاجلة والسريعة قبل أن تغرق أم الدنيا في مستنقع الدكتاتورية والاستبداد والفساد المتوحش الذي مازال يملك الكثير من القدرات والإمكانيات الهائلة للانقضاض علي الطموحات المشروعة للثورة واغتيالها في المهد قبل أن يشتد عودها ويقوي وتستعين قوي الشر في الانقضاض علي الثورة والاجهاز عليها بنفس الوصفات الجاهزة التي أثبتت نجاحها في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي المتمثلة في إغراق جموع المواطنين في متاهات الغفلة والضياع وافقادهم تحت ضغوط المعارك المفتعلة المدبرة القدرة علي التمييز ودفعهم دفعا لمتاهات فقدان بوصلة التفرقة بين الخطأ والصح تحت ضغوط مطرقة الدق المفزع المتواصل خلف الأذن من خلال حيل وألاعيب لا تنتهي ومع كل هذه الفوضي تفرض أحاديث التشويش الزاعقة نفسها علي ساحة الأحداث ويصبح مطلب الهروب الفوري هو المطلب الجماعي في غياب فرصة التدبر للثمن الفادح المؤلم وهو مايؤدي في النهاية الي ضياع الثورات بأيدي أبنائها بعد قيادتهم الي هاوية اليأس والاحباط وفقدان الأمل.
ولا يعني المصير المظلم لثورات دول المعسكر الاشتراكي أن هناك يقينا بغياب الأمل في نجاح الثورة المصرية وغياب الأمل في قدرتها علي مواجهة طوفان الشر لفلول النظام البائد المخلوع بل يعني بالدرجة الأولي والأساس حتمية الافاقة العاجلة من الغفلة وحتمية الادراك الواسع النطاق لطبيعة الوصفات الجاهزة السابق تطبيقها في دول أخري وصولا الي التعرف علي التفاصيل الدقيقة لألاعيب السطو علي الثورات وفنون سرقتها عيانا جهارا والأكثر أهمية وخطورة امتلاك الثورة القدرة علي تحديد القوي الفاعلة والمؤثرة من خلف الستار وألاعيبها وحيلها للانقضاض علي الثورات بصور وأشكال مختلفة ومتعددة, وهو مايحتم أن يتركز الجهد العام في تحديد المعني الدقيق لفلول النظام وأنها لا تقتصر فقط لا غير علي فلول الحزب الوطني المنحل بعموميات الأحاديث والأقوال بل ترتبط أساسا بالتنظيم السري الفعال الذي كان يدير الدولة وهذا الحزب من وراء الستار وكان دائما من خلال بدروم المركز الرئيسي للحزب علي كورنيش النيل يقدر علي توصيل الأوامر والمعلومات بامتداد الخريطة الجغرافية لمصر الي بدرومات أخري علي امتداد المحافظات المختلفة وهو بدروم كان يدير عملية الحكم والتنظيم السياسي لمصر منذ عهد الاتحاد الاشتراكي العربي بنفس الآليات والأشخاص وكان عقله المدبر الفاعل مايسمي بأمانة التنظيم, وللأسف الشديد لم يدقق احد بالعمد والقصد في حرق المبني وسرقة خزائن اسرار وكذلك المبني المجاور في ذورة احداث الثورة ومع تباشير نجاحها.
نفوذ التنظيم السري الحاكم لمصر منذ ثورة23 يوليو
وهذا المركز والبؤرة الاجرامية للنظام الفاسد البائد كان يعد دائما الصندوق الأسود للتنظيمات السياسية التابعة لنظم الحكم المتعاقبة, منذ ثورة23 يوليو وكان تدفق المعلومات إليه واتخاذ القرارات من خلاله لا يتم كما يتصور البعض داخل نطاق التنظيم الهرمي القيادي للحزب السياسي فقط لاغير بل هو مركز تتجمع من خلاله الاتصالات وعمليات التشاور والرصد والمتابعة وكذلك التحليل والتقييم مع مختلف أجهزة الدولة الأمنية علي امتدادها وتعددها وهناك البعض الهام منها غير معلن ولايشار اليه بالحديث من قريب او بعيد وبالتالي فإن الغرف السرية المظلمة في هذا البدروم هي الغرف الحقيقية لاتخاذ القرارات المصيرية والمحورية وعندما أراد الطاغوت الأكبر أن يتخذ الخطوة النهائية لتوريث ابنه جمال كانت العلامة الفارقة ترتبط بتسليمه مفاتيح خزائن هذا البدروم ليس باعتباره كنز المعلومات الثمين للنظام, ولكن باعتباره المفتاح الرئيسي للسطو والسيطرة علي مفاتيح اتخاذ القرار علي امتداد ربوع مصر المالك للقدرة علي التعبئة والحشد وحتي أقصي نجوعها وكان حامل المفاتيح الظاهر علي مسرح الأحداث هو البهلوان السياسي أحمد عز الذي تغيب عنه الكثير من تفصيلات وفرعيات وظائف كهنة المعبد ولا يدرك حقيقة امتلاك كلمة السر لدخول قدس أقداس الشيطان السياسي علي مسرح الدولة المصرية.
وكما كان الاتحاد الاشتراكي العربي تنظيما سياسيا يشارك في عضويته مجموع المصريين اتقاء لشر السلطة وبعدا عن ملاحقتها وبطشها فإن النظام الحاكم كان يدرك أيضا هذه الحقيقة ويشجع علي هذه العضوية الكثيفة غير المنضبطة وغير الملتزمة التي لا يوثق بها ولا تؤتمن علي الاسرار ولا يسمح لها إلا بتلقي تعليمات عامة شكلية, من هنا فإن النظام اعتمد علي نظرية الحلقات الضيقة الصغيرة وأعتمد علي عمليات اختيارات دقيقة وتفصيلية لتشكيل جوهر ولب التنظيم السياسي الفاعل القادر علي السيطرة والتحكم والقادر علي تنفيذ الاوامر والتعليمات بدقة وحرفية وبدرجة عالية من الانضباط والالتزام, من هنا تم بناء مايسمي بالتنظيم الطليعي داخل الاتحاد الاشتراكي العربي أو بالأصح كتنظيم سياسي مواز خفي ومستتر يحاط بالسرية وتحاط عضويته بدرجة عالية من التعتيم, وتم بناء التنظيم, الطليعي وفقا لقواعد وأسس التنظيمات السرية العنقودية في الجماعات المناهضة والمناوئة لنظم الحكم التي يتم التعامل معها باعتبارها جماعات محظورة من القانون والنظام العام وكانت هناك خلايا منفصلة وتتصل الخلايا ببعضها البعض من خلال قياداتها العليا فقط لاغير ولا يعرف بعضها البعض, والأكثر أهمية أن تشكيل التنظيم الطليعي تم أساسا في أحضان الأمن ووفقا لمعايير أمنية دقيقة وتولي مسئوليته الأساسية السيد شعراوي جمعة وزير الداخلية الأسبق وقد سيطرت قيادات هذا التنظيم بالاضافة الي قيادات منظمة الشباب الاشتراكي علي مراكز السلطة, والحكم بكافة أشكالها وأنواعها علي امتداد عهود عبد الناصر والسادات والمخلوع الطاغية وكان هاجس الانسان المصري المروع عند انشاء منظمة الشباب يتركز حول سعي النظام لاختراق جدران الاسرة المصرية الحصينة وتحويل الشباب الي مخبرين وكتبة للتقارير حتي عن اقرب المقربين اليهم وعندما بدأ مخطط التوريث ينضج ويستوي تم الدفع بقيادات التنظيم السري الجديد واحكم سطوته علي مفاتيح صنع القرار في الدولة المصرية وكان يضم وزراء تنفيذيين وقيادات عليا بالحزب تتركز أساسا في المكتب السياسي والأمانة العامة والمجلس الأعلي للسياسات وأمناء المحافظات ومكاتبها التنفيذية والقيادات العليا للمؤسسات الصحفية القومية والاذاعة والتليفزيون ووزارة الاعلام إضافة للقيادات العليا للأجهزة الأمنية وقيادات المصالح والأجهزة الحكومية والجامعات وعدد من قيادات القضاء والنيابة العامة واستكمل الحشد والتعبئة بالسطو والسيطرة علي المناصب العليا للبنوك والبنك المركزي والأجهزة الرقابية.
المخابرات السوفيتية ترث نظام الحكم الشيوعي
ويقدم نموذج السطو والسرقة لثورة الشعب الروسي العارمة ضد قسوة وجبروت أكثر من70 عاما من الحكم الشيوعي الغاشم درسا عن قدرة الأجهزة علي أن ترث النظام إرثا كاملا غير منقوص وقدرتها البارعة الي ادارة الأحداث من خلف الستار بحيث يقع نظام الحكم فريسة سهلة بين أيديها بالقدر الأقل من الجهد وان تضمن في ضربة واحدة النفوذ السياسي والاقتصادي وقد ورث بوريس يلتسين الشيوعي العريق الحكم بعد سقوط النظام الشيوعي اسما وشكلا, وكان السكرتير العام للحزب الشيوعي الاعلي مكانه في الدولة قبله هو جورباتشوف صاحب البريوسترويكا هادمة الدولة والامبراطورية كان قيادة عليا في المخابرات السوفيتية وسبقه في المنصب اندروبوف معلمه واستاذه ورئيس المخابرات لسنوات طويلة وكان تولي يلتسين رئاسة الجمهورية تجسيدا لسيناريو الغفلة الشعبية وكان مشهورا عنه أنه الرجل الذي لا يفيق من الخمر ولا يملك القدرة علي ادارة أي عمل بحكم حالة السكر البين التي يعيشها طوال حياته وعلي امتداد الليل والنهار وكان عليلا مريضا وساد انطباع عام أنه مجرد محلل للحظة الصعبة التي تعيشها الدولة ويعيشها المجتمع والمواطن, وعاش الغالبية تحت وهم الرئيس الانتقالي المؤقت وافرطوا في التنازلات تحت وهم ان المرحلة المؤقتة تتيح للجميع القدرة علي الحشد والتعبئة ولكن جهاز المخابرات السوفيتية كي جي بي الذي كان يسيطر علي مفاصل الدولة والامبراطورية والعالم قبع في الظل وزرع رجاله حول الرئيس خيال المآتة ووضع رجله القوي فلاديمير بوتين في قلب السلطة, وبنوا علي مهل خلال سنوات قليلة حزبا جديدا قويا علي انقاض الحزب الشيوعي بعد تطعيمه بطبقة واسعة من الأثرياء الجدد أو بالأصح من اللصوص البارعين الذين تحولوا في غمضة عين من معدمين الي أصحاب مليارات بما نهبوه من الثروة الاقتصادية العامة الهائلة وتحولت السياسة كما تحول الاقتصاد الي قبضة هذه الفئة القديمة الجديدة, من رجال المخابرات والامن.
وخضعت روسيا لنظام قبيح لتوريث السلطة والحكم أصبح بموجبه بوتين رئيسا للجمهورية لفترتين رئاسيتين كما ينص الدستور وبحكم ثقته وأركان حزبه في السيطرة علي مفاتيح الأمور ومقاليدها فقد سمح لصديقه ولرئيس وزرائه أن يترشح للرئاسة لفترة وحيدة وواحدة ثم أعيد انتخابه مرة أخري الشهر الماضي بأغلبية كاسحة ليكون رئيسا للمرة الثالثة وليصبح كما يصفه الاعلام الغربي ب آخر القياصرة وكأن الثورة الشيوعية لم تقم علي الأرض وكأنها لم تتول السلطة وكأن الحكم الشيوعي لم يسقط وهو مايعني أن هناك قاعدة ذهبية تؤدي لضياع الثورات وتسهل اغتيالها والانقضاض عليها ترتبط ببقاء الأجهزة السلطوية الأمنية كما هي بغير تعديل وبدون تبديل مما يعني بقاء فعاليتها وبقاء نفوذها وسطوتها علي كل مفاصل الدولة والحكم.
الوحدة الألمانية وهدم مخابرات ألمانيا الشرقية
وقد ادركت ألمانيا الغربية الدرس جيدا عندما سقط سور برلين وسقط النظام الشيوعي وتمت الوحدة الألمانية فقد ارتبط ذلك بالهدم الكامل للأجهزة الامنية في ألمانيا الشرقية وتحولت الي انقاض وتحولت ملفات استاذي جهاز المخابرات المرعب في ألمانيا الشرقية الي أرشيف عام مسموح بالاطلاع علي كل أوراقه ومستنداته ومتاح التعرف علي تقاريره ومستنداته حتي يظل الوعي قائما ومتجددا ولم يقل أحد أن هذه الأجهزة وقياداته تملك صندوقا اسود يحوي الكثير من الأمور الغامضة عن ألمانيا الغربية وقادتها وساستها ورجال أعمالها ومثقفيها ومفكريها, وأن هذه الصناديق السوداء قنابل موقوتة شديدة الانفجار يجب إتقاء شرورها والبعد عنها وعدم الاقتراب منها, بل تم عرض الأرشيف كاملا علي المواطنين وأجهزة الاعلام لأن الدول لا تحمي الفساد ولا تتستر علي الانحراف وتصح عافيتها بالكشف عن تفصيلاتها ووقائعها وخباياها.
وفي ظل غياب الحياة السياسية الحقيقية لسنوات طويلة وبالتالي غياب القيادات الشعبية المعارضة البارزة فقد تمكن الحزب الشيوعي الروماني بعد تعديل اسمه وتغيير صفته اعتمادا علي أجهزة الدولة الأمنية التي لم يتم تفكيكها واعتمادا علي العجز الكامل عن القيام بعمليات التطهير السياسي والتنفيذي الواجبة الواسعة النطاق, ان يستعيد زمام السلطة فقد تولي رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ليسينكو أحد أقرب المقربين من الدكتاتور شاوشيسكو الذي تم اعدامه في الأيام الاولي للثورة هو وزوجته رميا بالرصاص في أحد معسكرات الجيش عند محاولته الهروب خارج رومانيا, وكأن الثورة قتلت الطاغية لتستبدله بابنه الروحي البكر الذي كان مسئولا عن منظمات الشباب في الحزب الشيوعي وكان مسئولا مباشرا بارزا علي قمة النظام والحزب والحكومة, وقد استمر الحال علي ماهو عليه في جمهوريات الاتحاد السوفيتي التي حصلت علي استقلالها بعد انهياره وحكم قادة الحزب الشيوعي السابقين الجمهوريات الاسلامية الآسيوية, كما سيطروا علي جمهوريات البلطيق واحتاج إزاحتهم من السلطة ثورة برتقالية شعبية في أوكرانيا سرعان ماسرقت وعادت الوجوه القديمة كما هي بفضل سطوة الأجهزة الأمنية وبفضل تماسك وصلابة أجهزة الدولة القديمة وماتملكه من سلطة ونفوذ عجزت الثورات عن تفكيكها وتقليم أظافرها.
وكان هناك استثناء يرتبط ببولندا بحكم امتداد تاريخ الثورة لسنوات سابقة علي سقوط الحكم الشيوعي بقيادة منظمة تضامن العمالية بزعامة ليش فاليسا, حيث نجحت بعد تحولها الي حزب سياسي في الفوز بغالبية مقاعد البرلمان كما أصبح فاليسا رئيسا للجمهورية ولكن بعد تسرب وثائق الدور الأمريكي اللصيق بثورة تضامن والضلوع المباشر للمخابرات المركزية الأمريكية في أنشطتها وكذلك انكشاف الدور البارز للكنيسة الكاثوليكية وبابا الفاتيكان في تمويلها فقد انهارت الكثير من الظلال الايجابية المشرقة أحاطت بمنظمة تضامن وزعيمها ولم يفلح في العودة مرة أخري لمنصب رئيس الجمهورية وتعدلت الخريطة السياسية بشكل جذري يعكس توازنات القوي القديمة والقوي الجديدة كما يعكس تفاهماتها مع النظام العالمي الجديد علي مستوي القارة الاوروبية والاتحاد الاوروبي وعلي مستوي التعامل مع القوة العالمية الوحيدة المتمثلة في أمريكا.
وتبقي حتمية الرجوع الي أرشيف التاريخ واستعادة تفاصيل ذاكرة سرقة الثورة الفرنسية بالرغم من كل مايحيط بها من شعارات انسانية تتحدي الزمن ومايحلق في سمائها من فلسفات وأفكار عبقرية وما يرتبط بها من قصص وخيالات الشعراء والمبدعين فقد سرقت الثورة في وضح النهار منذ اللحظات الاولي عن طريق جماعة اليعاقبة وهي تجمع من المثقفين الثوريين عددهم بالمئات فقط وكان قادتهم رمزا فاضحا للدموية الوحشية وفي مقدتهم روبسبير الذي أصدر أوامره باعدام الآلاف, ثم سقط رأسه من فوق مقصلة الموت ليلاقي نفس مصير الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري انطوانيت نموذج الغفلة والبلاهة في التاريخ الانساني المعاصر وكان مشهد الاغتيال النهائي للثورة مفجعا مع تنصيب الجنرال نابليون بونابرت امبراطورا لفرنسا بعد سنوات قليلة من الثورة ليعيد عجلة التاريخ الي الوراء.
وبالرغم من مأساوية مصير الثورات الحديثة وقدرة التنظيمات السرية والأجهزة الأمنية والجنرالات علي سرقتها ونهبها وتغيير مسارها للخلف در إلا أن الثورة المصرية وثورات الربيع العربي لا يمكن أن تعاني نفس المصير المفزع لسبب رئيسي يرجع الي ارتباط نجاحها الساحق بعصر ثورة الاتصالات والانترنت واعتماد هذه الثورات في اشعال نيرانها وتوسيع نطاقها علي التواصل الواسع النطاق خاصة بين الشباب ويعني كل ذلك أن الدولة أصبحت بالفعل والواقع قرية صغيرة يتردد بين جنباتها ليل نهار كل المفاسد والفضائح والمآسي بما يسهل الكشف التفصيلي عن مختلف وقائع الانحراف للنظم البائدة ويسمح بملاحقتها وتعريتها بإصرار وعزم ويتيح ذلك الافاقة الفورية للثورات ما أن تفتح قنوات الاتصال والتواصل خاصة عندما تنفجر في وجه الثورة كل بشاعة النظام القديم وهي لحظة يفيق فيها الجميع من الغفلة والضياع ليهبوا في وقفة رجل واحد لفرض إرادة الأمة ومشيئتها مها كانت التضحيات ومهما ارتفعت الخسائر؟!
المزيد من مقالات أسامة غيث


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.